يوميات متقاعد (38)
يوم من الوقفات الحيَّة بين الإنسان والمجتمع والمعرفة
في هذه السلسلة
من المقالات، نستعرض بعض المواقف الحقيقية التي وقعت على أرض الواقع، بزمانها
ومكانها وأشخاصها، مع الوقوف عند العبر المستفادة منها.
بداية الوقفة في ديوانية الفجر
نبدأ هذه الوقفة
التي حدثت في 30 مايو 2025م، في منطقة خيطان؛ إحدى ضواحي الكويت؛ حيث توجد ديوانية
تقام بعد صلاة الفجر عند أ. زايد أبي أحمد، وهذه الديوانية ليست مجرد مجلس عابر؛
بل هي مساحة إنسانية دافئة، يلتقي فيها الأصدقاء ويتبادلون الحديث والخبرات؛ منهم
العلماء ومنهم أساتذة الجامعة.
كنت أزور أبا
أحمد من وقت إلى آخر؛ فهو شخصية ظريفة، لطيفة، ونيسة، يُسعد الجالسين معه بحديثه
عن صولاته وجولاته في السفر، ولا سيما في هولندا وما حولها من الدول الأوروبية، وفي
ذلك اليوم، استقبلني استقبالاً حاراً؛ فرحب بي أشد الترحيب، وأحسن ضيافتي، ثم بدأ
حديثه عن موضوع لافت؛ وهو النقاب في أوروبا.
النقاب في أوروبا.. بين المنع والحلول
قال أبو أحمد:
إن هناك ثماني دول أوروبية قد منعت النقاب ولا سيما في المدارس؛ تجمعها ثلاث كلمات
تعبر عن الحروف الأولية للكلمات «نسب بن فهد»، وهذه الدول هي: النمسا، والسويد،
وبلغاريا، وبلجيكا، والنرويج، وفرنسا، وهولندا، والدنمارك، ولكن، في المقابل، ما
زالت هناك دول لا تمانع من ارتداء النقاب، ولا ترى فيه إشكالاً، مثل: بريطانيا
وأيرلندا وفنلندا وألمانيا.
وأضاف قائلاً:
إن كثيراً من النساء المنتقبات في تلك الدول يلجأن إلى استخدام الكمام كبديل؛
خصوصاً في الأماكن التي يمنع فيها النقاب، والكمام مسموح به قانوناً؛ ما يجعله حلاً
عملياً لتجاوز هذه الإشكالية.
ومن هنا، أوجه
دعوة للمرأة المسلمة: لا داعي للخوف من السفر إلى أوروبا بسبب النقاب؛ فهناك دول
كثيرة لا تزال ترحب به، كما أن هناك حلولاً بديلة، مثل استخدام الكمام، تسهل
الأمور دون أن تحرم المرأة من متعة السفر مع زوجها وأبنائها.
الاستعداد لسفر العاملة المنزلية
ننتقل إلى 31
مايو 2025م؛ حيث أخبرني أحد أساتذة الجامعة بأن العاملة المنزلية لديه على وشك
السفر إلى بلدها في الفلبين، دعاني لأرى كيف يتم الاستعداد لهذا السفر؛ فذهبت
إليه، ووجدت حرصاً واضحاً على تيسير كل الإجراءات لها.
بدأ بشراء تذكرة
مباشرة من الكويت إلى مانيلا على متن طيران الخطوط الجوية الكويتية؛ رغم وجود
خيارات أقل تكلفة عبر الدوحة أو أبو ظبي أو مسقط، لكنه فضل دفع مبلغ إضافي لتوفير
الراحة لها، ثم أوضح لها تفاصيل الأمتعة؛ فقال: يمكنك أخذ شنطتين، وزن كل منهما 23
كيلوجراماً؛ أو شنطة واحدة لا يتجاوز وزنها 32 كيلوجراماً.
كما أكد ضرورة
الاحتفاظ بالبطاقة المدنية، وجميع الوثائق اللازمة؛ لضمان سهولة عودتها إلى الكويت،
ولم يكتف بذلك؛ بل طلب منها أن تبقى على تواصل معه، وأن تصور بطاقة الصعود إلى
الطائرة ومقعدها، وأن تطمئنه عند وصولها.
لمسة إنسانية لا تنسى
وخلال الحديث،
ذكرت له العاملة أن منزلها بعيد عن مانيلا، وأن تكلفة الوصول إليه بالحافلة تبلغ
نحو 50 ديناراً كويتياً، فما كان منه إلا أن حوَّل لها هذا المبلغ فوراً بالدولار؛
لسهولة استخدامه في بلدها.
تيسير أمور العاملين معنا ليس تفضلاً وإنما واجب أخلاقي خاصة أننا نعتمد على خدماتهم بشكل كبير
ثم طلب منها أن
تصور له أبناءها عند وصولها؛ ليشاركهم فرحتهم، وأن تبقى على تواصل دائم خلال
إجازتها التي تمتد شهرين، وفقاً للعقد بينهما.
إن هذه الوقفة
تقدم درساً إنسانياً عميقاً؛ مفاده أن تيسير أمور العاملين معنا ليس تفضلاً؛ وإنما
هو واجب أخلاقي، خاصة وأننا في الكويت نعتمد على خدماتهم بشكل كبير.
نقف لحظة تأمل
في هذا الواقع؛ حيث أصبحت هذه العلاقة بين العائلات والعاملات المنزليات جزءاً لا
يتجزأ من حياتنا.
لقاء أكاديمي ثري
وفي اليوم نفسه
(31 مايو 2025م)، زارني في المنزل د. يوسف من كلية التربية الأساسية في الهيئة
العامة للتعليم التطبيقي والتدريب، ودار بيننا حديث عميق حول طرق التدريس، ثم
انتقل الحديث إلى أطروحة الدكتوراة التي أنجزها حول الدولة الأموية.
إذا كان لديك أستاذ جامعي أو باحث فلا تتردد في التعرف على إنتاجه العلمي فذلك يثري الفكر والمعرفة
تحدث عن نشأة
الدولة الأموية وسقوطها؛ وعن محاسنها ومساوئها، بأسلوب علمي يتسم بالشفافية، وأشار
إلى معلومة مهمة؛ وهي أن الدولة الأموية كانت من أكثر الدول الإسلامية فتوحات
وانتشاراً للإسلام في مختلف أنحاء العالم؛ شمالاً وجنوباً وشرقاً وغرباً.
كما أكد أنه،
رغم وجود بعض المثالب، فإن هناك محاسن لا ينبغي إغفالها؛ لأن الإنصاف يقتضي النظر
إلى الصورة كاملة.
استمر الحوار
بيننا نحو ساعة كاملة؛ عرض خلالها تفاصيل الأطروحة، وأخبرني بأنها جاهزة للنشر، فطلبت
نسخة منها؛ للاستفادة منها.
ومن هنا، أوجه
دعوة لكل قارئ: إذا كان لديك أستاذ جامعي أو باحث؛ فلا تتردد في دعوته للحديث،
والتعرف على إنتاجه العلمي؛ فذلك يثري الفكر، ويسهم في نشر المعرفة.
الاستعداد المبكر لشهر رمضان القادم
وفي اليوم نفسه
أيضاً، بدأت الاستعداد لحلقات شهر رمضان القادم، قد يبدو الأمر مبكراً؛ لكن
الحقيقة أن الإعداد لبرامج رمضان يحتاج إلى وقت طويل؛ قد يصل إلى سنة كاملة.
فنحن في شهر
مايو، بينما يأتي رمضان في شهر فبراير من العام التالي؛ ولذلك، فإن التخطيط المبكر
يجنبنا ضغط الوقت، ويساعدنا على تقديم محتوى متميز.
فرحة التخرج وأثرها في النفوس
وفي ختام هذا
اليوم الحافل، تلقيت دعوة من حفيدي زيد لحضور حفل تخرجه في المرحلة الثانوية، فلبيت
الدعوة؛ لأن حضور مثل هذه المناسبات له أثر كبير في نفوس الأبناء والأحفاد.
الحياة سلسلة من الدروس فعلى الإنسان التأمل في تفاصيل يومه سيجد من العبر ما يغنيه ويرشده
إن مشاركة الأهل
في لحظات الفرح تعزز الثقة، وتشجع الأبناء على مواصلة النجاح؛ ولذلك، أنصح الآباء
والأمهات، وكذلك الأجداد والجدات، بالحرص على تلبية مثل هذه الدعوات.
اختيار المستقبل بعناية
بعد التخرج،
يبدأ التحدي الحقيقي؛ وهو اختيار التخصص الجامعي، وقد نصحت حفيدي بأن يجعل جامعة
الكويت خياره الأول؛ فإن لم يوفق في القبول، فليتوجه إلى الجامعات الخاصة في
الكويت، ثم إلى الجامعات خارج الكويت في الدول الإسلامية؛ مثل تركيا، ومصر،
والأردن، وماليزيا.
وقد استجاب
للنصيحة، وبدأ خطوات التقديم، وقد وفقه الله تعالى للقبول في كلية الطب بجامعة
الكويت، أسأل الله تعالى أن يحقق طموحاته، وأن يكون نافعاً لوطنه وأهله.
إن هذا اليوم، بما حمله من مواقف متنوعة؛ من ديوانية الفجر، إلى قضايا المجتمع، إلى المواقف الإنسانية، إلى الحوار العلمي، إلى التخطيط للمستقبل؛ يذكرنا بأن الحياة سلسلة من الدروس المتتابعة، وأن الإنسان، إذا أحسن التأمل في تفاصيل يومه، وجد فيه من العبر ما يغنيه، ويرشده، ويعينه على أن يعيش حياة أكثر وعياً وتوازناً.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً