انشقاق النور القبة.. ماذا يعني للجيش السوداني و«الدعم السريع»؟
في لحظةٍ تبدو
كثيفة الدلالات، ومفتوحة على أكثر من قراءة، اختار قائد الجيش رئيس مجلس السيادة
السوداني الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان أن يستقبل بنفسه اللواء المنشق عن
مليشيات «الدعم السريع»، النور أحمد آدم القبة، في مدينة دنقلا، أقصى شمال البلاد.
طريقة الاستقبال
والزخم الإعلامي من قبل الجيش للقبة، ومن معه من ضباط وجنود تجاوز الإجراء
البروتوكولي العادي، وأقرب إلى رسالة سياسية وعسكرية متعددة الطبقات، تتجاوز شخص
الرجل إلى ما يمثله من وزن داخل بنية «الدعم السريع».
الاستقبال، بما
حمله من حرارة وابتسامات وصور متعمدة النشر، لم يكن موجهاً للرأي العام المحلي
فقط، وتجاوزه للداخل العسكري أيضاً في معسكري الحرب، وللمجتمع الدولي الذي يراقب
مساراتها، فحين يتحرك القائد العام بنفسه إلى مدينة بعيدة لاستقبال منشق، فهو لا
يكرّمه فحسب، وإنما يمنحه صفة التحول المفصلي، ويبعث بإشارة واضحة الدلالات خاصة
بعد تصريح الرجل بنفسه بأن الأبواب مفتوحة، والرهان قائم على تفكيك «الدعم السريع»
من الداخل.
لكن السؤال الذي
يفرض نفسه: هل نحن أمام اختراق عسكري حقيقي في صفوف «الدعم السريع»، أم ربما أمام
صفقة سياسية مغلّفة بلغة الانشقاق؟
القبة.. أكثر من مجرد منشق
لا يمكن قراءة
هذه الخطوة بمعزل عن شخصية اللواء النور القبة نفسه، الرجل ليس ضابطاً عادياً، هو
أحد أبناء تجربة دارفور المسلحة منذ بداياتها، واسم ارتبط بقوات حرس الحدود، ثم
بمرحلة التحول التي أفضت إلى نشوء «الدعم السريع»، خبرته الميدانية، ومعرفته
الدقيقة بجغرافيا دارفور، وشبكة علاقاته القبلية والعسكرية، كلها عوامل تجعل منه أصلًا
إستراتيجياً أكثر من كونه مجرد قائد ميداني.
ارتبط اسم
القبة، وفق معطيات عديدة، بملفات حساسة، أبرزها العمليات العسكرية التي أدت إلى
سقوط مدينة الفاشر، والتنسيق مع قيادات بارزة داخل «الدعم السريع»، وعلى رأسها
شقيق حميدتي، ونائبه عبدالرحيم دقلو، كما تولى أدواراً في القوة المشتركة التي
أُنشئت عقب انسحاب البعثة الأممية في دارفور عام 2022م؛ ما يعني أنه كان جزءاً من
ترتيبات ما بعد الدولة في الإقليم، وليس مجرد منفذ لأوامر عسكرية.
انشقاق شخصية
بهذا الوزن، مصحوباً بقوة قوامها نحو 130 عربة قتالية بكامل عتادها وجنودها، لا
يمكن التقليل من أثره العملياتي، فهو يفتح ثغرة في جدار التماسك، ويطرح أسئلة
داخلية صعبة على قيادة «الدعم السريع»: من التالي؟ وهل ما حدث استثناء أم بداية
مسار؟
رسالة البرهان: تفكيك الخصم لا مواجهته فقط
من زاوية أخرى،
يعكس تحرك الفريق البرهان فهماً متقدماً لطبيعة الحرب الجارية، فالصراع لم يعد
مجرد مواجهة تقليدية بين جيشين، وبات معركة على الولاءات، وعلى كسب القيادات
الوسيطة التي تشكل العمود الفقري لأي قوة مسلحة نظامية أو غير نظامية.
استقبال القبة
في مدينة دنقلا، بعيداً عن العاصمة المؤقتة بورتسودان، يحمل أيضاً بُعداً رمزياً، فالشمال
هنا يتحول إلى منطقة عبور من معسكر إلى آخر، وإلى منصة لإعادة تشكيل التحالفات، كما
أن الخطوة تمنح المنشقين المحتملين إحساساً بالأمان والاعتراف، وهو عنصر حاسم في
قرار الانشقاق.
الرسالة التي
أراد البرهان إيصالها مفادها من يخرج من صفوف «الدعم السريع» لن يُعامل كخائن
سابق، بل كشريك محتمل في مشروع وطني جديد، وهي صيغة ذكية، لكنها محفوفة بالأخطار،
لأنها تضع المؤسسة العسكرية أمام اختبار دقيق في كيفية استيعاب هذه العناصر دون
الإخلال بتماسكها الداخلي.
رد فعل «الدعم السريع».. العقاب كأداة ردع
في المقابل، جاء
رد فعل قيادة «الدعم السريع» سريعاً وحاداً، تجريد القبة من رتبته، إحالته
للتقاعد، والحكم عليه بالإعدام غيابياً، كلها إجراءات تحمل طابعاً عقابياً ورسالة
ردع واضحة لبقية القادة.
لكن مثل هذه
الخطوات، وإن بدت حازمة، قد تحمل أثراً عكسياً، فالتصعيد في العقوبة يعكس في كثير
من الأحيان حجم القلق داخل التنظيم، ويعطي إشارة ضمنية بأن الانشقاق ليس مستحيلاً،
لكنه خيار قائم يواجَه بالقوة.
بين اختراق وتضخيم
غير أن هذا
المشهد لا يخلو من قراءة نقدية من داخل الصندوق الداعم للقوات المسلحة السودانية،
وقد عبّر عنها بقوة اللواء معاش أسامة عبدالسلام، الذي وصف الاستقبال بأنه خطأ في
البوصلة، فالرجل يرى أن تضخيم حدث عسكري إلى هذا الحد، وتحويله إلى مناسبة سياسية
كبرى، قد يربك الرسائل ويخلط الأولويات.
وهذا الرأي يطرح
تساؤلات داخل الصندوق العسكري وخارجه تتعلق بحاجة الجيش إلى هذا القدر من الرمزية
في التعاطي مع الانشقاقات؟ وهل في ذلك مخاطرة بتحويلها إلى حوافز إعلامية قد تشجع
على الانشقاق بدوافع غير مستقرة؟
كما أن استقبال
القائد العام بنفسه قد يخلق سابقة يصعب تكرارها مع آخرين، أو يفتح باب المقارنات
داخل المؤسسة العسكرية، وهو أمر حساس في سياق حرب طويلة ومعقدة.
وبعيداً عن
الحسابات العسكرية، هناك بعد آخر لا يقل أهمية، يتعلق بالوعي الشعبي والذاكرة
الجمعية، فكما أشار بعض الناشطين، فإن صور الابتسامات بين القادة ومن كانوا جزءاً
من معاناة المدنيين، تثير تساؤلات عميقة لدى النازحين واللاجئين.
هؤلاء الذين
فقدوا بيوتهم وأحباءهم، يرون في هذه المشاهد نوعاً من التجاوز السريع للعدالة، أو
على الأقل تجاهلاً لمطلب المحاسبة، وهو ما يضع القيادة العسكرية أمام معادلة صعبة
في كيفية التوفّيق بين ضرورة استقطاب المنشقين، والحفاظ على ثقة الضحايا.
وفي هذا السياق،
تبرز مخاوف عميقة تتعلق بمستقبل العدالة الانتقالية في السودان، فاستيعاب قيادات
عسكرية انخرطت في صراع دموي، دون مسارات واضحة للمساءلة، قد يكرّس نموذج الإفلات
مقابل الولاء، وهو نموذج خبرته البلاد في مراحل سابقة وكانت كلفته باهظة، الخشية
هنا لا تتعلق فقط بحقوق الضحايا، بل أيضاً بسلامة أي تسوية سياسية قادمة؛ إذ إن
تجاهل العدالة أو ترحيلها إلى أجل غير مسمى يهدد بإعادة إنتاج العنف في دورات
لاحقة، فالعدالة الانتقالية شرط أساسي من شروط الاستقرار، وأي مقاربة لا توازن بين
الحاجة لإنهاء الحرب وبين ضرورة المحاسبة، قد تنجح تكتيكياً لكنها بالضرورة ستفشل إستراتيجياً.
هل تسقط «أحجار الدومينو»؟
ويبقى السؤال
الأكثر حضورًا في أذهان السودانيين: هل يشكل انشقاق القبة بداية لسلسلة من
الانشقاقات داخل «الدعم السريع»؟
الإجابة ليست
بسيطة، فتركيبة هذه القوات تقوم على روابط قبلية وشخصية معقدة جداً، تجعل من الصعب
توقع انهيار سريع، لكن في المقابل، فإن الضغوط العسكرية، وطول أمد الحرب، وتآكل
الموارد، كلها عوامل قد تدفع بعض القادة إلى إعادة حساباتهم.
إذا نجح الجيش
في تقديم نموذج آمن وجاذب للمنشقين، مع ضمانات حقيقية، فقد نشهد تحولات في ميزان
القوى، أما إذا بقي الأمر في إطار الرمزية والإعلام، دون ترجمة ميدانية وسياسية
واضحة، فقد يظل تأثيره محدوداً.
وفي كل الأحوال،
فإن مثل هذه التطورات تفتح شهيتنا الإعلامية لتساؤلات أكبر تتعلق بما بعد الحرب، فإدماج
قادة كانوا جزءاً من منظومة مسلحة غير نظامية داخل الجيش، أو في أي ترتيبات
مستقبلية، يتطلب رؤية وإطاراً قانونياً ومؤسسياً صارماً.
والتجارب
السابقة في السودان وغيرها أظهرت أن التسويات غير المحكمة قد تزرع بذور أزمات
جديدة، لذلك، فإن نجاح هذه الخطوة لا يقاس بما تحققه الآن، وإنما بقدرتها على
الصمود في المستقبل.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً