يوميات متقاعد (43)

تأملات في يوم العيد ومعاني الحياة

تأملات في يوم العيد ومعاني الحياة

في هذه السلسلة من المقالات، نستعرض بعض المواقف الحقيقية التي وقعت على أرض الواقع، بزمانها ومكانها وأشخاصها، مع الوقوف عند العبر المستفادة منها.

مدخل إلى يوم استثنائي

نبدأ بهذا الموقف الذي حدث في 6 يونيو 2025م، وكان يوم الجمعة، ويصادف أول أيام عيد الأضحى، وفي مثل هذا اليوم الذي يلتقي فيه العيد مع الجمعة، تظهر بعض الاختلافات الفقهية؛ حول من أدى صلاة العيد جماعة مع المسلمين، هل يجوز له عدم أداء صلاة الجمعة ظهراً.

هذه المسألة تتكرر كل عام، ويكثر حولها النقاش، حتى حسمها إمام مسجدنا، حين قال: إن من أدى صلاة العيد يجوز له ترك صلاة الجمعة وأدائها ظهراً، ولا يجوز توجيه اللوم له إذا قرر عدم أدائها؛ ومع ذلك تبقى صلاة الجمعة فرضاً، وأداؤها هو الأحوط.

وبهذا التوضيح زال الإشكال، فمن أراد أن يصلي الجمعة فله أجر، ومن لم يصلها لأنه أدى صلاة العيد، وكان مقتنعاً بأن أداءها هو الأحوط، فلا حرج عليه؛ فالأمر مباح، وهي رخصة عمل بها المسلمون عبر التاريخ، وبذلك حسم الأمر، ونأمل في الأعوام القادمة ألا يتكرر هذا الجدل، وأن يسود الفهم الصحيح.

الاجتماع العائلي وتعدد الأهداف

بعد ذلك، وخلال جلوسنا على مائدة الإفطار صباح العيد، حيث نجتمع كل عام في بيت العائلة، أثيرت مسألة مهمة؛ لماذا لا تكون لدينا أهداف موحدة؟ كان عدد الحضور يقارب 30 أو 40 رجلاً، ومثلهم من النساء، فكان السؤال وجيهاً في ظاهره.

رفع أخي الأكبر يده وقال: إن اختلاف الأهداف قد يكون رحمة لنا جميعاً؛ فليس من الضروري أن نتشارك الأهداف نفسها، بل من الطبيعي أن يكون لكل واحد منا اهتماماته الخاصة، وأهدافه التي تميزه، وأضاف أن مجرد اجتماعنا في أوقات محددة من الأسبوع أو الشهر أو السنة، في المناسبات المختلفة، كافٍ ليحفظ روابطنا.

اقتنع الجميع بهذا الطرح، إذ ليس شرطاً أن نتشابه في كل شيء، رغم أننا نشأنا في بيت واحد، ولأب واحد، وأُم واحدة، وتربينا في بيئة واحدة، ودرسنا في مدارس متقاربة؛ فتنوع الاهتمامات والأهداف قد يكون من رحمة الله تعالى بنا، ليكمل بعضنا بعضاً.

ألعاب بسيطة تعزز العلاقات

وفي مساء اليوم نفسه؛ 6 يونيو 2025م، حدثني أحد الأطباء عن تجربة جميلة، قال: إنه اعتاد أن يخرج مع أسرته في أول أيام العيد إلى العشاء في أحد الفنادق، وفي تلك الليلة جلس مع زوجته يتبادلان الحديث، ويسترجعان بعض الذكريات.

ثم اقترح لعبة بسيطة، وهي أن يسأل كل واحد منهما الآخر سؤالاً محدداً؛ من هو أعز أصدقائك الذي تثق به، وتأمنه على أسرارك؟ يقول: إن هذه اللعبة تضفي جواً من الألفة، وتفتح باباً للحوار العميق، بدل الاقتصار على الأكل من غير حديث.

وعندما طرح هذا السؤال على زوجته، ثم سألته هي السؤال نفسه، وجد كل منهما نفسه يفكر بعمق؛ من هو ذلك الشخص الذي يثق به ثقة كاملة؟ وكانت النتيجة أن كل واحد منهما ذكر شخصاً واحداً فقط؛ وهو ما يعكس طبيعة العلاقات في حياة الإنسان، حيث تقل دائرة الثقة كلما تقدم في العمر.

ويؤكد هذا الطبيب أن مثل هذه الألعاب البسيطة قد تكشف جوانب خفية في العلاقات، وتمنح الأزواج فرصة لفهم بعضهم بشكل أعمق.

الأطفال وعفوية الصداقة

وفي اليوم نفسه، خلال لقاء عائلي آخر بعد صلاة العصر، جربنا اللعبة نفسها مع أفراد العائلة، وكانت المفاجأة عند الأطفال؛ فعندما سألنا أحدهم، وكان عمره نحو 7 سنوات، عن أعز أصدقائه، بدأ يعدد أسماء كثيرة، مثل يوسف، وبدر، ومحمد.. وغيرهم.

وهذا يدل على أن الأطفال يمتلكون قدرة أكبر على تكوين الصداقات، ولا يقيدون أنفسهم بدائرة ضيقة كما يفعل الكبار؛ فبراءتهم تجعلهم أكثر انفتاحاً، وأكثر استعداداً للثقة، والتواصل مع الآخرين.

التجربة الحياتية على شاطئ البحر

وفي اليوم التالي، 7 يونيو 2025م، قررت أن أتواصل مع اثنين من إخوتي، ونذهب معاً إلى المشي على شاطئ أنجفة بعد صلاة العصر؛ رغم حرارة الجو، وافقا على الفكرة، ومشينا نحو 30 دقيقة حتى قبيل المغرب، ثم ذهبنا إلى أحد المطاعم، وتناولنا المثلجات.

كانت تجربة بسيطة، لكنها مليئة بالمعاني، إذ إن قضاء الوقت مع الإخوة يعزز الروابط، ويجدد الطاقة النفسية، ويمنح الإنسان شعوراً بالراحة.

التأمل في خلق الله

خلال جلوسنا على الشاطئ، بدأ أخي الأكبر يتأمل البحر، وينظر إلى السماء، وقال: إن هذا الجمال كله يدل على عظمة الخالق؛ فالبحر بأمواجه، والسماء باتساعها، والنظام الدقيق في الكون، كلها تشير إلى وجود خالق حكيم.

ثم طرح سؤالاً منطقياً: هل يعقل أن يوجد هذا الكون من غير خالق؟ وذكر مثالاً بسيطاً، فقال: إن من غير المعقول أن يرى الإنسان مائدة طعام متقنة، ثم يقال له: إنها جاءت صدفة؛ فكيف يقبل بعض الناس أن الكون كله جاء بلا خالق؟!

وأشار إلى أن انتشار الإلحاد في هذا العصر قد يكون مرتبطاً بالتطور التكنولوجي، وسوء فهم العلم، لكنه أكد أن التأمل في الكون كفيل بإعادة الإنسان إلى الفطرة السليمة.

واستمر الحوار بيننا حول هذه المعاني، وشارك الجميع بآرائهم، ثم أنهينا يومنا بتناول المثلجات، بعد مشي طويل في الحر، وكانت خاتمة جميلة ليوم مليء بالتجارب، والدروس، والحوارات العميقة.

وهكذا، فإن مثل هذه المواقف اليومية، رغم بساطتها، تحمل في طياتها معاني كبيرة؛ في الفقه، وفي العلاقات، وفي التأمل في خلق الله، وهي تذكرنا بأن الحياة ليست مجرد أحداث عابرة، بل هي فرص للتعلم، والتقارب، والتفكر.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة