الوقف بلا حوكمة.. بذرة في أرض بور
تأمّلتُ يومًا
في جامع نور الدين زنكي بحلب؛ ذلك الصرح الذي ظلّ قائمًا 8 قرون، يرتوي من سبيله
العطشان، ويُضاء بوقفه الظلام، وتُحفظ في خزائنه كتب العلم لطلاب الحقيقة.
لم يكن بقاؤه
هذا العمر المديد صدفةً ولا محض حجرٍ متين، لكن لأنّ السلطان الذي بناه أوقفه على
بصيرة، وأحكم شروطه، وأتقن تدبير غلّته؛ فعاش الوقف وأثمر خيرًا لا ينقطع.
أما اليوم فكم
من وقفٍ عُطّلت منفعته، وأرضٍ جُمّدت غلّتها، ومالٍ ضاع بين يدَي ناظرٍ مخلصٍ
عاجز، لا لخللٍ في نيّة الواقف، إنما لغياب التدبير الذي يحفظ الأصل ويُنمّي
الثمرة!
وحقيقة الوقف
كما عرّفه الفقهاء حبسُ الأصل وتسبيلُ المنفعة؛ أي تجميدُ العين عن التملّك
والتصرّف، وإطلاقُ ثمرتها في وجوه البِرّ على مراد الواقف وشرطه، فـشرط الواقف
كنصّ الشارع في وجوب مراعاته، فإذا كان جوهر الوقف دوامَ المنفعة فإن الذي يضمن
هذا الدوام ويحرسه من الاندثار هو حُسن التدبير الذي نسمّيه اليوم الحوكمة.
عمود فقري للنهضة.. ثم انكسار
كان الوقف عبر
تاريخ الحضارة الإسلامية عمودًا فقريًّا للنهضة المجتمعية، ورافدًا لا ينضب
للتنمية الشاملة، منه بُنيت المدارس والمستشفيات ومُوّلت الجامعات والمكتبات
وأُقيمت المرافق والبنى ورُعي الفقراء والغرباء وابن السبيل، بل بلغ من شمول هذا
العطاء وسَعته أن أُوقفت أموالٌ على إطعام الطير ومداواة الدوابّ العاجزة، حتى صار
الوقف شبكةَ أمانٍ اجتماعيٍّ واقتصاديٍّ تحوط الإنسان والحيوان معًا.
غير أنّ هذا
الدور المحوريّ تراجع في العصور المتأخّرة تراجعًا مؤلمًا، بفعل عواملَ سياسيةٍ
واقتصاديةٍ واجتماعيةٍ متشابكة، صادرت أوقافًا وأمّمتها وبدّدت غلّتها؛ ثم زادها
وهنًا خللٌ داخليّ في بنية إدارتها نفسها، ناظرٌ يستبدّ بالقرار، وغلّةٌ تُنفق بلا
رؤية، وأصلٌ يُترك بلا استثمار حتى يبلى، فاجتمع على الوقف ظلمُ الخارج وعجزُ
الداخل.
نهضةٌ واعية.. وشرطُها الحوكمة
تشهد المنطقة
العربية والإسلامية اليوم نهضةً واعيةً لإحياء مؤسسة الوقف وتجديد دورها، مع تنامي
إدراكِ أنّه آليةُ تمويلٍ مستدامةٍ في زمنٍ تتعاظم فيه التحديات وتضيق فيه قدرة
الحكومات عن سدّ كل حاجات التنمية.. وتتزامن هذه النهضة مع تحوّلٍ عميقٍ في بيئة
العمل الخيريّ: سقفٌ أعلى لتوقّعات المجتمع، ومطالبُ متصاعدةٌ بالشفافية
والمساءلة، ومنافسةٌ محتدمةٌ على الموارد، ونماذجُ مبتكرةٌ للاستثمار المؤثِّر
تُقاس بأثرها لا بحجم إنفاقها.
وأصدقُ ما يكشف
أنّ الحوكمة هي الفارق، لا شيءٌ سواها هو المقارنة بين تجربتين.. فوقف جامعة الملك
عبد الله للعلوم والتقنية الذي تأسّس عام 2009م، تبلغ أصوله نحو 23.5 مليار دولار
بتقدير معهد صناديق الثروة السيادية، وهو من أكبر الأوقاف الجامعية في العالم؛ ولم
يبلغ هذا المبلغ بحجم تمويله الأوّل فحسب إنما بإدارةٍ استثماريةٍ محترفةٍ وحوكمةٍ
رشيدةٍ صانت الأصل ونمّته. وإلى جانبه لا يزال وقف السلطان محمد الفاتح في إسطنبول
بعد أكثر من خمسة قرون يُدرّ عوائده، لأنّ تركيا أقامت له نظامًا مؤسسيًّا يدير
استثماراته العقارية والمالية بانتظام؛ فيما اتّجهت ماليزيا إلى تحويل جانبٍ من
أوقافها إلى صناديقَ استثماريةٍ متخصّصةٍ تُوجَّه عوائدها إلى التعليم والصحة، وهي
تجربةٌ حديثةٌ واعدةٌ وإن كانت أصغر أثرًا من النموذجين السابقين.
في المقابل،
تكاد المؤسسات الوقفية المتعثّرة تشترك في سماتٍ واحدة: غيابُ الرؤية
الاستراتيجية، وهشاشةُ هياكل الحوكمة، وفرديّةٌ في القرار، وعشوائيّةٌ في
الاستثمار، وضبابيّةٌ في المعايير، وضعفٌ في القدرات الإدارية والفنية.. فالمال قد
يتقارب والنيّة قد تصدق لكن الذي يفرّق بين الاستمرار والاندثار هو التدبير.
أركان أربعة يقوم عليها البناء
والحوكمة
الرشيدة للوقف منظومةٌ تقوم على أربعة أركانٍ متكاملة؛ أوّلها: الحوكمة الشرعية
التي تحرس مقاصد الوقف وشروط واقفيه وتنظّم العلاقة بين المصلحة الشرعية والضرورة
العملية، فتجمع بين أصالة الفقه ومرونة التطبيق، وبين الثبات على المقصد والانفتاح
على وسائل العصر.
وثانيها:
الحوكمة المالية والاستثمارية التي تُنمّي الأصل وتعظّم غلّته في حدود الشرع
ومعايير الاستدامة، عبر محفظةٍ متنوّعةٍ تُوازن بين العائد والمخاطرة، وتصل بين
الاستثمار التقليدي والفرص المعاصرة كالتقنية النظيفة وريادة الأعمال الاجتماعية،
على أساسٍ من نظمٍ راشدةٍ لإدارة المخاطر وقياس الأداء.
وثالثها:
الحوكمة الإدارية والتنظيمية التي ترسم هيكل المؤسسة وتفصل بوضوحٍ بين مجلس
النظارة والإدارة التنفيذية، وتحدّد الصلاحيات والمسؤوليات، وتعتمد مؤشّراتٍ
قابلةً للقياس، وآلياتٍ للمساءلة والتقييم الدوريّ تصون استمرار العمل وتحدّ من
مخاطره التشغيلية.
ورابعها:
الحوكمة المجتمعية التي تتجاوز العلاقة الأحاديّة بين المؤسسة والمستفيد إلى
نموذجٍ تشاركيّ يُشرك المستفيدين والمجتمع في تحديد الحاجة وتصميم البرنامج وتقييم
الأثر؛ فتزداد الثقة، وتُوجَّه الموارد إلى أشدّ الفئات حاجةً بأعلى كفاءة.
ثمارٌ تُجنى على كل صعيد
وحين تُحكَم هذه
الأركان تظهر ثمارها على أكثر من مستوى. فعلى مستوى المؤسسة ترتفع كفاءتها
التشغيلية وتجودُ قراراتها وتستقيم استدامتها، وتُبنى لها سمعةٌ تُطمئن الواقفين
وتُغريهم بالزيادة، وتُمكّنها من اجتذاب الكفاءات والاحتفاظ بها. وعلى مستوى
الاستثمار تتحسّن عوائد المحافظ وتقلّ مخاطرها وتنفتح آفاقٌ لاستثمارٍ مبتكرٍ يجمع
بين الربح الماليّ والأثر الاجتماعيّ والبيئيّ، بما يُسهم في تحقيق أهداف التنمية
المستدامة.
وعلى مستوى
المجتمع يتعاظم الأثر التنمويّ للوقف حين يُصيب الحاجة الحقيقية لا المتوهَّمة،
فيبني رأس المال الاجتماعيّ ويُرسّخ قيم التكافل ويُمكّن المهمَّشين. وعلى مستوى
الاقتصاد تتنوّع مصادر التمويل التنمويّ ويخفّ العبء عن الموازنات العامة، ويُدعم
الاستقرار الماليّ وتُخلق فرص العمل وتُسند المشروعات الصغيرة. وعلى مستوى الثقافة
تُحيا سنّة الوقف نفسها وتتّسع دائرة المشاركين فيها، إذ إنّ الشفافية وإظهار
الأثر يفتحان الباب لنماذجَ مجدَّدةٍ كالوقف الجماعيّ والوقف المؤقّت والصناديق
الوقفية المتخصّصة، فيصير الوقف أوسع انتشارًا وأقرب إلى الناس.
حوكمة الوقف في زمن التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي
وقد أضاف
التحوّل الرقميّ بُعدًا جديدًا لهذه المنظومة إذ صارت التقنية رافعةً للشفافية
والثقة؛ فالمنصّات الحديثة تُتيح للجمهور أن يطّلع على أصول الوقف وعوائده وأوجه
إنفاقه اطّلاعًا شفافًا وتفاعليًّا. وتبدو تقنية سلاسل الكتل (البلوكتشين) من أوعد
الأدوات في هذا الباب، لما تَعِد به من توثيقٍ آمنٍ لا مركزيٍّ للأصول والمعاملات،
يخفض الكلفة ويُسرّع الصرف. كما بدأت تطبيقاتٌ ناشئةٌ تستعين بالذكاء الاصطناعي في
تحليل أداء المحافظ الوقفية وتقدير عوائدها وتقييم مخاطرها، وترتيب أولويات الصرف
على ضوء بيانات الحاجة الفعلية. غير أن الإنصاف يقتضي القول إنّ أكثر هذه
التطبيقات لا يزال في طَور التجربة داخل القطاع الوقفيّ، وحسبُها اليوم أنّها تفتح
أفقًا يستحقّ الرهان.
ما يلزم لنعبر من العزم إلى العمل
وحتى تنتقل هذه
الرؤية من القول إلى الأثر يلزمها بناءٌ متدرّج. يبدأ بتطوير الأطر التشريعية
والتنظيمية بما يمنح المؤسسات الوقفية استقلاليةً أوسع مقرونةً بمساءلةٍ أمتن، عبر
مراجعةٍ شاملةٍ للتشريعات توازن بين حماية الأصل وتيسير استثماره. ويثنّى بإنشاء
هيئاتٍ مستقلّةٍ لاعتماد المؤسسات الوقفية وتصنيفها وفق معايير الحوكمة والأداء،
تُذكي التنافس الإيجابيّ وتبني الثقة. ويثلّث ببناء القدرات المؤسسية والبشرية
المتخصّصة عبر برامجَ ومعاهدَ تُؤهّل نُظّار الوقف وكوادره.
ويُردَف بتأسيس
منصّاتٍ للتعلّم وتبادل الخبرات إقليميًّا ودوليًّا، تختصر دورة التعلّم وتُجنّب
تكرار الخطأ. ويُختم بتطوير أدواتٍ دقيقةٍ لقياس الأثر الاجتماعيّ والاقتصاديّ،
تكشف مدى بلوغ المؤسسة مقاصدها وتُوجّه المال إلى أنفع التدخّلات.
إذا كان الوقف
حبسَ الأصل وتسبيلَ المنفعة، فإنّ الحوكمة هي التي تضمن دوام هذه المنفعة
واتّصالها. فالوقف بلا حوكمةٍ كبذرةٍ في أرضٍ بور؛ قد تنبت لكنها سرعان ما تذبل
وتضمحلّ؛ وبالحوكمة تصير الشجرةَ الباسقة تُظلّ وتُثمر ويتجدّد عطاؤها للأجيال.
والحوكمة ليست
قيدًا على النُّظّار إنما عونٌ لهم وحمايةٌ للوقف وضمانٌ لبلوغ مراد الواقفين،
وإظهارٌ للأثر يُجدّد ثقة الناس بهذه السنّة العظيمة.
فحَريٌّ بنا
أفرادًا ومؤسساتٍ أن نُجدّد النيّة، ونُحكم العمل، ونسأل الله البركة في المال
والجهد، وأن يردّ للأمة وقفَها كما نرجو أن يردّ لها عزّها؛ إنه سميعٌ مجيب.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً