ارتجاج التوازن القبلي..

كيف تنقل معركة «مستريحة» حرب السودان إلى حافة الهاوية؟

يشهد السودان تحولاً نوعياً في مسار الحرب، لا يُقاس بتغير خطوط السيطرة أو توازن السلاح فقط، بقدر ما يقاس أيضاً بتحول طبيعة الصراع نفسه وبنيته العميقة، فبعد اجتياح مليشيات «الدعم السريع» لبلدة مستريحة في شمال دارفور ومحاولة اغتيال زعيم مجلس الصحوة وقبيلة المحاميد الشيخ موسى هلال واغتيال نجله حيدر بعد التنكيل به، يكشف عن انتقال الحرب من طور الصراع العسكري بين مركزين للقوة، إلى طور تفكيك البنى الاجتماعية والرمزية التي ظلت تؤطر العنف وتحد من انفلاته في دارفور.

على مدى أشهر طويلة، بدا أن الحرب السودانية تدور بين قوتين واضحتين، هما الجيش السوداني وقوات «الدعم السريع»، لكن ما جرى في دارفور، وتحديداً في مستريحة، أظهر أن المسرح بات أوسع من ثنائية الجيش والمليشيا، هناك طبقة أعمق من الصراع تتصل بإعادة هندسة المجتمع، وتصفية الزعامات التقليدية، واحتكار التمثيل المسلح والسياسي في آن واحد.

دارفور في قلب التحول

دارفور التي تمثل مركز الثقل العسكري في هذه الحرب، والإقليم الذي خبر الحروب الأهلية منذ عام 2003م وظل يحتفظ، رغم كل شيء، بتوازن هش بين الدولة، والمليشيات، والإدارة الأهلية، هذا التوازن على الرغم من أنه لم يكن مثالياً، لكنه الآن انزلق إلى حرب داخل البيت الواحد، التحول الجديد يتمثل في كسر هذا الحاجز.

مستريحة، بوصفها مركزاً رمزياً لقبيلة المحاميد (أحد أكبر وأقوى بطون قبيلة الرزيقات العربية التي ينحدر منها أيضاً قائد «الدعم السريع» محمد حمدان دقلو «حميدتي») وواحدة من المكونات القبلية المسلحة في دارفور، لم تكن هدفاً عسكرياً منذ اندلاع الحرب، ولم تُهاجم لكونها قاعدة للجيش أو مخزناً للسلاح، ولكن حميدتي قرر خيانة هلال للمرة الثالثة ومحو تاريخه من خارطة النفوذ ومعادلة دارفور الصعبة عبر محاصرة «مستريحة هلال»، وشن هجمات شرسة براجمات الصواريخ، في مشهد يجسد ذروة الانتهازية عند حميدتي الذي لا يتوانى في فعل أي شيء لأجل طموحه الشخصي.

وأيضاً لأنها تمثل شرعية موازية لشرعية السلاح، استهدافها يعني عملياً من منظور لـ«الدعم السريع» إعلان نهاية مرحلة الزعامة الأهلية المستقلة، وبداية مرحلة الجنرالات الجدد الذين لا يعترفون إلا بمنطق القوة.

من الزعامة إلى المليشيا

الشيخ موسى هلال يمثل نموذج الزعيم الذي جمع بين العرف القبلي والدور العسكري، صعوده ارتبط بمرحلة استعانت فيها الدولة بالبنى الأهلية لمواجهة التمرد في دارفور عام 2003م، ثم حاولت لاحقاً تحجيم تلك البنى حين شعرت بأنها خرجت عن السيطرة، هذا المسار أنتج مفارقة معروفة في تاريخ السودان.

في المقابل، صعود نجم محمد حمدان دقلو عبر مسار مختلف، لم يستند إلى شرعية موروثة، بل إلى وظيفة أمنية ثم إلى قوة عسكرية مستقلة، مع الوقت، تحولت هذه القوة إلى كيان سياسي واقتصادي، يتجاوز الإقليم، ويطمح إلى ابتلاع الدولة السودانية بالكامل.

التحول الراهن في انتقال الصراع الذي لم يعد صراع نفوذ صامت كالماضي، انتقل لمرحلة المواجهة المفتوحة، ومحاولة تصفية خصم حميدتي هلال رسالة تهديد لكل الزعامات التقليدية، مفادها أن من لا يندمج في مشروع المليشيا سيُمحى من خارطة دارفور.

ولفهم ما جرى، لا بد من العودة إلى العلاقة المركبة بين موسى هلال، ومحمد حمدان دقلو، الاثنان ينتميان إلى الرزيقات، لكن كل واحد منهما يمثل نمطًا مختلفًا في ممارسة السلطة، هلال ابن الإدارة الأهلية ووريث تقليد قبلي عريق، أما محمد حمدان دقلو فصعد عبر هلال إلى قمة القوة العسكرية.

الحرب داخل النسيج الاجتماعي

أخطر ما في المستجدات هو انتقال العنف إلى داخل النسيج القبلي، قبيلة الرزيقات، التي تشكل العمود البشري الأكبر لقوات «الدعم السريع» في دارفور، وجدت نفسها أمام انقسام غير مسبوق، والصدام بين المحاميد والماهرية الضلع الآخر لقبائل الرزيقات لا يمكن احتواؤه بخطاب سياسي تقليدي بعد اليوم، لأنه يلامس التراتبية والرمزية الجمعية لهذه المكونات القبلية.

ففي الحروب، وحين ينتقل العنف إلى داخل الجماعة الواحدة، تتغير قواعد اللعبة، ويصبح من الصعب جداً ضبط الصراع عبر الوسطاء أو الجودية؛ لأن الدم المسفوح يصبح ثأراً وديناً اجتماعياً لا يُمحى بسهولة، وهذا ما يجعل ما حدث في مستريحة مؤشراً على مرحلة أشد قسوة تلوح في الأفق.

من صراع سلطة إلى صراع وجود

في بدايات الحرب، كان الصراع يُقرأ باعتباره تنافساً على السلطة في الخرطوم، أما اليوم، يتضح أن الصراع في دارفور بات صراع وجود، فـ«الدعم السريع» يسعى إلى توحيد البندقية، والسيطرة على الموارد، وعلى رأسها الذهب، وإلغاء أي مراكز قوة بديلة، وفي هذا السياق، تصبح الزعامات الأهلية خطراً وجودياً محتملاً.

في المقابل، يجد هلال نفسه أمام خيارات محدودة جداً، إما القبول بالتهميش وربما التصفية من قبل «الدعم السريع»، أو إعادة التموضع وبناء تحالفات جديدة، خبرته العسكرية، وعلاقاته العابرة للحدود، ومكانته داخل المحاميد تمنحه قدرة على المناورة، لكن الكلفة ستكون عالية، ليس عليه وحده، بل على الإقليم كله.

الجيش ومعضلة التحالفات

في هذا السياق، يبرز اسم عبدالفتاح البرهان قائد الجيش الذي يخوض حرباً وجودية مع «الدعم السريع»، الذي يبحث عن أي عامل يضعف خصمه، ومن الناحية النظرية، قد يبدو التقارب مع زعامات متضررة من «الدعم السريع» خياراً منطقياً، يساهم في تفكيك وتشظي قوة «الدعم السريع»؛ لذلك فإن السؤال ليس هل يمكن للجيش الاستفادة من موقع هلال، بل كيف يمكن ذلك دون تفجير المجتمع؟

ما جرى في مستريحة إنذار مبكر، إذا نجح منطق تصفية الزعامات بالقوة، فإن بقية الأقاليم ستشهد السيناريو ذاته، بأسماء مختلفة، وإذا فشل، فإن البلاد ستدخل مرحلة استنزاف طويلة، تتداخل فيها القبيلة مع السياسة، والسلاح مع الهوية.

وفي هذا السياق، تكتسب تصريحات الضيف عيسى عليو، مؤسس التنسيقية العامة لأبناء الرزيقات، أهمية خاصة، فقد وصف ما جرى بأنه تطور بالغ الخطورة، وحذّر من أن وحدة القبيلة التاريخية تواجه اختبارًا غير مسبوق، حديثه لم يكن انحيازًا سياسيًا بقدر ما كان تعبيرًا عن قلق اجتماعي عميق.

عليو أشار إلى أن المحاميد والماهرية والنوايبة ظلوا يمثلون أضلاع بيت واحد، تحكمهم تراتبية عرفية دقيقة أسهمت في احتواء الخلافات عبر قرون، هذه التراتبية لم تكن مجرد ترتيب رمزي، بل آلية ضبط اجتماعي تمنع انزلاق التنافس إلى اقتتال داخلي واسع.

مآلات مفتوحة

لا يمكن الجزم بمسار واحد للمستقبل، الاحتمالات تتراوح بين إعادة تموضع هلال في إطار تحالف أوسع ضد «الدعم السريع»، وتحييده بالقوة وما يترتب على ذلك من أخطار، في كلتا الحالتين، دارفور مقبلة على مرحلة أكثر تعقيداً، حيث لا يكفي السلاح وحده لحسم الصراع.

هذا البعد يجعل مستقبل التعايش في دارفور أكثر هشاشة، فحتى لو حُسمت المعركة عسكريًا، فإن الجراح الاجتماعية قد تبقى مفتوحة لسنوات.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة