يوميات متقاعد (45)
بين الحذر والمسؤولية المجتمعية.. تأملات من الواقع اليومي
في هذه السلسلة من المقالات، نستعرض بعض المواقف الحقيقية التي وقعت على أرض الواقع، بزمانها ومكانها وأشخاصها، مع الوقوف عند العِبر المستفادة منها.
في 10 يونيو 2025م، كنت في زيارة لأحد محارمي على
الغداء، ففتح زوجها موضوع البيتكوين والعملات الرقمية، وأشار بوضوح إلى أن النظام
الذي أُنشئت عليه هذه العملات وضع حدًّا أقصى لا يتجاوز 21 مليون وحدة، وأنه تم
بالفعل استخراج ما يقارب 20 مليونًا، ولم يتبقَّ سوى مليون واحد يبحث الناس في
أنحاء العالم عن شفراته. وتحدث عن وجود مجموعات ضخمة من الحواسيب تُجمع في أماكن
محددة، وتستهلك كميات هائلة من الطاقة الكهربائية، بهدف الوصول إلى ما تبقى من هذه
الشفرات، رغم أن الأرباح المحتملة تبدو خيالية في نظر كثير من الناس.
ثم بدأ ينصحنا بالدخول في هذا المجال، والمشاركة في
هذا العالم الرقمي الجديد. عندها رفعت يدي وقلت إن هذا الموضوع لا يزال غير محسوم
بصورة كاملة، لا من الناحية الشرعية، ولا من الناحية الرسمية في كثير من الدول.
فقد يدخل الإنسان هذا المجال ثم يكتشف لاحقًا أنه يتعامل مع فقاعة هوائية، أو مع
نظام غير مستقر، خاصة أن المنتج الذي يتعامل معه غير ملموس، ولا يراه بعينه كما
يرى السلع التقليدية.
العملات الرقمية بين القبول والتحفظ
حاول الأخ الكريم أن يوضح فكرته، فشبَّه العملات
الرقمية بالتطبيقات الموجودة على شبكة الإنترنت، والتي تُباع عبر متاجر الهواتف
الذكية، وقال إن الناس يبيع بعضهم لبعض منتجات غير ملموسة منذ سنوات. ومع ذلك، بقي
الأمر بالنسبة إليَّ غير واضح تمامًا، لأن المسألة ليست مجرد تبادل رقمي، بل ترتبط
أيضًا بالاستقرار المالي، والضمانات القانونية، والوضوح الشرعي.
وفي الكويت توجد بنوك سمحت لبعض عملائها بالتعامل مع
البيتكوين والعملات الرقمية، وبعض هذه البنوك لديها هيئات شرعية أجازت ذلك وفق
شروط وضوابط معينة. وفي المقابل، توجد بنوك أخرى لم تتخذ قرارًا نهائيًّا حتى
اليوم، بسبب عدم وضوح الرؤية، أو بسبب المخاوف المتعلقة بالتقلبات المالية
والمخاطر المرتبطة بهذا المجال.
وكان أحد أقاربي يتعامل بالفعل مع البيتكوين بيعًا
وشراءً، فنصحته بالدخول بحذر شديد، وبضرورة سؤال أهل الاختصاص عن الحكم الشرعي،
وعدم الاندفاع خلف الأرباح السريعة. وقد اقتنع لاحقًا وباع ما لديه، وفضَّل
الابتعاد عن هذا المجال حتى تتضح الصورة أكثر.
الحذر قبل الاندفاع
نحن لا نستطيع أن ننكر أن هناك هيئات شرعية تابعة لبعض
البنوك الإسلامية قد أجازت التعامل بهذه العملات وفق ضوابط محددة، لكن هذا لا يمنع
من الحذر. فالعاقل لا يدخل أي مجال مالي قبل أن يطمئن من الناحية الشرعية، والرسمية،
والمصرفية، والعملية كذلك.
إن هذا العالم يبدو مغريًا لكثير من الناس، لكنه في
الوقت نفسه عالم معقَّد ومخيف. وحتى من أراد أن يصل إلى القمة في أي استثمار،
فعليه ألا يخطو خطوة واحدة إلا بعد التأكد الكامل من سلامتها. وينبغي للإنسان أن
يسأل نفسه: هل أملك القدرة على الصبر؟ وهل أتحمل الخسارة لو وقعت؟ وهل أملك
المعرفة الكافية قبل الدخول؟
ومن القضايا التي تُثار أيضًا مسألة استهلاك الطاقة
الكهربائية، فهذه الحواسيب العملاقة التي تُستخدم في استخراج الشفرات تستهلك كميات
ضخمة من الكهرباء، ولهذا ظهر توجه لدى بعض الجهات الرسمية بعدم السماح بممارسة هذا
النوع من النشاط بسبب آثاره السلبية على الموارد والطاقة.
لذلك، من الحكمة أن يسأل الإنسان الجهات الرسمية
المختصة، وأن يعرف الأنظمة والقوانين المتعلقة بهذا المجال، قبل أن يغامر بماله أو
يدخل في أمور قد يندم عليها لاحقًا.
المسؤولية الفردية وخدمة المجتمع
وفي 11 يونيو 2025م، حدث موقف آخر مختلف تمامًا، لكنه
يحمل رسالة مهمة. ففي الحي الذي أسكن فيه يوجد ممر ترابي يؤدي إلى المسجد، وكانت
بعض البيوت المجاورة تلقي فيه الركام ومخلفات البناء، حتى أصبح عائقًا أمام المارة
والمتجهين إلى المسجد.
انتظرت يومًا ويومين، ثم سألت عن سبب عدم إزالة هذا
الركام، فقيل لي إن البلدية ستأتي عندما يصل الدور إلى هذه المنطقة، وقد يستغرق
ذلك أيامًا أو أسابيع بسبب كثرة الأعمال والطلبات.
عندها فكرت بطريقة مختلفة، وقلت لنفسي: لماذا أنتظر
فقط؟ ولماذا لا أساهم أنا أيضًا في حل المشكلة؟ فبحثت عن أحد عمال النظافة،
وأعطيته مبلغًا بسيطًا، دينارين أو ثلاثة، ليقوم بجمع الركام ووضعه في الحاويات
المخصصة للنفايات. وبالفعل، في الليلة نفسها تم تنظيف المكان بالكامل.
ماذا قدمنا لأوطاننا؟
الهدف من هذه القصة ليس الحديث عن المال، بل عن
المبادرة والشعور بالمسؤولية. فالحكومة تبذل جهدًا كبيرًا للحفاظ على نظافة البيئة
وصحة المجتمع، لكنها تعمل وفق جداول وخطط، وقد يتأخر تنفيذ بعض الأعمال بسبب كثرة
الالتزامات.
لكن السؤال الأهم هو: ماذا قدمنا نحن لأوطاننا؟ وهل
نكتفي دائمًا بالانتظار، أم نبادر بالمساعدة حين نستطيع؟
وتذكرت موقفًا مشابهًا في منطقة سلوى قرب أحد المساجد،
حيث كان هناك ركام تركه أحد المقاولين فترة طويلة. فتحدثت مع ملاحظ النظافة، وقلت
له: هل يمكنك أن تساعدنا في توفير بعض العمالة لإزالة هذا الركام؟ وبالفعل، تم
تنظيف المكان بسرعة، وتحولت الساحة إلى مكان نظيف ومريح.
إن بعض الناس يظنون أن خدمة الوطن لا تكون إلا
بالمشروعات الكبرى، بينما الحقيقة أن أبسط المبادرات قد تصنع فرقًا كبيرًا. فحين
يساعد الإنسان في تنظيف شارع، أو يحافظ على مرفق عام، أو يتعاون مع الجهات
الرسمية، فإنه يشارك فعليًّا في بناء المجتمع.
ولهذا كان بعض القادة يخاطبون شعوبهم بعبارات مؤثرة
تدعوهم إلى السؤال: ماذا تستطيع أن تقدم لبلدك؟ لأن الوطن لا ينهض بالحكومات
وحدها، بل بتعاون الجميع.
كيف نعرف المحتاج الحقيقي؟
وفي 13 يونيو 2025م، الموافق يوم الجمعة، خرجت بعد
صلاة الفجر مع أخي الأكبر إلى ممشى شاطئ أنجفة، وهو ممشى جميل ورائع بعد تطويره
مؤخرًا، ويصلح للمشي ذهابًا وإيابًا لمسافة تقارب 3000 خطوة.
وخلال المشي فتحنا موضوعات متعددة، وكان من بينها سؤال
مهم طرحه أخي عليّ بحكم عملي في إحدى الجمعيات الخيرية. فسألني: كيف تعرفون في
جمعيتكم الخيرية أن الشخص الذي يطلب مساعدة هو محتاج فعلًا؟ وما المؤشرات التي
تعتمدون عليها؟
فقلت له إن الأمر لا يعتمد على الكلام المجرد فقط، بل
توجد وسائل كثيرة للتحقق من حاجة الإنسان. ومن أهم هذه الوسائل زيارة الشخص في
بيته بعد أخذ إذنه، والنظر في أحواله المعيشية، والجلوس مع أسرته، ومعرفة ظروفه
الحقيقية.
الرحمة مع التحقق
فالإنسان قد يطلب المساعدة لاستكمال رسوم مدرسية، أو
احتياجات غذائية، أو متطلبات صحية، أو أدوات منزلية ضرورية. لذلك لا يكفي أن نحكم
عليه من ظاهر كلامه فقط، بل لا بد من التحقق بحكمة ورحمة.
وفي الوقت نفسه، يجب ألا يتحول التحقق إلى قسوة أو سوء
ظن، بل ينبغي أن يرفع الإنسان دائمًا شعار قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا السّائِلَ فَلا
تَنهَر﴾ [الضحى: 10]. فمن طلب المساعدة لا يجوز إهانته أو التقليل من شأنه، بل
يُعامل باحترام، ويُقال له بلطف: دعني أدرس حالتك وأزورك وأتأكد من احتياجاتك.
وهكذا تتوازن الرحمة مع الحكمة، ويتحقق المقصود
الحقيقي من العمل الخيري، وهو حفظ كرامة الإنسان، وإيصال المساعدة إلى من يستحقها
فعلًا.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً