; حول تنقيح الدستور : ما لا بد منه | مجلة المجتمع

العنوان حول تنقيح الدستور : ما لا بد منه

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 26-فبراير-1980

مشاهدات 80

نشر في العدد 471

نشر في الصفحة 10

الثلاثاء 26-فبراير-1980

* الحياة النيابية ضمانة كبيرة للحريات المنصوص عليها في الدستور

منذ توقف الحياة النيابية في 29/ ۸/ 1976 وتعهدت السلطة التنفيذية بتنقيح الدستور في نفس الوقت، ظل الكويتيون ينتظرون بفارغ الصبر مهلة الأربع سنوات لاستئناف الحياة النيابية، وقد صدرت بعض القوانين خلال هذه الفترة كقانون التجمعات العامة، وإضافة مادة على قانون المطبوعات والنشر، اعتبرها كثير من أبناء هذا البلد مخالفة لنصوص الدستور. كما يعتقد أنها لم تكن لتصدر في ظل الحياة النيابية.. على أن السلطة التنفيذية يبدو أنها وفت الوعد فأعلنت منذ حوالي عام عزمها على إعادة الحياة النيابية.. حتى إذا أطل عقد الثمانيات وبالذات يوم 10/ ۲/ 1980 صدر مرسوم أميري بتشكيل لجنة من خمس وثلاثين عضوًا لتنقيح الدستور، كما دعت السلطة التنفيذية على لسان ولي العهد رئيس مجلس الوزراء المواطنين للمشاركة في مناقشات تنقيح الدستور.

ومنذ بداية هذا الشهر ظهرت على صفحات الصحف والمجلات المحلية مقالات ومقابلات كثيرة، تناولت بالنقد أو الثناء أو إبداء الرأي والنصيحة حول موضوع تنقيح الدستور وتشكيل اللجنة. ونحن بدورنا نود أن ننبه إلى ما ليس منه بد في خضم هذه الحياة الزاخرة الآن بمختلف التيارات والأفكار، التي لو أطلق لها العنان لصار بطن الأرض خيرًا من ظاهرها.

الحياة النيابية مطلب شعبي

المتتبع لحركة المجتمع الكويتي خاصة بعد إعلان الحكومة عن نيتها لإعادة الحياة النيابية، سواء من خلال ما يكتب من استطلاعات صحفية، أو مقالات، أو تعليقات، أو من خلال ما يعقد من ندوات ومحاضرات، أو ما يدور من مداولات في الأماكن العامة والديوانيات، سيخرج بنتيجة مفادها أن عودة الحياة النيابية مطلب شعبي لا يمكن لأحد التفريط فيه. فالحياة النيابية كما يعرف كل مواطن ضمانة كبيرة للحريات المنصوص عليها في الدستور. والحرية هي أغلى ما يملك الإنسان، وهي ما تميزه عن الحيوان. فلا بد إذن مما ليس منه بد.. لا بد من ضمانة قوية للحفاظ على هذه الحرية.. فالناس هنا يتذكرون أن الجزاءات التي اتخذت من قبل السلطة التنفيذية ضد بعض المواطنين بسحب جوازات سفرهم، أو بحرمانهم من ممارسة الوظيفة العامة، أو غير ذلك من الإجراءات، ما كانت لتتخذ لو طبق الدستور بصورة سليمة في ظل الحياة النيابية.

تجاوز الماضي

ولما كان الدستور وثيقة سياسية هامة تبين مقومات المجتمع الأساسية، وتنظم الحقوق والحريات ونوع نظام الحكم، كما تحدد العلاقة بين السلطة التنفيذية والسلطات التشريعية والهيكل الأساسي للنظام القانوني، فإن من الوعي والمنطق أن تتركز الجهود على إخراج هذا الدستور بما يتلاءم مع مقومات المجتمع الكويتي الذي لا يجادل أحد في أن العقيدة الإسلامية هي المقوم الرئيسي وأصل جميع المظاهر السياسية والاجتماعية والاقتصادية لأفراد هذا المجتمع.

ومن أجل ذلك، فإن من الوعي والجد كذلك، تجاوز الأسباب والظروف والملابسات التي رافقت قرار السلطة التنفيذية في 29/ ۸/ 1976 بتعطيل بعض مواد الدستور وحل المجلس النيابي، فهي الآن في ذمة التاريخ، وسبحان الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور. على أن هذا التجاوز للماضي لا يعني التبرير وإغضاء الطرف عن الدور السلبي للسلطة التنفيذية، بل الذي نقصده أن لا يقف ذلك حائلًا دون المشاركة في جهود تنقيح الدستور وترشيد عملية العودة إلى الحياة النيابية.

ملاحظات أساسية 

وبدافع من عملية ترشيد العودة إلى الحياة النيابية، لا بد من ذكر بعض الملاحظات الأساسية حول مرسوم تشكيل لجنة تنقيح الدستور، حتى إذا استبان الحق وسطع المنطق لأعضاء اللجنة والاسترشاد بالحق والمنطق ليكون تنقيح الدستور سليمًا وموافقًا لمقومات المجتمع الكويتي كما تمليها عليه عقيدته الإسلامية، وكما يفهمها أبناؤه النابهون والمخلصون.

  • فاللجنة طبقًا لمرسوم التشكيل تملك حق رفع توصياتها بشأن اقتراح تعديل حكم أو أكثر من أحكام الدستور. ولو رجعنا إلى المادة ١٧٤ من الدستور لتبين لنا أن تقديم التوصيات بشأن تنقيح الدستور، هي آخر خطوة في عملية التنقيح؛ إذ يسبق ذلك اقتراح التعديل الذي هو من حق الأمير أو ثلث أعضاء مجلس الأمة، ثم الموافقة على مبدأ التعديل وموضوعه من قبل مجلس الأمة بأغلبية الأعضاء وموافقة الأمير، ثم موافقة الأمير على قرار مجلس الأمة بالتعديل. وهنا يستطيع الأمير أن يستعين بمن يشاء لإجراء التنقيح، سواء كان فردًا أو هيئة استشارية فنية أو لجنة، والأفضل في هذا الحال أن تكون لجنة فنية قليلة العدد.

إن تفويض اللجنة بحق رفع التوصيات بشأن اقتراح تعديل الدستور هو الذي جعل الخبير الدستوري الدكتور عثمان عبد الملك أن يقول: «إن ما تضعه هذه اللجنة من توصيات في شأن اقتراح مشروع التنقيح لا يلزم أحدًا من وجهة النظر القانونية» «الوطن 17/ 2/ 80».

  • إن عرض ما توصي به اللجنة بعد موافقة السلطة التنفيذية على الاستفتاء الشعبي يصطدم مع نصوص الدستور غير المعطلة، والتي تبين أركان النظام النيابي الخالص التي أخذ بها الدستور. 
  • والأخذ كذلك بنظام المجلس أو المجلسين بالانتخاب والتعيين معًا يخالف مبدأ السيادة الشعبية الذي تقره المادة السادسة. 
  • وعلى أية حال فإنه إذا استدعت الظروف الموضوعية تنقيح المواد التي استندنا إليها في إبداء الملاحظات السابقة، فإن طريقة هذا التنقيح يجب أن تكون دستورية طالما أن الدستور معمول به، وتأتي أهمية هذه الملاحظة كذلك من أنها ترسخ العمل بالقواعد الدستورية لدى السلطة التنفيذية والشعب. وهذا ما يؤدي إلى تبادل الثقة والاحترام بين الطرفين، الأمر الذي ينعكس على استقرار الحياة السياسية في المجتمع.

إشارات ومحاذير

يتبين للمراقب من خلال بعض التصريحات الرسمية وبعض أعضاء اللجنة، وبعض المواطنين أن الدستور الحالي ملائم جدًّا لوضع المجتمع الكويتي، ولا يحتاج إلى تنقيح ذي بال، بل يحتاج إلى تعديل وإضافة بقدر ضئيل أيضًا. على أن أخطر هذه الإشارات في رأينا هو ما دعا إليه في مقال افتتاحي في صحيفة «القبس» «مخضرم كويتي وعضو سابق في المجلس النيابي» من ضرورة تنقيح الدستور ليتلاءم أكثر مع النموذج الرئاسي للنظام النيابي، مستدلًّا بذلك من تطور الدستور الفرنسي. وببساطة نقول: إن الدعوة إلى هذا الاتجاه تتنافى مع مبدأ الفصل بين السلطات. كما أن الرئيس هناك ينتخب عن طريق الاقتراع العام، وليس وراثيًّا كما هو في الكويت ودول الخليج والجزيرة العربية.

الحكم بما أنزل الله ليس منه بد

وبعد هذه الملاحظة والمحاذير نقول: إن الإسلام الذي ندين به جميعًا، بما في ذلك لجنة تنقيح الدستور يحتم علينا أن نبني حياتنا على أساس من الدستور الإلهي.. القرآن الكريم؛ امتثالًا لقوله تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ۚ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ (يوسف: ٤٠).

ولذلك فإنه من منطلق الحرص والنصيحة ينبغي على اللجنة التي قدر لها أن تضطلع بمهمة جليلة كمهمة تنقيح الدستور أن تضع في حسبانها الأمور التالية:

1- أن ينصب الاهتمام على تنقيح المادة الثانية لتنص على أن الشريعة الإسلامية هي مصدر التشريع. وهذا التعديل له ما يبرره، فالنص على ذلك هو كما أسلفنا ما يحتمه علينا ديننا الذي ارتضاه الله لنا ورضيناه، وبغيره لا نكون عند الله في عداد المسلمين. ثم إن المجلس النيابي السابق كان قد طالب بهذا التعديل بالأغلبية، وصدر به قرار، ولكن لم يحظ في حينها بموافقة السلطة التنفيذية. ثم إن الصحوة الإسلامية قد عمت البلاد الآن، وأصبح التنادي بتحكيم شرع الله مطلبًا شعبيًّا ملحًّا لا بد من الاستجابة إليه.

وإذا لم يحظ هذا التعديل بموافقة السلطة التنفيذية سابقًا، فإننا نأمل من السلطة التنفيذية في الوقت الحاضر أن توافق على ذلك. 

لقد ذكر الأمير في لقائه مع أعضاء اللجنة «أن أقصى ما يمكن أن يقدمه إنسان هو ذلك العمل الذي يرضي الله سبحانه ويرضي ضميره، وهذا ما أطلبه منكم». وأي شيء يرضي الله سبحانه ويرضي ضمائر المسلمين أكثر من الحكم بما أنزل الله والنص على ذلك في الدستور؟!

2- لا بد من النص كذلك على أن تكون سلطة المجلس النيابي مقيدة بسيادة الشرع، فلا يجوز للمجلس أن يشرع قانونًا يخالف نصًّا من نصوص الشريعة كالتعامل بالربا وإباحة المحرمات.. البيوع الحرام.

3- ولا بد من إحياء العمل ببعض مواد الدستور التي لم يعمل بها من قبل كتلك المتعلقة بالقضاء الإداري ومحاكمة الوزراء؛ لأنها بلا شك تعزز الحرية والكرامة لأفراد الشعب من المظلومين.. فلقد أثبت الواقع أن المسئولين الإداريين يتعسفون في معاملتهم لمرؤوسيهم، وأن الوزراء قد يتعدون حدود مسئوليتهم.. فلا بد إذن من إنصاف المظلوم ووضع الحق في نصابه.

4- وينبغي التنبه كذلك إلى مسألة أساسية، وهي أن أية إضافة أو تعديل بشأن مبادئ الحرية والمساواة إلا بالمزيد من ضماناتهما، ولا يخفى أن هذه المبادئ محكومة كذلك بالقيد الشرعي الذي ذكرناه آنفًا.

5- ولا بد كذلك من تنقيح القوانين المكملة للدستور كقانون الانتخاب، وقانون المطبوعات والنشر، وقانون الجنسية. ولا بد أن ينصب التنقيح على المواد التي تقيد من الحرية والمساواة. ونحن هنا ننبه على ضرورة ذلك.. أما اقتراحاتنا بصدد ذلك فهي أن تكون لنا إليها عودة في الوقت المناسب.

6- ومما لا بد منه أن يكون هنالك انسجام بين بناء الحياة النيابية وبناء الناحية الثقافية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية. وهنا يأتي دور الإعلام، والمؤسسات الثقافية كالجامعة والتخطيط لتتواءم مع الحياة النيابية، فتبني أسس المجتمع الكويتي على الاستقرار والنمو المتوازن!

والذي يجب أن لا يغيب عن البال أبدًا أننا مسلمون، فلا بد أن نكون مسلمين حين نشرع أو حين نحكم.. لا بد أن نكون مسلمين حين نقضي أو نتقاضى، ولا بد أن نكون مسلمين حين نتعامل اجتماعيًّا أو اقتصاديًّا. والإسلام فضلًا عن ذلك كله هو قدرنا.. فهل نهرب منه؟! ذلك ما لا نرجوه ولا نقبله لمسلم، وخلال الستة أشهر القادمة.. وهي مهلة لجنة تنقيح الدستور للانتهاء من مهمتها، سنرى كيف يكون الجواب!

الرابط المختصر :