العنوان كونوا قناديل تضيء الطريق
الكاتب نهلة عبداللطيف الأديب
تاريخ النشر الأربعاء 08-مايو-2002
مشاهدات 83
نشر في العدد 1504
نشر في الصفحة 41
الأربعاء 08-مايو-2002
إن أصحاب الفكر النفعي وخاصة أولئك الذين يتصدرون للكتابة في الصحف، هم إفراز لعدة مؤثرات أهمها الشعور بالدونية والصغار وسط الطفرة المادية للدول الغربية، ثم هيمنة تلك الدول وسيطرتها على عالمنا العربي والإسلامي في ظل التخاذل والتنازل العربي، مما أدى إلى حالة من الإحباط ولدت ذلك الفكر النفعي المادي، ولكن أصحاب هذا الفكر يتصفون أيضًا بغياب الوعي وضعف الإدراك، فلا يلتفتون إلى ذلك الغشاء الضبابي الكثيف الذي حجب عيونهم عن الحقيقة الواضحة والمواقف الفاضحة، ذلك الغشاء يقودهم إلى العمى التام، فهو غشاء من العصبية المقينة، والاستسلام والخنوع والنظرة القصيرة والمنفعة الشخصية وحب الذات والرضا بالتبعية.
إن الذين لايزالون يراهنون على المعادلات السياسية الساعية للسلام، ويرون أن الانتفاضة الفلسطينية قد أخلت بتلك المعادلات وأن الانتفاضة قد أوصلت شارون إلى سدة الحكم، ويسخرون أقلامهم لذلك، لا شك أنهم يعيشون في وهم كبير؛ لأن الذي أوصل شارون إلى سدة الحكم هو الرعب والشعور بعدم الأمان لدى اليهود الذين يطاردهم، الشعور بالتيه وفقدان الأرض، فهم يتخبطون، ونحن للأسف لا ننتهز الفرص، ولكن هذه إرادة الله أن يمحص الأمة، وينقيها ممن يعيشون بلا هدف يعيشون لينتفعوا، يعيشون من أجل العيش، ثم إن أصحاب الفكر النفعي يعتبرون العمليات الاستشهادية خطأ استراتيجيًّا، وأن هذه العمليات تكثر في المناطق التي ينتمي غالبية سكانها في زعمهم إلى حزب العمل الداعي إلى السلام، كما يقولون، علمًا بأن الأمر لا يعدو أن يكون اختلافًا في المنهج بين أصحاب الهدف الواحد، فهذا دموي ينقض فيفترس، وذاك يتحين الفرص للانقضاض، فلا فرق بين العمل والليكود إلا في المنهج والأسلوب، ولكن أصحاب الفكر النفعي نظرتهم قاصرة وعقلهم محصور في دائرة التبعية والعبودية.
إن الحضارات لا تقوم إلا بأيدي أسياد يملكون إرادتهم، لا عبيد منافعهم وعصبياتهم، فيا من تعلقون أمالكم بحمائم العمل ليخلصوكم من صقور الليكود، ستطحنون غدًا بين حجري الرحى إن لم تستيقظوا، إن الاستشهاديين وحدهم أدركوا حقائق الأمور، ووضعوا الاستراتيجية الصحيحة، لكن أصحاب الفكر النفعي تحجرت عقولهم، وتجمدت حواسهم.
إنهم للأسف يدعون الحياد والنظرة المتعقلة البعيدة عن العاطفة، وأنا أقول: إنهم منحازون إلى أقصى درجات الانحياز منحازون إلى أهوائهم ومنافعهم إلى عصبياتهم وذواتهم، إنهم منحازون وجودهم تابعون إلى الأقوى إلى من يضمن لهم حياة مادية مترفة منعمة بعيدة عما يصيب الأمة، فهم لا يعترفون بمفهوم الأمة، ولا يدركون حقيقة لماذا خلقوا وإلى أين يذهبون؟ وماذا بعدما يذهبون؟ إنهم أصحاب نظرة ضيقة ليس لهم هدف يصل بأمتهم ولا بوطنهم إلى التميز، إنهم هانئون بتبعيتهم لا تتغير وجوههم لما يحدث لإخوانهم في فلسطين، ولا يحركون ساكنًا؛ لأنهم لا يعترفون بأخوة العقيدة مع أن عدونا يحاربنا بسلاح العقيدة.
إن هؤلاء النفعيين قد تخلوا عن دورهم الريادي باعتبارهم كتابًا، فأصحاب الأقلام من الكتاب والأدباء يفترض أن يرشدوا المجتمعات، ويوجهوا الأمة، ويرسموا الطريق لتقويم عيوبها، يبشون فيها روح الأمل والعمل على التغيير، يرفعون من العزائم الهابطة، ويوقظون النفوس المنهزمة على بشائر يستشرفونها في المستقبل، ولكن أنى لهم ذلك وهم داء الأمة وعلتها، لقد تحولوا من قناديل تضيء الطريق إلى سراب يسير بالأمة إلى الهاوية، وأقول لهم قولًا مخلصًا: قفوا مع أنفسكم متجردين من كل هوى ملتمسين الحق، فمراجعة الحق خير من التمادي في الباطل، مستعينين بالله، لاجئين إليه، عندها ستعرفون أن أبواب العزة والكرامة يفتحها الله لطالبيها، وأن قوة النفس يمنحها الله المستعينين به، الراغبين في وصله وقربه، وأن النصر مع الصبر وأن الصبر مع الإيمان.