السودان.. هل بدأت الهزات الارتدادية داخل «الدعم السريع»؟
إن وصف ما جرى سابقاً
داخل «الدعم السريع» بأنه «زلزال انشقاقات» لم يكن من باب المبالغة السياسية أو
الإثارة الصحفية، وإنما قراءة لطبيعة التحولات التي بدأت تضرب بنية القوة من
الداخل، بعد أشهر طويلة من الحرب والاستنزاف والتعقيدات الميدانية والقبلية
والسياسية.
فلم يكن انشقاق
اللواء النور القبة حدثاً كبيراً بما يكفي لإثارة الأسئلة حول مستقبل التماسك داخل
«الدعم السريع»، لكن المؤشرات التي كانت تتسرب من الميدان ومن أحاديث القيادات
والوسط الاجتماعي المحيط بالقوة، أوحت بأن الأمر أكبر من مجرد خروج قائد غاضب أو
اختلاف محدود في الرؤى.
مؤخراً، ومع
إعلان القائد الميداني علي رزق الله الشهير بـ«السافنا» انشقاقه رسمياً، ثم ظهوره
في تسجيلات صوتية ومصورة حملت اتهامات مباشرة وصريحة لقيادات داخل «الدعم السريع»،
يبدو واضحاً أن «الزلزال» لم يتوقف، وإنما دخل مرحلة «الهزات الارتدادية» التي
عادة ما تكون أكثر خطورة على البنية المتشققة أصلاً.
فالهزات
الارتدادية تعني استمرار الاضطراب داخل بنية «الدعم السريع»، وأن الأرض نفسها لم
تستقر بعد، والأمر هنا يتعلق بقيادة ميدانية غير محدودة التأثير.
فـ«السافنا» ظل
خلال سنوات الحرب أحد الأسماء المعروفة داخل التركيبة العسكرية لـ«الدعم السريع»،
وارتبط اسمه بعدد من المحاور القتالية المهمة، كما أنه يمثل امتداداً اجتماعياً
وقبلياً داخل المكونات التي شكّلت الحاضنة الأساسية للقوة منذ تأسيسها، لهذا، فإن
خروجه يُقرأ في الإطار العسكري، وأيضاً في إطار التحولات الاجتماعية والقبلية
والسياسية داخل المعسكر نفسه.
الأخطر من
الانشقاق ذاته، طبيعة اللغة التي خرج بها الرجل، ففي التسجيلات المتداولة، تحدث «السافنا»
بوضوح غير مسبوق عن احتجازات داخلية، وصراعات نفوذ، وسيطرة دائرة ضيقة على القرار،
وذهب إلى وصف الحرب بأنها تحولت إلى حرب مصالح، وهذه العبارات بلا أدنى شك تكشف
حجم التصدع النفسي والسياسي داخل البنية الداخلية للقوة.
وفي الحروب
التقليدية، قد تخسر الجيوش معركة أو مدينة ثم تعيد ترتيب صفوفها وتواصل القتال،
ولكن في الحروب التي تقوم على الولاءات الشخصية والتركيبات القبلية والتحالفات
السريعة، فإن أخطر ما يمكن أن يحدث ليس خسارة الأرض، وإنما خسارة الثقة، وهنا
تحديداً تكمن خطورة ما يجري الآن.
لأن الانشقاقات
الحالية لا تبدو مجرد حالات فردية معزولة، فهي تعكس حالة مراجعة داخلية وسط بعض
القيادات الميدانية التي بدأت تطرح أسئلة صعبة حول طبيعة المعركة، وطريقة إدارة
القرار، ومن يتحكم فعلياً في مصير القوة، ويبدو أن أحداث «مستريحة» كانت نقطة تحول
مفصلية في هذا السياق.
فالهجوم على
معقل الزعيم القبلي موسى هلال لم يُقرأ داخل بعض المكونات الاجتماعية باعتباره
عملية عسكرية، واعتُبر تجاوزاً لخطوط اجتماعية وقبلية حساسة، وهو ما خلق حالة
احتقان مكتومة بدأت تظهر لاحقاً في شكل انشقاقات أو مواقف متباعدة أو صمت متوتر
داخل بعض الدوائر المحسوبة على «الدعم السريع»، ومن يتابع طريقة خروج القادة
المنشقين يلاحظ تحولاً مهماً.
ففي السابق،
كانت الانشقاقات تتم غالباً بصمت، أو عبر بيانات مقتضبة لا تتجاوز إعلان الانسحاب
والانضمام للطرف الآخر.. أما الآن، فالأمر مختلف تماماً، هناك محاولة واضحة من
القيادات المنشقّة لخلق رواية مضادة من داخل المعسكر نفسه، عبر الحديث عن تجاوزات
وصراعات داخلية وأخطاء في إدارة الحرب، وكأن كل قائد يغادر يحاول أن يبرر خروجه
أخلاقياً وسياسياً، لا عسكرياً فقط.
وهذا أخطر بكثير
بالنسبة لـ«الدعم السريع» من فقدان عدد من المقاتلين أو العربات؛ لأن المعركة هنا
تتحول إلى معركة سردية وثقة وتماسك داخلي.
الجيش السوداني
يدرك على ما يبدو أهمية هذه التحولات، ولذلك حرص خلال الفترة الماضية على التعامل
مع ملف المنشقين بطريقة مختلفة، تقوم على الاستقبال العلني والرسائل السياسية
والإعلامية الواضحة، في محاولة لتشجيع مزيد من القيادات على إعادة التموضع
والانفصال عن «الدعم السريع».
وفي المقابل،
فإن قيادة «الدعم السريع» تبدو أمام معضلة معقدة، فكلما حاولت التقليل من أهمية
الانشقاقات، ظهرت أسماء جديدة أكثر تأثيراً، وكلما تعاملت معها بعنف أو تخوين،
زادت المخاوف داخل الصفوف من المصير نفسه، لذلك تبدو الأزمة الحالية أعمق من مجرد
أزمة ميدانية.
إنها أزمة بنية
كاملة بدأت تتعرض لاختبار قاسٍ تحت ضغط الحرب الطويلة، والخسائر المتراكمة، وتضارب
المصالح، والتحولات القبلية والاجتماعية، وربما لهذا السبب تحديداً، فإن وصف ما
يجري بـ«الهزات الارتدادية» يبدو أقرب للحقيقة.
فالزلازل الكبرى
لا تُقاس بلحظة الانفجار الأولى فقط، ولكن أيضاً بما تتركه بعدها من تشققات
مستمرة، وانهيارات تدريجية، وقلق دائم من القادم، وما يحدث الآن داخل «الدعم
السريع» يوحي بأن الأرض ما تزال تهتز تحت الأقدام.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً