يوميات متقاعد (32)
المسؤولية والمبادرة تصنعان أثراً دائماً
في هذه السلسلة
من المقالات، نستعرض بعض المواقف الحقيقية التي وقعت على أرض الواقع، بزمانها
ومكانها وأشخاصها، مع الوقوف عند العِبر المستفادة منها.
دروس عملية في المسؤولية والمهارة والانطباع الأول
أولاً: رعاية من تحت أيدينا مسؤولية إنسانية:
نبدأ بهذا
الموقف الذي حدث في 22 مايو 2025م، وقد سبق أن ذكرتُ في حلقة سابقة أنني في هذا
اليوم أخذتُ العاملة المنزلية معي إلى مركز حطين الصحي، وهو مستوصف معروف في
الكويت.
وهذه نصيحة
أوجّهها لأرباب البيوت، فالعمالة المنزلية بشرٌ، يحتاجون إلى من يرعاهم، ولا سيما
من الناحية الصحية، فيجب على الإنسان أن يتابع حالة العامل عنده أو العاملة، ويسأل
نفسه: هل هي تتمتع بالصحة والعافية؟ لأنّها إذا كانت بصحة جيدة فإنها ستُعطي من
وقتها وجهدها لخدمة أهل البيت بإخلاص، وكذلك بالنسبة للعامل.
لقد أخذتُها
لفحص ضغط الدم، فوجدتُ أن ضغطها كان مرتفعاً ثم أصبح معتدلاً، ولكن بشرط أن تستمرّ
على تناول الدواء، وكانت على وشك السفر إلى بلدها لمدة شهرين، فكان من الضروري أن
أوفّر لها كمية كافية من العلاج.
فطلبتُ من
الطبيب أن يصف لها عبوة إضافية من الدواء، لأن المدة تتجاوز شهرين، وقد تنفد
الأدوية خلال سفرها، فوافق مشكوراً، وهذا الموقف يبيّن أهمية مراعاة هذه التفاصيل،
لأن العاملات يعتبرن جزءاً من المسؤولية لدينا.
فالواجب أن نرعى
صحتها، وأن نوفّر لها العلاج إذا احتاجت إليه، سواء كان علاجاً للأسنان أو للصداع
أو للضغط أو للسكري، فكما نحرص على أهلنا، ينبغي أن نحرص على من يعيش معنا تحت سقف
واحد.
وقد أثّرت فيَّ
كلمةٌ قالتها بعد عودتها، حيث قالت: إنها تشعر وكأنها فرد من أفراد العائلة، بسبب
ما وجدته من رعاية واهتمام، وهذه الكلمة تدلّ على أن الإحسان يصنع ولاءً، ويُنشئ
علاقة قائمة على الاحترام والتقدير.
ثانياً: المبادرة في خدمة المسجد:
وفي اليوم ذاته
(22 مايو 2025م)، صدر قرار من وزارة الأوقاف (الشؤون الإسلامية حالياً) يقضي بأن
تكون إقامة صلاة العصر بعد الأذان بعشرين دقيقة، مراعاة لأحوال الناس، كما هي
الحال في صلاة الفجر.
وكان إمام
المسجد في ذلك اليوم مسافراً، والمؤذن لم يكن على دراية بكيفية تعديل ساعة المسجد،
وهي الساعة التي تضبط أوقات الإقامة.
فطلبتُ منهم
جهاز التحكم، وبدأت أبحث عن طريقة الضبط، حتى دخلت إلى «يوتيوب»، وتعلّمتُ كيفية
تعديل التوقيت، وبالفعل، قمتُ بضبط جميع الصلوات، وكانت مضبوطة مسبقاً، ما عدا
صلاة العصر، فقمت بتعديلها إلى 20 دقيقة بعد الأذان.
وهذه كانت أول
مرة في حياتي أتعامل مع هذا الجهاز، وأول مرة أضبط فيها مواقيت الصلاة، ومن هنا
أوجّه دعوة إلى روّاد المساجد، بأن يكون في كل مسجد من يعرف التعامل مع هذه
الأجهزة، حتى لا يقع خللٌ في تنظيم الصلاة، فالمسجد ليس مسؤولية الإمام والمؤذن
فقط، بل مسؤولية الجماعة، وكلٌّ يسهم بما يستطيع.
ثالثاً: أهمية اللقاءات العائلية وإدخال السرور:
ثم في اليوم ذاته
(22 مايو 2025م)، دعوتُ أربعة من أقاربي إلى وجبة عشاء في أحد المطاعم، وكان ذلك
لأول مرة نزور فيها هذا المكان، وكان الهدف من هذه الدعوة إدخال السرور إلى
قلوبهم، وتقوية الروابط العائلية، وقد استجابوا للدعوة، وكانت الجلسة جميلة ومليئة
بالمشاعر الطيبة.
وكان المطعم
يقدّم أنواعاً متعددة من المأكولات البحرية والأطباق العالمية، لكن ما لفت انتباهي
وجود موظف خدمة متميّز، يتمتع بأسلوب راقٍ، ويقدّم الخدمة وفق أصول واضحة من الأدب
والاحترام.
وقد ترك هذا
الموظف انطباعاً قوياً في نفوسنا، حتى إنني بعد أسبوع تقريباً عدتُ إلى نفس المطعم
مع اثنين من إخواني، وطلبت نفس الموظف، وأخبرته أن سبب عودتنا هو أسلوبه المتميّز.
وهذا يقودنا إلى
مفهوم مهم في الحياة، وهو الانطباع الأول؛ حيث إن له أثراً بالغاً في تكوين الصورة
الذهنية لدى الآخرين، ففي كثير من الأحيان، يُبنى الحكم على الشخص أو المكان من
أول لقاء، فلو زرتَ بلداً لأول مرة، ودخلتَ فندقاً، واستقبلك موظفٌ بابتسامة،
وناداك باسمك، وقدّم لك خدمة مميزة، فإن هذا الانطباع سيبقى في ذهنك، وقد يدفعك
إلى العودة إلى نفس المكان مرات عديدة.
وكذلك الحال في
المطاعم، والمحلات، وجميع مجالات الحياة، فإن حسن البداية يفتح أبواب القبول،
ويُكسب الثقة.
وقد قرأتُ في
أحد الكتب أن الإنسان يحتاج إلى 7 ثوانٍ فقط ليكوِّن انطباعاً أولياً عن الشخص
الذي أمامه، وخلال هذه الثواني يمكن أن يقوم بخمس خطوات بسيطة لكنها مؤثرة.
أولاً: إلقاء
السلام، فهو يفتح القلوب، ويكسر الحواجز النفسية، وهو تحية الإسلام التي تحمل أجراً
عظيماً.
ثانياً:
المصافحة مع مراعاة الأدب والعادات، وهي تعبير عن القرب والمودة، وقد ورد في
الحديث الشريف أن الذنوب تتساقط عند المصافحة.
ثالثاً: التعريف
بالنفس، بأن يقول الإنسان اسمه، ويُعرّف بنفسه بطريقة واضحة.
رابعاً: التعرف
على الآخر، وسؤاله عن اسمه؛ ما يعزز التواصل.
خامساً: النظر
إلى العين أثناء الحديث، مع مراعاة الأدب والعادات، وغضّ البصر حيث يجب.
وهذه الخطوات
البسيطة إذا أُحسن استخدامها، فإنها تترك أثراً عميقاً، وتبني علاقات ناجحة.
تطبيق عملي في الحياة اليومية
إن هذه المواقف
اليومية، رغم بساطتها، تحمل في طياتها دروساً عظيمة في المسؤولية، والمبادرة،
والعلاقات، والتأثير، فكن حريصاً على من تحت يدك، مبادراً في خدمة مجتمعك، قريباً
من أهلك، واعياً بتأثيرك في الآخرين، وستجد أن حياتك تمتلئ بالمعاني الجميلة،
والإنجازات الحقيقية.
___________
مدرب معتمد في المهارات الإدارية والقيادية
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً