العنوان وقفة مع الناخب
الكاتب فيصل مندني
تاريخ النشر الثلاثاء 03-فبراير-1981
مشاهدات 65
نشر في العدد 514
نشر في الصفحة 8
الثلاثاء 03-فبراير-1981
مع اقتراب الحياة النيابية، تجد الناس ما بين مرشح وناخب في عمل دؤوب لجعل تلك الحياة النيابية المقبلة هي الأحسن والأمثل.
وفي هذا الجو المشحون وانصباب جل تفكير الناس في الانتخابات ومجلس الأمة، لنا وقفة قصيرة حول بعض الأمور التي يجب أن يدركها الناخب تمام الإدراك قبل خوضه في مسألة الانتخاب وتدعيم مرشحًا ما بصوته؛ وذلك لاعتقادي بأن الدعم ليس بالأمر الهين، فهو بمثابة إقرار وشهادة بأن تعطيه صوتك بأنه الأصلح لتمثيل الأمة، ومن ثم ينبغي أن يكون هذا الدعم وفق أمور ترضي الله بعيدة كل البعد عن أي اعتبار أرضي من مصلحة أو صداقة أو قرابة... إلخ. ومن هذه الأمور:
أولًا: عظم الشهادة:
على الناخب أن يختار المرشح الأفضل والأصلح لتمثيل هذه الأمة؛ لأن إعطاء الصوت يعتبر شهادة منه بصلاح ذلك المرشح لهذا الدور. فإن كان المرشح غير ذلك مع علم الناخب المسبق، ولكن تحت ضغوط المصالح الشخصية، أو الصداقة، أو القرابة، شهد له بالصلاح، فشهادته تلك شهادة زور.
وقد وصف الله تعالى عباده المؤمنين بقوله: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ (الفرقان: 72) أي: لا يؤدون شهادة الزور لما في ذلك من تضييع الحقوق والإعانة على الظلم. قال الشوكاني: أي لا يشهدون الشهادة الكاذبة.[1] وقال القرطبي: شهادة الزور هي الشهادة بالكذب ليتوصل بها إلى الباطل من إتلاف نفس، أو أخذ مال، أو تحليل حرام، أو تحريم حلال، فلا شيء من الكبائر أعظم ضررًا منها ولا أكثر فسادًا بعد الشرك بالله. [2]
والزور أصله تحسين الشيء ووصفه بخلاف صفته حتى يخيل إلى من سمعه أو رآه أنه بخلاف ما هو به.. تمويه الباطل بما يوهم أنه حق. [3]
وفي الصحيحين، عن أبي بكرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟» ثلاثًا، قلنا: بلى يا رسول الله، قال: «الشرك بالله، وعقوق الوالدين» وكان متكئًا فجلس فقال: «ألا وقول الزور، ألا وشهادة الزور»، فما زال يكررها حتى قلنا: ليته سكت. قال الحافظ ابن حجر: «قوله: وجلس وكان متكئًا» يشعر بأنه اهتم بذلك الأمر حتى جلس بعد أن كان متكئًا، ويفيد ذلك تأكيد تحريمه وعظم قبحه، وسبب الاهتمام بذلك كون قول الزور أو شهادة الزور أسهل وقوعًا على الناس والتهاون بها أكثر، فإن الإشراك ينبو عنه قلب المسلم، والعقوق يصرف عنه الطبع، وأما الزور فالحوامل عليه كثيرة كالعداوة والحسد وغيرهما، فاحتيج إلى الاهتمام بتعظيمه.[4]
فإن كان هذا هو أمر الشهادة، فهو أمر خطر وعظيم، فلا بد من التعرف على اتجاه كل مرشح والسؤال عنه، ثم تحديد الأصلح لتمثيل الدور الذي يرضي الله، ولا ينبغي التهاون والتساهل في مثل هذا الأمر.
ثانيًا: الأمانة في الانتخاب:
إن عملية انتخاب الأصلح أمانة في عنق الناخب عليه أن يؤديها لمن يعتقد بأهليته لهذا المنصب لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا﴾ (النساء: 58) ومن ثم فإنه يجب على الناخب أن يحرص وأن يجد في البحث عن الأصلح. ولقد حذر الرسول عليه الصلاة والسلام من تولية الرجل لمودة أو قرابة وهو يجد من هو أصلح منه، كما في الحديث الذي رواه الحاكم في صحيحه «من قلد رجلًا عملًا على عصابة وهو يجد في تلك العصابة أرضى منه، فقد خان الله ورسوله وخان المؤمنين». وفصل ابن تيمية في ذلك الأمر قائلًا: فإن عدل عن الأحق الأصلح إلى غيره، لأجل قرابة بينهما، أو ولاء عتاقة، أو صداقة، أو موافقة في بلد أو مذهب أو طريقة أو جنس، كالعربية والفارسية والتركية والرومية، أو الرشوة يأخذها من مال أو منفعة، أو غير ذلك من الأسباب، أو لضغن في قلبه على الأحق، أو عداوة بينهما، فقد خان الله ورسوله والمؤمنين، ودخل فيما نهي عنه في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾[5] (الأنفال: 27). «٥».
ثالثًا: المصارحة:
وهذا أمر يجب ألا يتساهل أو يتهاون فيه الناخب متى ما أيقن بعدم أهلية ذلك المرشح المقرب إليه للحياة النيابية، فلا داعي للحرج من المصارحة، فإن في ذلك نصرة للمرشح ونصرة للأمة التي سيمثلها، وقد دلت سنة الرسول صلى الله عليه وسلم على ذلك، ولم تمنعه محبته لذلك الصحابي الجليل من مصارحته إياه، وهو القائل فيه: «ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء، أصدق لهجة من أبي ذر»، صارحه لما رآه ضعيفًا في أمر الإمارة والولاية، قائلًا له: «إنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة، إلا من أخذها بحقها، وأدى الذي عليه فيها» (رواه مسلم). وروى البخاري في صحيحه، عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة»، قيل: يا رسول الله، وما إضاعتها؟ قال: «إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة».
ختامًا.. إنه لا بد للناخب من هذه الوقفة القصيرة مع نفسه حتى يكون صوته فيما يرضي الله تعالى. وكم نحن بحاجة إلى مثل هذه الوقفات حتى لا ننجرف وراء العواطف والأهواء في أمور عظيمة قد تجلب سخط الباري عز وجل إن لم نحسن التصرف، والله أعلم.
[1] فتح القدير «ج4» ص89
[2] فتح الباري «ج10» ص412
[3] صحيح مسلم «ج1» ص282
[4] فتح الباري «ج5» ص263
[5] السياسة الشرعية، ص9
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل