; الإسلام والتصوير «7» | مجلة المجتمع

العنوان الإسلام والتصوير «7»

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 17-يونيو-1980

مشاهدات 73

نشر في العدد 485

نشر في الصفحة 43

الثلاثاء 17-يونيو-1980

  • الشارع حينما حرم صنع الصور المجسمة واتخاذها إنما قصد إلى سد ذريعة الشرك.
  • إباحة «الصور الرقمية» تدرج في التشريع اقتضته الحكمة ودعت إليه الضرورة..

كنا نشرنا في العدد الماضي فتوى الشيخ عبد العزيز بن باز في التصوير. ورأينا أنه يحرمه بدون تفصيل وبشكل مطلق، عملًا بعموم الأحاديث التي أوردها، وفي هذا العدد نتابع نشر فتاوى الفقهاء المعاصرين في هذا الموضوع لتكتمل الدراسة الفقهية لهذا البحث المهم، ونقدم في هذا العدد فتوى الشيخ حسنين محمد مخلوف مفتي الديار المصرية سابقًا.

  • الصور الشمسية لم تكن معبودة قط، وليس فيها شائبة وثنية الآن، إذا لم يسلك بها مسلك التعظيم كما في تعظيم أهل الجاهلية للأصنام..
  • قال بعض السلف: «لا بأس بالصور التي لا ظل لها، وإنما نهي عما كان له ظل».

الشيخ حسنين محمد مخلوف

  1. حياته:

ولد الشيخ حسنين يوم السبت 6 مايو۱۸۹۰م في القاهرة، وفي أزهرها حفظ القرآن الكريم وتلقى دروسه على كبار الشيوخ منهم والده: الشيخ محمد حسنين مخلوف العدوي، والشيخ عبد الله دراز، والشيخ يوسف الدجوي، والشيخ محمد بخيت المطيعي، والشيخ محمد البجيرمي، وكثيرون غيرهم، ولما أكمل دراسة علومه في الأزهر، التحق بالقسم العالي بمدرسة القضاء الشرعي، فأتم الدراسة فيها وتبحر في العلوم الحديثة، وتقدم لنيل شهادة العالمية فنالها بتفوق عام ١٩١٤م، ولم يجاوز الرابعة والعشرين من عمره، وكانت لجنة الامتحان برئاسة الشيخ سليم البشري رحمه الله.

وبعد ذلك أخذ يلقي الدروس في الأزهر في علوم المنطق والأخلاق إلى أن عين قاضيًا بالمحاكم الشرعية في يونية سنة ١٩١٦م، ثم عين رئيسًا لمحكمة الإسكندرية عام ١٩٤١م ثم عين رئيسًا للتفتيش الشرعي بوزارة العدل سنة ١٩٤٢م- وفي عام ١٩٤٤م عين نائبًا للمحكمة الشرعية العليا، ثم عين مفتيًا للديار المصرية عام ١٩٤٥م إلى انتهاء مدة خدمته القانونية عام 1950م، حيث استمر في إعطاء الدروس العامة والكتابة العلمية، لا سيما في الفتاوى والبحوث الفقهية، وقد جمعت فتاويه فيما بعد في كتابين، وألف كتابًا في «المواريث» وهو كتاب جليل في الفقه المقارن، ولقد تلقى كثيرًا من العلم والفضل على يد والده الذي كان شيخ علماء الأزهر وعضوًا في مجلس إدارته، وهو الذي أنشأ المكتبة الأزهرية. ووكيل الأزهر والمدير العام له حتى عام 1915م. وللشيخ حسنين بحث واسع وفتوى في التصوير نوردها هنا لأهميتها:

  1. نص الفتوى:

حكم التصوير واتخاذ الصور

«السؤال» ما حكم صنع الصور، واتخاذها في الشريعة الغراء؟

«الجواب» تصوير الشيء حيوانًا كان أو غير حيوان، قد يكون بصنع جسم على مثاله وهيئته، ويسمى الواحد تمثالًا، والجمع تماثيل. وقد يكون برقم صورته ونقشها على ورق أو ثوب أو حائط ونحوها، وتسمى صورة ومنه الصور الفوتوغرافية المعروفة، وقد يسمى مثالًا أو تمثالًا.

فإن كان التصوير لما ليس له روح كالأشجار والبحار والسفن والأبنية ونحوها حل صنعها واتخاذها مجسمة وغير مجسمة. 

وإن كان لما له روح كالإنسان والحيوان، فإن كانت الصورة مجسمة، وهي التي لها ظل كالتماثيل المعروفة، حرم صنعها واتخاذها بالإجماع.

وورد استثناء لعب البنات منها، فرخص لهن فيها. وعليه يخرج جواز صنع العرائس المتخذة من القماش والقطن أو من الجبس أو الخشب أو الكاوتشوك أو الحلوى وغيرها من لعب الأطفال، كما أفتينا بذلك في فتوى ستأتي. 

وإن كانت غير مجسمة، وهي التي لا ظل لها كالمرقومة على حائط أو ثوب أو ورق أو ستر أو بساط أو معدن، ففي حكمها خلاف بين الفقهاء.

قال الإمام أبو بكر بن العربي كما في إرشاد الساري: «حاصل ما في اتخاذ الصور أنها إن كانت ذات أجسام حرم بالإجماع، وإن كانت رقمًا فأربعة أقوال: الجواز مطلقًا لظاهر حديث الباب «وسنذكره» والمنع مطلقًا، والتفصيل، فإن كانت الصورة باقية الهيئة قائمة الشكل حرم، وإن قطعت الرأس وتفرقت الأجزاء جاز، قال وهو الأصح، والرابع إن كانت مما يمتهن جاز، وإن كانت معلقة فلا».

وإلى الأول ذهب بعض السلف، واختار الأخير الإمام النووي.

وقد وردت أحاديث صحيحة في النهي عن التصوير واتخاذ الصور سدًا لذريعة الشرك والوثنية: منها ما أخرجه البخاري عن مسلم بن صبيح قال: «كنا مع مسروق في دار يسار بن نمير فرأى في صُفَته «بضم الصاد وفتح الفاء المشددة» تماثيل «صورًا لمريم عليها السلام». فقال: سمعت عبد الله قال: سمعت النبي صلي الله عليه سلم   يقول: «إن أشد الناس عذابًا عند الله يوم القيامة المصورون».

وعن نافع أن عبد الله بن عمر أخبره أن رسول الله صلي الله عليه سلم قال: «إن الذين يصنعون هذه الصور يعذبون يوم القيامة، يقال لهم: أحيوا ما خلقتم».

وعن ابن عباس قال: سمعت محمدًا صلي الله عليه سلم  يقول: «من صور صورة في الدنيا كلف يوم القيامة أن ينفخ فيها الروح وليس بنافخ». 

وقد لعن رسول الله صلي الله عليه سلم المصور. والمراد من الصور في هذه الأحاديث الرقمية والمنقوشة، ويفهم من حكمها بالأولى حكم الصور المجسمة، ويؤيد أن المراد بها ذلك ما في حديث عائشة أنها اشترت نمرقة فيها تصاوير، فقال الرسول صلي الله عليه سلم : «إن أصحاب هذه الصور يعذبون يوم القيامة، يقال لهم أحيوا ما خلقتم، وإن البيت الذي فيه الصور لا تدخله الملائكة».

وما في حديث أبي زرعة قال: دخلت مع أبي هريرة دارًا بالمدينة لمروان ابن الحكم، فرأى أبو هريرة رجلًا مصورًا يصور في سقفها «أي صورة لذي روح» فقال: سمعت رسول الله صلي الله عليه سلم يقول: «قال الله تعالى: ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي».

قال الإمام النووي في شرح صحیح مسلم: قال جماهير العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، وهو مذهب مالك وأبي حنيفة وغيرهم: تصوير صورة الحيوان حرام شدید التحريم، وهو من الكبائر لأنه متوعد عليه بهذا الوعيد الشديد. سواء صنعه بما يمتهن أو بغيره، وسواء كان في ثوب أو بساط أو درهم أو دينار أو فلس أو إناء أو حائط أو غيرها. وأما تصوير صورة الشجر ورجال الإبل وغير ذلك ما ليس صورة حيوان فليس بحرام.

هذا حكم التصوير نفسه، وأما اتخاذ المصور صورة حيوان، فإن كان معلقًا على حائط أو ملبوسًا أو عمامة، ونحو ذلك مما لا يعد ممتهنًا فهو حرام، وإن كان في بساط يداس ومخدة ووسادة ونحوها مما يمتهن فليس بحرام، ولا فرق في هذا كله بين ما له ظل وما لا ظل له. انتهى

والظاهر أن الوسيلة تعطى حكم مقصدها، فيدور حكم الصنع مع حكم الاتخاذ تحريمًا وتحليلًا.

وعن عائشة أنها قالت: «إن النبي صلي الله عليه سلم  لم يكن يترك في بيته شيئًا فيه تصاليب -تصاوير كما في الرواية الأخرى- إلا نقضه» «كسره وغير صورته».

وعنها قالت: «قدم رسول الله صلي الله عليه سلم   من سفر «قبل غزوة تبوك» وقد سترت بقرام لي «بكسر القاف ستر فيه رقم ونقش» على سهوة لي «بفتح السين والواو بينهما هاء ساكنة، صفة في جانب البيت أو كوة» فيها تماثيل «تصاوير» فلما رآه رسول الله  صلي الله عليه سلم   هتكه «نزعه» وقال: أشد الناس عذابًا يوم القيامة الذين يضاهون بخلق الله قالت: فجعلناه وسادة ووسادتين». وفي رواية: «فاتخذت منه نمرقتين، فكانتا في البيت نجلس عليهما». 

وعنها رضي الله عنها قالت: «قدم النبي صلي الله عليه سلم   من سفر وعلقت دُرنوكا «بضم الدال والنون بينهما راء ساكنة سترًا له خمل» وفيه تماثيل، فأمرني أن أنزعه فنزعته» انتهى. وفي رواية مسلم: «فجعلته مرفقتين فكان يرتفق بهما». وفي حديثي عبد الله بن عمر وعائشة في الصحيحين قالا: «وعد النبي صلي الله عليه سلم   جبريل في ساعة يأتيه فيها، فراث «أبطأ» عليه حتى اشتد على النبي وقال: ما يخلف الله وعده ولا رسله، ثم التفت فإذا جرو كلب تحت سريره، فقال: يا عائشة متى دخل هذا الكلب؟ فقالت: والله ما دريت، فأمر به فأخرج، فخرج النبي صلي الله عليه سلم   فلقيه فشكا إليه ما وجد، فقال له: إنا لا ندخل بيتًا فيه صورة ولا كلب».

وفي السنن من حديث أبي هريرة: «أتاني جبريل، فقال: أتيتك البارحة فلم يمنعني أن أكون دخلت، إلا أنه كان على الباب تماثيل، وكان في البيت قرام ستر فيه تماثيل. وكان في البيت كلب فمر برأس التمثال الذي في البيت يقطع فيصير كهيئة الشجرة، ومر بالستر فليقطع فتجعل منه وسادتان منبوذتان توطآن، وأمر بالكلب فليخرج» ففعل النبي صلي الله عليه سلم   . ا.هـ

قال القسطلاني: فيه ترجيح القول بأن الصورة التي تمنع الملائكة من دخول البيت لأجلها هي التي تكون باقية على هيبتها مرتفعة غير ممتهنة. 

ثم قال: والحاصل مما سبق كراهة صورة حيوان منقوشة على سقف أو جدران أو وسادة منصوبة، أو ستر معلق، أو ثوب ملبوس، وأنه يجوز ما على أرض وبساط يداس ومخدة يتكأ عليها، ومقطوع الرأس وصورة الشجر. والفرق أن ما يوطأ ويطرح مهان مبتذل، والمنصوب مرتفع يشبه الأصنام، وأنه يحرم تصوير حيوان على الحيطان والسقوف والأرض ونسج الثياب. اهـ

وقد استدل القائلون بجواز الصور الرقمية مطلقًا، بما رواه البخاري عن يسر بن سعيد عن زيد بن خالد عن أبي طلحة قال: «إن رسول الله صلي الله عليه سلم    قال: «إن الملائكة لا تدخل بيتًا فيه صورة، فقلت لعبيد الله بن الأسود الخولاني، ربيب ميمونة زوج النبي صلي الله عليه سلم: ألم يخبرنا زيد عن الصور يوم الأول؟ فقال عبيد الله: ألم تسمعه حين قال: «إلا رقمًا في ثوب» زاد في رواية عمر ابن الحرث قلت: لا. قال: بلی. ا.هـ

فدل استثناء الرقم على جواز اتخاذ الصور الرقمية مطلقًا، سواء امتهنت أم لا، وسواء بقيت على هيئتها كاملة أم لا. 

ولذلك قال بعض السلف: لا بأس بالصور التي لا ظل لها، وإنما نهى عما له ظل. 

وخصه آخرون بما كان رقمًا في ثوب، سواء امتهن أم لا، علق في حائط أم لا، وكرهوا ما كان له ظل أو كان مصورًا في الحيطان وشبهها، سواء كان رقمًا أو غيره، كما نقله النووي في شرح مسلم.

والظاهر أن الشارع حين حرم صنع الصور المجسمة واتخاذها، إنما قصد إلى سد ذريعة الشرك. فقد كانت الأصنام والأوثان التي عبدت من دون الله في الجاهلية تماثيل لرجال صالحين تقادم عليها الزمن وجهل التاريخ، فقال الناس: ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى. 

وقد جاء الإسلام بالتوحيد الخالص، ومحو الشرك والقضاء على الوثنية في حقيقتها ومظاهرها المختلفة.

أما الصور الرقمية فلم تكن يومًا ما معبودات في الجاهلية، ولكنها تتصل بتلك الصور المجسمة نوعًا ما، وتذكر بما كان من أمرها، فقطعًا لمادة الشرك وسدًا للذريعة على الوجه الأكمل حرمها الشارع بادئ ذي بدء، وتوعد من يصنعها أو يتخذها بالعقاب الشديد لحداثة العهد بالوثنية والأوثان.

ولكن لما استقر الإسلام وامّحت الوثنية ودالت دولة الأصنام واستضاءت القلوب بنور الإيمان، واهتدت العقول بتعاليم القرآن، رخص الشارع في الصور الرقمية في حديث «إلا رقمًا في ثوب» فكان تدرجًا في التشريع اقتضته الحكمة ودعت إليه الضرورة. فمن السلف من أجازها مطلقًا، أخذًا بظاهر هذا الحديث، ومن الناس من أجازها إذا لم يسلك بها مسلك التعظيم كما كانوا في الجاهلية يعظمون الأصنام، ومنهم من أجازها إذا لم تكن على الهيئة الكاملة للإنسان أو الحيوان لما في بقائها كاملة من لمح الأصل والتذكير ولو من بعد بالجاهلية الأولى. وهناك جمع من العلماء سلك بها مسلك الصور المجسمة مبالغة في سد الذريعة، وأخذًا بإطلاق ما ورد من الأحاديث في هذا الباب.

ولعل القول الأول أولى بالنسبة إلينا في عصرنا، وعليه يخرج جواز صنع الصور الشمسية واتخاذها للإنسان والحيوان، وليس فيها شائبة وثنية الآن، بل لها نفع عظيم في كثير من مرافق الحياة والشؤون الدولية والمالية والحربية وغيرها. ومتى وجد المسوغ للحل فيما ورد عن الشارع مع اقتضاء للضرورة الأخذ به لا ينبغي العدول عنه رفقًا بالناس، والدين يسر لا عسر فيه، والله أعلم بالصواب.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 481

174

الثلاثاء 20-مايو-1980

الإسلام والتصوير- ٣

نشر في العدد 483

98

الثلاثاء 03-يونيو-1980

الإسلام والتصوير "5"

نشر في العدد 484

243

الثلاثاء 10-يونيو-1980

الإسلام والتصوير «٦»