السودان.. بين استحقاقات العدالة ومقتضيات الحوار الوطني
في ظل المنعطف
التاريخي الأكثر تعقيداً الذي تمر به الدولة السودانية منذ استقلالها، تأتي
تصريحات رئيس مجلس السيادة الانتقالي الفريق أول ركن عبدالفتاح البرهان، أخيرًا،
لتطرح محددات جديدة لملامح المرحلة المقبلة، فالحديث عن ترتيبات لإطلاق حوار سياسي
شامل يجمع «أصحاب الوجعة» داخل التراب الوطني، يمثل محاولة لإعادة صياغة المشهد
السياسي والعسكري بعد ما يزيد على 3 أعوام من الحرب التي أعادت طرح أسئلة الدولة
والهوية والسلطة بصورة غير مسبوقة.
غير أن الدعوة
الأخيرة وضعت النقاط فوق الحروف -إذا ما التزمت الحكومة بترجمتها إلى واقع تنفيذاً
وتطبيقاً- فقد أعلن قائد الجيش البرهان أن هذا الحوار سيشارك فيه «أصحاب الوجعة»،
وأن الحكومة ستقدم الدعوة للقوى الوطنية من غير الذين تلطخت أيديهم بدماء الشعب
السوداني، مع التزام الدولة بتوفير كل ما يلزم لإنجاح الحوار وتنفيذ مخرجاته،
مؤكداً أن الشعب السوداني لن يقبل بنتائج المؤتمرات والحوارات التي تُدار خارج
البلاد أو تُفرض عليه من عواصم الخارج.
هذه الدعوة وضعت
العديد من التساؤلات الجوهرية على طاولة النخبة والمراقبين للشأن السوداني؛ فهل
يمكن لقطار الحوار الوطني أن يصل إلى محطته الأخيرة بنجاح في ظل الواقع العسكري
المعقد وسيطرة مليشيات «الدعم السريع» على أجزاء من غرب البلاد؟ ومن هم «أصحاب
الوجعة» الحقيقيون؟ وما هو المعيار القانوني والأخلاقي لتحديد الذين تلطخت أيديهم
بالدماء؟ وهل تستطيع الحكومة السودانية أن تؤسس لحوار يقود إلى سلام دائم دون أن
تفرط في العدالة أو تتجاهل تضحيات الضحايا؟
دماء الشهداء.. معيار الفرز الوطني لا حبر التسويات
يبرز محدد أساسي
يصعب تجاوزه عند قراءة حديث البرهان عن الذين تلطخت أيديهم بدماء الشعب السوداني،
ويبدو أن هؤلاء الشهداء وأسرهم الصابرة يشكلون المعيار الأخلاقي الأبرز لأي حديث
يُطرح حول السلام أو الحوار أو المصالحة، والوفاء لتضحياتهم يقتضي أن تكون دماؤهم
ميثاقاً أخلاقياً وخطاً أحمر رسمته دماء غالية، لتشكل أساساً وطنياً يُحتكم إليه
عند مناقشة مستقبل السودان.
وعند الفرز
الحقيقي لمن تنطبق عليهم أوصاف الأيدي الملطخة بالدماء، فإن مساحة التأويل تضيق
تماماً؛ فمن تماهى وخطط ونفذ عمليات استهداف البنية التحتية والمستشفيات والمدارس،
واحتل منازل المواطنين العزل، واستباح الأعراض، ونهب الممتلكات، وهجّر الملايين من
ديارهم، هو المعني الأول بهذه الخطايا، كما أن هذا الوصف يلتصق بكل من أطلق رصاصة
أو قذيفة غادرة على جندي يؤدي واجبه في حماية الوطن، أو على مدني بريء لا ذنب له
سوى تمسكه بأرضه وبيته.
بل إن الدائرة
تتسع لتشمل كل من وقّع ميثاقاً سياسياً مع التمرد لشرعنته ومسح خطيئته، أو وفر له
المظلات السياسية والإعلامية والأخلاقية في وقت كانت دماء السودانيين لا تزال تنزف
على الأرض؛ فهؤلاء شركاء أصيلون في الجريمة السياسية وإن اختلفت درجات المسؤولية
المادية.
ومن هنا، فإن
الحوار الوطني يجب ألا يتحول إلى منصة لغسل الجرائم بمساحيق السياسة، أو إلى آلية
لمساواة الضحية بالجلاد؛ لأن السلام الذي يقوم على تجاهل العدالة لا يصنع
استقراراً دائماً، وإنما يؤسس لأزمات جديدة مؤجلة.
الخارطة العسكرية والسياسية.. واقع الأرض وتحالفات الأزمة
لا يمكن قراءة
فرص نجاح أي حوار سياسي بمعزل عن موازين القوى على الأرض، فالواقع العسكري يلقي
بظلال كثيفة على أي طاولة تفاوض.
1- معضلة السيطرة في الغرب وتحدي شمولية الحل:
تسيطر مليشيات «الدعم
السريع» على أجزاء واسعة من ولايات دارفور وبعض مناطق كردفان، هذا التواجد العسكري
يمثل تحدياً أمنياً كبيراً، ويشكل عائقاً سياسياً مباشراً أمام شمولية الحوار، وهنا
يبرز التحدي في كيفية ضمان مشاركة حقيقية للمكونات الاجتماعية والمدنية في تلك
المناطق بعيداً عن ضغوط السلاح، وكيفية تطبيق مخرجات أي حوار في مناطق لا تزال
خارج سيطرة الدولة.
إن نجاح الحوار
يظل مرتبطاً بدرجة كبيرة بقدرة الدولة على استعادة سيادتها على كامل أراضيها؛ لأن
السلام المستدام لا يمكن أن يتعايش مع تعدد مراكز القوة المسلحة.
2- الحواضن السياسية للتمرد ومأزق الشرعية:
وجدت مليشيات «الدعم
السريع» خلال الحرب غطاءً سياسياً من بعض القوى والتيارات التي قدمت مواقف اعتبرها
قطاع واسع من السودانيين أقرب إلى التماهي مع التمرد منها إلى الحياد، هذه القوى
تجد نفسها اليوم أمام معضلة حقيقية؛ إذ إن المعايير الوطنية الصارمة التي طرحها
البرهان تضع علامات استفهام كبيرة حول إمكانية مشاركتها في أي حوار وطني مرتقب،
كما أن استبعادها سيعني عملياً انتقالها إلى معسكر معارضة الحوار والعمل على
التشكيك في شرعيته عبر المنصات الخارجية والإقليمية.
3- الحركات المسلحة الموقعة على اتفاق جوبا:
تمثل الحركات
المسلحة الموقعة على اتفاق جوبا للسلام أحد أهم الفاعلين في المرحلة الراهنة؛ فقد
انحاز عدد منها إلى جانب الدولة والقوات المسلحة، وشارك بصورة مباشرة في الدفاع عن
الفاشر ومناطق أخرى؛ ما جعلها جزءاً مؤثراً في المعادلة العسكرية والسياسية
القائمة، ورغم أنها أصبحت شريكاً في السلطة بموجب الاتفاق، فإنها ما تزال تحمل
أجندة سياسية تتعلق بقضايا التنمية، وتقاسم السلطة والثروة، والعلاقة بين المركز
والأقاليم، وهي ملفات ستكون حاضرة بقوة على طاولة الحوار.
ومن ثم، فإن أي
حوار جاد سيكون مطالباً بالتعامل مع اتفاق جوبا باعتباره إحدى المرجعيات السياسية
القائمة، مع مراجعة الجوانب التي أثبتت التطورات العملية الحاجة إلى تطويرها، لعل
أبرزها إنهاء حالة الجمع بين العمل السياسي والاحتفاظ بقوات مسلحة مستقلة، والتحول
الكامل نحو مشروع دولة تحتكر وحدها استخدام القوة المشروعة.
4- القوى السياسية الوطنية في خندق الدولة:
في المقابل،
تشكلت خلال الحرب كتلة سياسية ومجتمعية واسعة تنادي بضرورة الحفاظ على الدولة
ومؤسساتها والقضاء على التمرد، وتضم أحزاباً سياسية وإدارات أهلية ومنظمات مجتمع
مدني ومكونات للمقاومة الشعبية، وترى هذه القوى أن الحوار الوطني يجب أن يكون محطة
لإعادة بناء الدولة السودانية على أسس وطنية راسخة، وإنهاء ظاهرة تعدد الجيوش، لا
أن يتحول إلى وسيلة لمنح مكاسب سياسية لقوى حملت السلاح ضد الدولة.
وتعتقد هذه
المكونات أن نجاح أي حوار مرهون بقدرته على معالجة جذور الأزمة السودانية، وصولاً
إلى انتقال سياسي مستقر يقود إلى انتخابات حرة تعبر عن إرادة السودانيين وتعيد
الشرعية عبر صناديق الاقتراع.
العامل الإقليمي والدولي.. بين الدعم والتدخل
لا يمكن فصل أي
حوار سوداني مرتقب عن البيئة الإقليمية والدولية المحيطة به؛ فالحرب السودانية غدت
ملفاً حاضراً في حسابات دول الجوار والقوى الدولية والمنظمات الأممية، وبينما يعلن
السودان تمسكه بملكية وطنية كاملة للحوار، فإن واقع الاقتصاد وإعادة الإعمار وملف
النازحين واللاجئين يفرض شكلاً من أشكال الانخراط مع المجتمع الدولي.
وهنا يبرز
التحدي الحقيقي في كيفية الاستفادة من الدعم الدولي المطلوب لإنهاء آثار الحرب،
دون أن يتحول الحوار إلى منصة لإملاءات سياسية تنتقص من السيادة الوطنية أو تمنح
أطرافاً في الصراع مكاسب عجزت عن تحقيقها على الأرض.
ويستحضر كثير من
السودانيين في هذا السياق تجربة اتفاقية السلام الشامل عام 2005م، (اتفاقية
نيفاشا)، التي لا يزال الجدل قائماً حول ما إذا كانت قد منحت الحركة الشعبية مكاسب
سياسية ودستورية فاقت ما حققته في ميدان الصراع، وهو جدل يجعل الرأي العام
السوداني أكثر حساسية تجاه أي ضغوط خارجية أو تسويات يُنظر إليها على أنها تعيد
إنتاج التجربة نفسها بصورة أو بأخرى.
ولذلك، فإن
القرار النهائي يجب أن يبقى سودانياً خالصاً، نابعاً من الإرادة الوطنية لا من
حسابات القوى الخارجية ومصالحها.
العدالة وأجندة الحوار والانتقال السياسي
إن المحك
الحقيقي لأي حوار في السودان يتمثل في قدرته على الإجابة عن الأسئلة الصعبة
المتعلقة بالعدالة وضمانات التنفيذ؛ فالشارع السوداني الذي يعاني من الويلات لن
يقبل بأي عفو سياسي مجاني يتجاوز حقوق الضحايا، ولهذا، فإن العدالة الانتقالية،
ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، وجبر الضرر، وتعويض المتضررين، يجب أن تكون
جزءاً أصيلاً ومحورياً من العملية السياسية المرتقبة.
أما أجندة
الحوار نفسها فينبغي أن تركز على قضايا جوهرية لا تحتمل التأجيل، وفي مقدمتها
إصلاح القطاع الأمني والعسكري، وإعادة الإعمار، وإعادة بناء الخدمة المدنية،
ومعالجة قضايا الحكم والعلاقة بين المركز والأقاليم، ضمن سقف زمني واضح ومحدّد
يمنع تحوله إلى عملية مفتوحة تستنزف الوقت والموارد.
وفي نهاية
المطاف، تبقى الانتخابات العامة الهدف النهائي؛ فالشرعية الديمقراطية هي القادرة
على إنهاء أزمة الحكم المزمنة، شريطة استعادة الأمن وعودة النازحين واللاجئين
وتوفير بيئة سياسية عادلة.
التحديات والفرص.. بين إرادة الداخل وضغوط الخارج
من العجب العجاب
في المشهد السياسي الراهن أن نرى البعض يتباكون على السلام صباح مساء، ثم لا يجدون
حرجاً في السعي لغسل جرائم المليشيا أو المساواة بين الضحية والجلاد، فالذي يبرر
الجريمة أو يسعى إلى تبييض صورتها لا يقل خطراً عن مرتكبها؛ لأن الجريمة لا تكتمل
بالفعل وحده، وإنما تكتمل بالصمت عنها أو تبريرها ومحاولة محوها من الذاكرة
الوطنية.
لكن، ورغم كل
التحديات، فإن السودان يمتلك فرصة تاريخية نادرة؛ فالحرب، على قسوتها، أعادت طرح
الأسئلة الكبرى المتعلقة بالدولة والسيادة، وأفرزت حالة غير مسبوقة من الالتفاف
الشعبي حول فكرة الدولة الوطنية وضرورة الحفاظ على مؤسساتها.
وفي المقابل،
يبقى التحدي الأكبر مقاومة الضغوط الخارجية ومحاولات فرض تسويات تمنح المليشيا
مكاسب سياسية تجاوزاً لمطالب العدالة، أو تفرض على السودانيين حلولاً لا تنبع من
إرادتهم الوطنية الحرة.
السودان أمام مفترق الطرق
إن الحوار
الوطني الشامل داخل السودان، الذي دعا إليه رئيس مجلس السيادة البرهان، يمثل خطوة
في الاتجاه الصحيح نحو إعادة القرار الوطني إلى يد أصحاب الوجعة الحقيقيين، لا
أصحاب الفنادق والمؤتمرات الخارجية.
غير أن نجاح هذا
الحوار لن يقاس بعدد المشاركين فيه أو بحجم التغطية الإعلامية التي يحظى بها،
وإنما بقدرته على استعادة سيادة الدولة الكاملة على أراضيها، وإنصاف الضحايا عبر
مسار عدالة حقيقي، وتهيئة البلاد لانتقال سياسي يقود إلى انتخابات حرة تعبر عن
إرادة السودانيين.
فالسودان لا
يواجه أزمة حوار أو تفاوض فقط، السودان يواجه سؤالاً أكبر يتعلق بشكل الدولة التي
ستخرج من تحت أنقاض هذه الحرب؛ دولة تحتكر السلاح وتحكمها المؤسسات وسيادة
القانون، أم دولة تعود مجدداً إلى دوامة الجيوش المتعددة والتسويات المؤقتة؟ وبين
هذين الخيارين سيتحدد مستقبل السودان لسنوات طويلة قادمة.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً