يوميات متقاعد (41)

أهمية القيم في وقت الأزمات

أهمية القيم في وقت الأزمات

في هذه السلسلة من المقالات، نستعرض بعض المواقف الحقيقية التي وقعت على أرض الواقع، بزمانها ومكانها وأشخاصها، مع الوقوف عند العِبر المستفادة منها.

نبدأ بهذا الموقف الذي حدث في 2 يونيو 2025م، لدينا «جروب» (مجموعة) نحن في عائلتنا أنشأناه، وفيه 30 عضواً، وسمّيناه «منظومة تفعيل القيم القرآنية»، ونركز في هذه المجموعة على القيم القرآنية، حيث يوجد في القرآن أكثر من 300 قيمة، ففي ذلك اليوم، وجهت سؤالاً أعجب الجميع، قلت لهم: ما أفضل قيمة يركز عليها الإنسان عندما يتعامل مع الله تعالى؟ فكلنا اتفقنا على قيمة التقوى، أن تتقي الله تعالى وتخافه.

ثم سألتهم سؤالاً آخر: ما أفضل قيمة تمارسها مع نفسك؟ فكلنا اتفقنا على أنها قيمة الصدق، أن تكون صادقاً مع نفسك، ولا تكذب أبداً، إلا في حالات استثنائية أجازها الشرع، وهذا يدل على وعي داخلي لدى الإنسان، فالصدق مع النفس البداية الحقيقية للإصلاح، وهو الأساس الذي تبنى عليه باقي القيم، فمن لم يصدق مع نفسه، لن يستطيع أن يتقدم في حياته.

ثم سألتهم سؤالاً ثالثاً: ما القيمة الأعظم التي تمارسها مع أفراد عائلتك؟ فكلنا اتفقنا على أنها الرحمة؛ الرحمة والرعاية والعناية والحماية، كلها تندرج تحت قيمة الرحمة، فالأسرة لا تقوم إلا على الرحمة، ولا تستمر إلا بها، وهي الرابط الحقيقي بين أفرادها، وهي التي تليّن القلوب وتقوّي العلاقات.

ثم سألتهم سؤالاً أخيراً: ما القيمة العظمى القرآنية التي تمارسها مع الآخرين، ومع الناس، ومع أفراد المجتمع؟ فكلنا اتفقنا على أنها قيمة العدل، أن تكون عادلاً مع الجميع، حتى ولو كان زميلاً وصديقاً ومقرباً لك، فالعدل ميزان التعامل، وبه تستقيم الحياة، ومن دونه تفسد العلاقات وتضيع الحقوق.

فلو ننظر إلى هذه الحروف الأربعة: «التاء» تقوى، و«الصاد» صدق، و«الراء» رحمة، و«العين» عدل، ونشكّل منها كلمة حتى لا تُنسى، فتصير كلمة «تصْرع»، فبهذه الكلمة تصْرع كل المغريات التي تراها أمامك، التي تبعدك عن القيم القرآنية.

متى تهتز القيم؟

ثم سألنا سؤالاً مهماً: متى تهتز هذه القيم؟ فكان الجواب أنها تهتز في أوقات الأزمات، إذا مر الإنسان بأزمة، فهذه القيم الأربع قد تهتز، وهنا يأتي الانتباه، ففي وقت الأزمات ينبغي أن نتمسك بهذه القيم دون أن نتأثر، فالإنسان إذا مر بأزمة، قد يكون ذلك على حساب تقواه فتسوّل له نفسه أن يعصي الله تعالى، وقد يكون على حساب صدقه، فتسول له نفسه أن يكذب، وقد يكون على حساب الرحمة، فيقل اتصاله بأفراد عائلته، وقد يكون على حساب العدل مع الناس، فيظلم أحداً من أفراد المجتمع.

الثبات في زمن الاختبار

لذلك، علينا أن ننتبه من الأزمات التي نمر بها، ونحافظ على هذه القيم، وندعو الله تعالى أن يجعلنا متمسكين بها: «اللهم يا مُقلِّبَ القلوبِ، ثبِّتْ قلبي على دينِك» (حديث صحيح)، «اللَّهمَّ مُصَرِّفَ القُلوبِ، صَرِّفْ قُلوبَنا على طاعَتِكَ» (حديث صحيح).

أثر الكلمة الطيبة

ننتقل إلى موقف جديد حدث في 3 يونيو 2025م، وكان يصادف يوم الثلاثاء، وكنت في حفل لأحد أحفادي بمناسبة تخرجه في الثانوية، وهناك رآني مجموعة من الأشخاص قد كنت أستاذاً لهم ودرستهم في الجامعة، فأقبلوا عليَّ من الرجال والنساء، وحيوني؛ فحييتهم، وشكروني؛ وشكرتهم لأنهم لم ينسوني.

تصوروا، بعد أن تخرجوا، وقد مضى على تخرجهم أكثر من 15 إلى 20 سنة، يأتي أحدهم ويقول لي: دكتور، أنت درستني، لك جزيل الشكر! يا سلام على هذه الوقفات، وهذه الإطراءات الطيبة التي تظهر في الإشادة بأستاذهم.

بناء العلاقات الإنسانية

لدرجة أنني دعوت إحداهن لحضور إحدى دوراتي التدريبية في اليوم التالي، في 4 يونيو 2025م، للقطاع النفطي؛ دعوت م. سارة لحضور هذه الدورة بصفتها ضيفة، حتى تدلي بخبرتها وتجربتها بعد التخرج، في مجال الهندسة وفي مكان عملها، لتفيد مجموعة من المهندسين والإداريين.

فهذه دعوة مني للإخوة: إذا رأيتم زميلاً يبدي اهتمامه ويشكركم على عمل أنجزتموه، فلا تنسوا أن تدعوه؛ إما على فطور، أو غداء، أو عشاء، أو لقاء، أو ندوة، أو محاضرة، أو مؤتمر، أو دورة حتى تكون قريباً منه ويكون قريباً منك.

الالتزام رغم الظروف

نأتي إلى يوم 4 يونيو 2025م، حيث كان لدينا دورة للقطاع النفطي، وقد حضرها في ذلك اليوم 19 شخصاً، على غير المتوقع، لأنها تسبق يوم عرفة بيوم واحد، ثم يتلوه أيام عيد الأضحى؛ وهي أيام عطلة، وعادة ما يطلب الناس إجازات في مثل هذه الأيام.

لكن ما حدث كان عكس المتوقع، فقد حضر جميع المتدربين، وهنا أوجّه رسالة مهمة؛ وهي أن الإنسان لا يستسلم للظروف، بل يلتزم بما عليه، مهما كانت الظروف من حوله.

وقد ذكرني ذلك بأيامي في الجامعة قبل العطل بيوم، أجد الكلية شبه خالية، ومع ذلك أقول للطلبة: حتى لو يوجد طالب واحد في الفصل الدراسي، سأداوم، فلا تغرنّكم هذه الأجواء، قاوموا وتعالوا، وستجدونني موجوداً.

الإرهاق في بيئة العمل

في هذه الدورة، سألت سؤالاً: ما نسبة الإرهاق والضغوط التي يعانيها موظفو القطاع النفطي؟ فأخبرتهم أن النسبة العالمية تساوي 48%، بحسب مصادر رسمية داخل شبكة الإنترنت.

ثم قسناها لدى كل فرد واستخرجنا المتوسط، فوجدناه أقل من ذلك بكثير، وجدناه أقل من 34%، وهنا نقول: هنيئاً للشعب الكويتي، حيث توفرت عوامل تجعل من الإرهاق والضغوط في بيئة العمل أقل من النسبة العالمية.

نظرة عالمية

هل يعلم الجميع أن أكثر دولة تعاني من الإرهاق والضغوط في بيئة العمل اليابان، بنسبة تصل إلى 61%، ثم يلي ذلك الدول الصناعية المتقدمة مثل أمريكا وكندا وبريطانيا والدول الأوروبية والصين وكوريا الجنوبية وسنغافورة، كل هؤلاء يعانون من إرهاق وضغوط في بيئة العمل قريباً من المستوى العالمي؛ وهو 48%، أما في الكويت ودول الخليج، فنسبتنا أقل من 34%، وهذا دليل على أن هذه الدول تنعم بنعم من الله، لوفرة المال التي تخفف من ضغوط العمل وإرهاقه.

وفي الختام، تبقى القيم الأساس، وهي الطريق إلى القمة، فتمسكوا بها، وتسارعوا إليها، وكونوا ممن يثبتون في أوقات الأزمات، والله وليّ التوفيق.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة