نحو اقتصاد أخضر.. الصكوك الإسلامية آفاق وتحديات

نحو اقتصاد أخضر.. الصكوك الإسلامية آفاق وتحديات

في ظل التحديات البيئية التي تهدد مستقبل البشرية، برزت الحاجة لآليات تمويلية مبتكرة تدعم التحول نحو الاقتصاد الأخضر، وتقع على الدول الإسلامية الأكثر عرضة لآثار التغير المناخي مسؤولية تبني أدوات تتوافق مع قيمها وهويتها.

وقد أثبتت الصكوك الإسلامية، القائمة على الملكية والمشاركة وليس على الدين والربا، قدرتها على التكيف مع متطلبات التمويل البيئي، فانطلقت العديد من الدول والمؤسسات المالية الإسلامية في رحلة تجمع بين الالتزام الديني والمسؤولية البيئية لتحقيق أهداف التنمية المستدامة.

مفهوم الصكوك الخضراء وخصائصها الأساسية

تُعرف الصكوك الخضراء بأنها أدوات مالية إسلامية متوافقة مع الشريعة، تُصدر لتمويل مشاريع بيئية كالطاقة المتجددة وكفاءة المياه والنقل النظيف، وتقوم على مبدأ الملكية في أصول قائمة، لا الدين كالسندات التقليدية؛ ما يربط التمويل بنشاط حقيقي ملموس.

ويُعرِّف المعيار الشرعي رقم (62) الصكوك بأنها شهادات متساوية القيمة تمثل حصصاً غير قابلة للتجزئة في ملكية أصول ملموسة، أو منافع، أو خدمات، أو أصول مشاريع معينة أو نشاط استثماري خاص. (AAOIFI، المعيار الشرعي رقم 62)(1).

تتميز الصكوك الخضراء بالخصائص التالية:

1- التوافق الشرعي: تخضع لرقابة هيئات شرعية مستقلة تضمن خلوها من المحظورات الشرعية. (الربا، الغرر، الميسر).

2- الشفافية والأثر البيئي: يُطلب من جهات الإصدار الإفصاح بوضوح عن كيفية استخدام العائدات والأثر البيئي المتوقع أو المتحقق للمشاريع الممولة.

3- ربط العائد بالأصل: يعتمد عائد الصك على العائد الناتج عن الأصل أو المشروع الممول وليس على فائدة محددة سلفاً؛ ما يعزز العدالة ويحمي المستثمرين والممولين على السواء.

التطورات الحديثة وحجم السوق في الدول الإسلامية

شهدت سوق الصكوك الخضراء نمواً متسارعاً، متجاوزاً إجمالي الإصدارات حاجز 10 مليارات دولار، مع نسب تغطية فاقت 3 أضعاف في العديد من الإصدارات، طبقاً لبيانات بورصة لندن (LSEG)(2)؛ ما يعكس شهية استثمارية عالية.

1- الريادة الآسيوية: برزت دول إسلامية آسيوية كرواد بتطوير أطر تنظيمية، وإطلاق إصدارات سيادية، وبناء منظومة مؤسسية، بدعم من بنوكها المركزية وهيئات الأوراق المالية عبر حوافز تنظيمية وضريبية.

2- النمو المتسارع في المنطقة العربية: شهدت المنطقة العربية، وخاصة الخليجية، قفزة نوعية في الإصدارات الخضراء؛ ما يعكس توجهها نحو تنويع الدخل والتحول الأخضر، وترسيخ مكانتها كمراكز مالية إسلامية، وشملت الإصدارات كيانات حكومية وخاصة في قطاعات الطاقة المتجددة وكفاءة الطاقة.

3- إصدارات المؤسسات متعددة الأطراف: اضطلعت مؤسسات كالبنك الإسلامي للتنمية بدور ريادي بإصدارات خضراء مقومة بعملات متعددة، استقطبت طلباً كبيراً، ووجهت عائداتها لتمويل مشاريع بيئية في دول أعضاء؛ ما نشر الوعي ونقل الخبرات.

آليات عمل الصكوك الخضراء في تمويل المشاريع البيئية

1- نموذج الإجارة: يستخدم لتمويل الأصول الثابتة (كالألواح الشمسية) ببيع الأصل لصندوق الصك ثم استئجاره، وتوزيع الأجرة كعائد على حملة الصكوك، وهو الأكثر شيوعاً ووضوحاً شرعاً.

2- نموذج الاستصناع: يستخدم لتمويل بناء مشاريع جديدة (كمحطات الطاقة)، بالاتفاق على صنع سلعة بمواصفات محددة لتسليمها مستقبلاً، ويناسب مشاريع البنية التحتية التي تحتاج فترة إنشاء.

3- نموذج المشاركة (المضاربة أو الشركة): يستخدم حيث يبرز الجانب الاستثماري والمشاركة، فيدخل حملة الصكوك كممولين (رب المال) ويدير مضارب المشروع مقابل حصة من الربح، محققاً أعلى درجات التوافق مع روح التمويل الإسلامي.

أنماط تجارب الصكوك الخضراء في العالم الإسلامي

تنقسم تجارب الصكوك الخضراء في الدول الإسلامية إلى 3 فئات عريضة: فئة أولى تتمثل في شركات الطاقة المتجددة التي أصدرت صكوكاً لمشروعات شمسية، خضعت لتقييم خارجي مستقل وأثمرت عن خفض ملموس في الانبعاثات، وفئة ثانية تخص الحكومات التي طرحت صكوكاً سيادية خضراء، ربطتها بأهدافها المناخية الوطنية، ووجَّهت حصيلتها إلى مجالات متعددة كالتكيف مع المناخ والنقل المستدام، أما الفئة الثالثة فتشمل شركات خاصة أصدرت صكوكاً خضراء بهدف توسعة مشاريعها البيئية وإعادة تمويل ديونها القائمة، وقد لاقت هذه الإصدارات طلباً استثمارياً واسعاً.

التحديات والفرص التي تواجه الصكوك الخضراء في الدول الإسلامية

تواجه الصكوك الخضراء تحديات رئيسة: غياب معايير موحدة، وخطر «الغسل الأخضر»، وندرة الكوادر المتخصصة، وارتفاع تكاليف الإصدار، وضعف الوعي في بعض الأسواق.

ولتجاوز ذلك، يُوصى بتطوير أطر تنظيمية وطنية وإقليمية، وتعزيز الرقابة المستقلة، وبناء القدرات، والاستفادة من التقنيات المالية الحديثة كالبلوكشين، وتقديم حوافز ضريبية، وتوسيع نطاق المشاريع المؤهلة لتشمل إدارة النفايات والزراعة المستدامة.

لقد أثبتت الصكوك الخضراء جدارتها كأداة مالية إسلامية مبتكرة لتمويل المشاريع البيئية، جامعة بين مبادئ التمويل الأخلاقي الإسلامي ومتطلبات التمويل الأخضر؛ ما يجذب مستثمرين يبحثون عن عوائد مالية وأثر بيئي إيجابي معاً، لكن الطريق لا يزال طويلاً لتوحيد المعايير وتوسيع النطاق وبناء القدرات، ومعالجة تحديات «الغسل الأخضر» وضمان الشفافية سيكون حاسماً لاستمرار الثقة والنمو.

إن الصكوك الخضراء ليست مجرد خيار تمويلي بديل، وإنما محرك إستراتيجي لتحقيق تحول بيئي عادل ومستدام يتوافق مع قيم الدول الإسلامية وهويتها، ويبني مستقبلاً أفضل للأجيال القادمة.

الهوامش
  • 1 هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية (أيوفي)، المعيار الشرعي رقم (62): الصكوك. متاح على الرابط: https://aaoifi.com.
  • 2 London Stock Exchange Group (LSEG). (2023). Green and Sustainability Sukuk Update Report 2023. Q3 2023. Available at: https://bit.ly/4yrKGAF
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة