أثر الوقف الإسلامي في تحقيق السيادة الرقمية للأمة
يشهد النظام
الدولي المعاصر تحولاً في مفاهيم القوة والأمن بفعل الثورة التكنولوجية والتحول
الرقمي؛ فقد أصبح الفضاء السيبراني ساحة إستراتيجية يقودها الذكاء الاصطناعي، وفي
هذا السياق، برزت السيادة الرقمية ركيزة للسيادة الوطنية من خلال امتلاك البيانات
والبنية التحتية، بما يعزز التحرر الرقمي ويحد من التبعية التكنولوجية.
التحديات الرقمية التي تواجه الأمة الإسلامية
تعتمد الدول
العربية على التطبيقات الرقمية والخوارزميات، وتقنيات الذكاء الاصطناعي من خلال
الشركات الأجنبية المنتجة لها ما يمثل تحدياً خطيراً لسيادتها الوطنية من عدة
أوجه:
1- الوجه
الحضاري: يؤدي الاعتماد على التقنيات الأجنبية إلى ترسيخ التبعية الرقمية، وإضعاف
الهوية الثقافية واللغوية، واتساع الفجوة العلمية والتقنية، وتراجع الابتكار
والإنتاج المعرفي.
2- الوجه
الأمني: أصبح الفضاء السيبراني ميداناً رئيساً للصراعات الدولية في ظل التحول إلى
الأمن الرقمي؛ واختراق الأنظمة، وسرقة البيانات، وتعطيل الاتصالات، واستهداف
البنية التحتية الحيوية، مثل شبكات الكهرباء والمياه والاتصالات والمؤسسات
المالية، فيما يُعرف بالحرب السيبرانية التي تُعد من أبرز صور حروب المستقبل(1).
ومن الأمثلة
الحديثة على توظيف التقنيات في الصراع السيبراني والعمليات الاستخباراتية حادثة
تفجير أجهزة الاتصال (البيجر) في لبنان خلال سبتمبر 2024م، التي أبرزت خطورة
الاعتماد على التقنية المستوردة.
3- الفكري:
يُسهم توظيف التقنيات الرقمية والخوارزميات والذكاء الاصطناعي في التأثير في الرأي
العام من خلال توجيه تدفق المعلومات، وإبراز بعض المحتويات وإخفاء أخرى، بما يتيح
تشكيل التصورات المجتمعية وفق مصالح الجهات المالكة لهذه التقنيات.
الوقف الرقمي عبارة عن تخصيص أموال أو
أصول رقمية لدعم المجتمع تقنياً مثل البرمجيات والمنصات التعليمية
وقد برز ذلك
خلال حرب غزة الأخيرة (2023 – 2025م)، حيث استُخدمت أدوات الذكاء الاصطناعي
والخوارزميات في إدارة المحتوى الرقمي والتأثير في الرأي العام العالمي، مع تراجع
حضور الرواية العربية على بعض المنصات الرقمية.
وعلى الرغم من
الإمكانات الكبيرة للوقف الرقمي؛ فإن تفعيله يواجه عدداً من التحديات، أبرزها:
قصور التشريعات المنظمة، وضعف الوعي المؤسسي والمجتمعي، ومحدودية التمويل، وضعف
الحوكمة والإدارة، وأخطار الأمن السيبراني وحماية البيانات، إضافة إلى صعوبة تقويم
الأصول الرقمية، وإدارة حقوق الملكية الفكرية المرتبطة بها.
دور الوقف في دعم الهوية الإسلامية في الفضاء الرقمي
الوقف الرقمي
عبارة عن تخصيص أموال أو أصول رقمية لدعم المجتمع تقنياً، مثل البرمجيات والمنصات
التعليمية ومراكز البيانات، مع الحفاظ على أصل الوقف، ويعد الوقف الرقمي امتداداً
لفكرة الوقف الإسلامي في دعم العلم والمعرفة.
وقد أثبت نظام
الوقف مرونة كبيرة في الاستجابة للنوازل والتحديات التي تعاني منها المجتمعات
الإسلامية على مر العصور، واليوم في ظل التطور التكنولوجي ظهرت مجالات مستحدثة
للوقف بما يحقق الهدف الرئيس منه، وهو الصدقة الجارية التي تعود بالنفع على الواقف
والمجتمع في تمويل مشروعات التقنية.
ويأتي اليوم
صورة جديدة للوقف من خلال وقف محتوى رقمي مثل: وقف الكتب والمكتبات الرقمية،
والدورات والمنصات التعليمية، والمواقع الإلكترونية، والتطبيقات الدعوية، والخطب
والندوات.. وغيرها؛ بحيث تظل متاحة للباحثين والطلاب والمجتمع؛ بما يسهم في نشر
المعرفة، وتعزيز المحتوى العربي، وتقليص الفجوة الرقمية، ودعم الهوية الثقافية(2).
دور الوقف في التحرر الرقمي وتعزيز الأمن الحضاري للأمة
إن الاعتماد
المفرط على الشركات الأجنبية في مجالات البرمجيات، والحوسبة السحابية، والذكاء
الاصطناعي، وأنظمة الاتصالات يجعل أمن المعلومات والبيانات الوطنية مرتبطاً بإرادة
خارجية، ويؤثر في استقلال القرار السياسي، كما أن ضعف الاستثمار في البحث العلمي،
وقلة الإنفاق في مجال التعليم والبحث العلمي، ونقص الخبرات في بعض الدول الإسلامية
أسهم في اتساع الفجوة الرقمية بينها وبين الدول المتقدمة.
ضرورة بناء منظومة تقنية وطنية بموارد
ذاتية ورؤية إستراتيجية بتفعيل الوقف كإحدى الأدوات الحضارية
ومن هنا أصبحت
الحاجة ملحة إلى بناء منظومة تقنية وطنية تستند إلى موارد ذاتية، ورؤية إستراتيجية
من خلال تفعيل الوقف كإحدى الأدوات الحضارية القادرة على الإسهام في معالجة هذه
التحديات، وبناء مؤسسات علمية وثقافية يمكن توظيفها في خدمة التحول الرقمي وإنشاء
أوقاف متخصصة لدعم التكنولوجيا والابتكار والأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي.
إنه لن تعدم
الأمة من يقتفي أثر عثمان بن عفان في شراء الجنة، فقد قدَّم رضي الله عنه نموذجاً
خالداً في توظيف المال لخدمة المصلحة العامة، عندما اشترى بئر رومة وجعلها وقفاً
للمسلمين، فامتد نفعه لأجيال متعاقبة، وإذا كان وقف بئر رومة قد حقق الأمن المائي
للمجتمع، فإن الوقف الرقمي قادر على الإسهام في تحقيق الأمن المعرفي والسيادة
الرقمية من خلال إنشاء أوقاف تقنية تسهم في البناء الرقمي للأمة.
ومن هذا
المنطلق، يستطيع أصحاب الثروات ورجال الأعمال والمؤسسات الوقفية الإسهام في تمويل
مشروعات إستراتيجية رقمية، ومن تلك المجالات المقترحة في مساهمة الوقف في مجال
التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي:
1- إنشاء صندوق
الوقف الرقمي العربي الذي يعتمد على مساهمات رجال الأعمال والمؤسسات الوقفية
والهيئات الخيرية، ويخصص لتمويل المشروعات التقنية ذات الأهمية الإستراتيجية بما
يعزز البيئة الابتكارية في العالم العربي.
2- دعم أبحاث
الذكاء الاصطناعي، وتطوير البرمجيات، وبناء نماذج لغوية عربية، وإنشاء قواعد
بيانات ومنصات تعليمية رقمية، إلى جانب توفير البنية التحتية التقنية اللازمة
لاستضافة التطبيقات والخدمات الوطنية، بما يعزز الاعتماد على القدرات المحلية(3).
3- بناء
الكفاءات البشرية؛ من خلال تمويل المنح الدراسية، وبرامج التدريب المتخصص في
الذكاء الاصطناعي، وتحليل البيانات، وهندسة البرمجيات؛ فالاهتمام بالكوادر البشرية
المؤهلة الأساس الحقيقي للسيادة الرقمية؛ إذ لا يكفي امتلاك البنية التحتية
والتقنيات دون الموارد البشرية؛ بل لا بد من بناء قدرات وطنية قادرة على تطويرها
وإدارتها وتأمينها، بما يخدم التنمية ومصالح الأمة(4).
الوقف الرقمي ركيزة أساسية لتحقيق
الاستقلال التقني للأمة بما يوفره من تمويل للبحث العلمي والأمن السيبراني
4- إنشاء مراكز
الأمن السيبراني التي تعمل على تمويل الأبحاث المتعلقة بأمن المعلومات، وتطوير
برامج الحماية، وتأهيل الخبراء بما يسهم في بناء منظومة رقمية قادرة على مواجهة
التحديات المتزايدة من الهجمات الإلكترونية التي تستهدف المؤسسات الحكومية
والمالية والتعليمية والصحية، وتمتد إلى تهديد الأمن الوطني، وتعطيل الخدمات،
والإضرار بخصوصية الأفراد والمؤسسات.
يُعد الوقف
الرقمي ركيزة أساسية لتحقيق الاستقلال التقني للأمة الإسلامية، بما يوفره من تمويل
للبحث العلمي، والأمن السيبراني، والذكاء الاصطناعي، والبنية التحتية الرقمية.
ومن ثم؛ فإن تفعيل هذا النوع من الأوقاف لا بد أن يأتي ضمن مشاركة مؤسسية فاعلة تسهم في تعزيز التحرر الرقمي، وتقليل التبعية التقنية، وبناء مستقبل قائم على المعرفة والابتكار والتنمية المستدامة، ويتطلب نجاح هذا النوع من الوقف شراكة بين الحكومات والجامعات والقطاع الخاص والمؤسسات الوقفية مع أطر تشريعية وحوكمة تضمن استدامته؛ وبذلك يُعد الاستثمار الوقفي وسيلة فاعلة لتعزيز السيادة الرقمية، ودعم التنمية، وبناء منظومة رقمية قادرة على إنتاج المعرفة وخدمة المجتمع وحفظ أمنه.
الهوامش
- 1 الأمن السيبراني، القيود والتحديات في ضوء قواعد القانون الدولي، د. عبدالوهاب كريم حميد، مجلة العقد الاجتماعي، العراق، صفر 2021، ص320.
- 2 الوقف الرقمي مقاصده ومجالاته، سليمان بن محمد النجران، مجلة دراسات إسلامية، م16، ع2/ 2021م، ص22 وما بعدها.
- 3 الوقف على تطبيقات الذكاء الاصطناعي: مشروعيته، ضوابطه، أولوياته المقاصدية، د. سعيد بن أحمد صالح فرج، مجلة الوقف، العدد (1) رمضان 1444هـ/ أبريل 2023م، ص139.
- 4 أثر التحولات الرقمية على الاستثمارات الوقفية دراسة وفق منظور قانوني وفقهي، محمد يوسف حسن الشريفي، مجلة الجامعة العراقية م74، ع6، أكتوبر 2025م، ص241.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً