يوميات متقاعد (35)

بين الذكاء الاصطناعي وإنسانية الواقع.. تأملات في يوم واحد

بين الذكاء الاصطناعي وإنسانية الواقع.. تأملات في يوم واحد

في هذه السلسلة من المقالات، نستعرض بعض المواقف الحقيقية التي وقعت على أرض الواقع، بزمانها ومكانها وأشخاصها، مع الوقوف عند العبر المستفادة منها.

نبدأ بهذا الحدث الذي وقع في 23 مايو 2025م؛ إذ أردت أن أستفيد من قدرة الذكاء الاصطناعي في قرض الشعر، فإذا بي أمام أمر مدهش، بل مثير للإعجاب حقاً، لقد تبين لي أن هذا الذكاء قادر على نظم الشعر الموزون على أي بحر تختاره؛ فبمجرد أن تحدد البحر والقافية، يعطيك الأبيات التي تريدها، سواء أكانت بيتاً واحداً أم بيتين أم عشرة أبيات أم قصيدة كاملة.

لمحة لغوية: بين جمع القلة وجمع الكثرة

وهنا أستوقف القارئ عند لفتة لغوية مهمة؛ إذ نقول: إن عدد بحور الشعر العربي 16 بحراً، فلماذا لا نقول «أبحر» بدلاً من «بحور»؟ ذلك لأن في العربية ما يعرف بجمع القلة وجمع الكثرة؛ فجمع القلة يكون عادة لما دون 10، ويأتي على أوزان منها «أفعل» مثل «أبحر»، أما ما زاد على 10 فيجمع على أوزان منها «فعول» مثل «بحور»، ومن هنا، فإن الصواب أن نقول: «إن عدد بحور الشعر 16 بحراً».

وهذا النمط موجود في كلمات أخرى؛ فنقول: سطح وأسطح وسطوح، وعين وأعين وعيون، ونفس وأنفس ونفوس؛ فهذه الظاهرة اللغوية تثري العربية وتظهر دقتها.

وانطلاقاً من هذه القدرة، طلبت من الذكاء الاصطناعي أن ينشئ لي بيتاً واحداً في مدح أمي، رحمها الله تعالى، على أن يسميها «وردة»، وأن يصف زيارتها لي في بيتي، فجاءني بهذا البيت:

يا وردةً في دارِ موسى أزهرتْ     وجمالُها بالوُدِّ دوماً يُنتظرُ

تأملت هذا البيت طويلاً، وشعرت بعاطفة جياشة؛ إذ لم يكن هذا الشعر من شاعر تقليدي، بل من صنع الذكاء الاصطناعي، وتمنيت لو أن أمي كانت حية لتسمع هذا المدح الجميل.

الذكاء الاصطناعي والشعر عن غزة

ثم توسعت في التجربة، فطلبت منه أن يقرض شعراً في حق أهل غزة، يحثهم على الصبر، ويدعو لهم بالثبات والنصر، فجاءني بنصوص شعرية مؤثرة، تمجد صمودهم وتعزز معنوياتهم.

ولم أكتف بذلك، بل طلبت منه أن يحاكي أساليب شعراء كبار؛ فسألته: ماذا لو كان عنترة بن شداد حياً بينناً؟ كيف سيمدح أهل غزة؟ ثم سألته عن أسلوب المتنبي، وأبو تمام، والفرزدق، فكانت النتيجة مدهشة؛ إذ قدم لكل شاعر أسلوباً قريباً من روحه، وكأننا أمام محاكاة حية لتراث أدبي عريق.

لا شك أن الذكاء الاصطناعي يمثل طفرة هائلة في القرن الحادي والعشرين؛ فهو لم يعد مجرد أداة، بل أصبح شريكاً في الإبداع، يتجاوز توقعات المستخدمين يوماً بعد يوم، لقد تخطى هذا التطور حدود الخيال، وأصبح واقعاً نعيشه.

الشفاعة الحسنة في الواقع العملي

في اليوم نفسه (23 مايو 2025م)، تلقيت اتصالاً من صديقي الحميم «بو محمد»، يطلب مني التوسط لمريض في مستشفى جابر؛ وذلك لمجرد الاهتمام بحالته، وبما أن لديَّ معارف من الأطباء هناك، طلبت منه إرسال البطاقة المدنية والتقرير الطبي، فقمت بدوري بإرسالهما إلى أحد الأطباء.

وكان رد الطبيب مطمئناً؛ إذ أكد أن هذا نهج المستشفى أصلاً؛ تقديم الرعاية لكل مريض دون تمييز، وقد شكرني «بو محمد» على مجرد إيصال المعلومة، وهذا بحد ذاته نوع من الشفاعة الحسنة.

وهذه المواقف تتكرر كثيراً؛ إذ تصلني طلبات من أقارب وأصدقاء للمساعدة لدى أطباء في مستشفيات مختلفة مثل مستشفى جابر، ومستشفى الصباح، وأنا بدوري أحاول المساعدة عبر معارفي، لا باعتبارها «واسطة» بالمعنى السلبي، بل بوصفها شفاعة وتعاوناً إنسانياً مشروعاً.

لكن الحقيقة أنه ليس كل مساعدة تنجح؛ فمن خبرتي، قد تنجح محاولة واحدة أو اثنتان من كل 10 محاولات.

محاولة لمساعدة موظفة

وفي اليوم نفسه أيضاً، تواصلت معي موظفة كانت تعمل في إحدى الجمعيات الخيرية في الكويت؛ إذ تم الاستغناء عن خدماتها، مع إبقاء إقامتها سارية حتى نهاية العام، لكن دون راتب.

فبادرت بإرسال رسالة إلى رئيس مجلس الإدارة ومدير الجمعية، أطلب فيها إعادة النظر في وضعها، نظراً لما تمتلكه من مهارات وقدرات، غير أن الرد جاء حاسماً بضرورة بحثها عن فرصة أخرى.

وهنا يظهر أن الإنسان يؤدي ما عليه، لكن النتائج ليست دائماً بيده، ولذلك دعوت الله تعالى أن ييسر لها أمرها، وأن تجد عملاً مناسباً في أسرع وقت.

الفن والإنسانية.. تأمُّل في فيلم

وفي ختام هذا اليوم، شاهدت فيلماً هندياً باكستانياً يتناول العلاقات بين الهند وباكستان؛ حيث يبرز فترات التوتر والتقارب بين البلدين، ويسلط الضوء على الفروقات الثقافية والدينية بين الهندوس والمسلمين.

وقد لفت انتباهي كيف يتمكن أكثر من 300 مليون مسلم في الهند من التكيف مع المجتمع الهندوسي، وكذلك كيف تتكيف الأقليات الهندوسية في الدول الإسلامية مع بيئتها.

وهنا تتجلى قيمة الإنسانية؛ إذ إن البشر، على اختلاف أديانهم وثقافاتهم، يشتركون في أصل واحد، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن أباكم واحد، وإن دينكم واحد، أبوكم آدم، وآدم خلق من تراب».

دعوة إلى التعايش

إن هذه المشاهد، من الذكاء الاصطناعي إلى الواقع الإنساني، تذكرنا بأهمية التكيف والتعايش، فلا ينبغي أن نرغم الآخرين على تغيير معتقداتهم، ولا أن يرغمونا؛ فالله تعالى يقول: (لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) (البقرة: 256).

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة