العنوان فك الارتباط أم فك الانتفاضة؟!
الكاتب المحرر المحلي
تاريخ النشر الثلاثاء 09-أغسطس-1988
مشاهدات 98
نشر في العدد 877
نشر في الصفحة 4
الثلاثاء 09-أغسطس-1988
تعبر الانتفاضة الفلسطينية الباسلة الزمن.. من شهر إلى شهر.. وتصل إلى الشهر التاسع شامخة متصاعدة... ترجم جيش العدو وقمعه وآلته.. وترجم أربعين عامًا من الاحتلال البغيض.. وتكثر التساؤلات حول مستقبل الانتفاضة ومصيرها في ظل التطورات السياسية المتلاحقة في المنطقة، والتي كان آخرها فك الارتباط الإداري والقانوني للضفة الغربية بالضفة الشرقية.
وفي ظل تسارع الأحداث والمعطيات يبقى السؤال الكبير: هل تستمر الانتفاضة؟!
لعل الإجابة على هذا السؤال يحتاج من المراقب مراجعة عميقة ومتأنية وموضوعية في ذات الوقت في مجموعة من العوامل والمحددات الأساسية:
• مراجعة أسباب الانتفاضة ودوافعها.. من الأمور الهامة في هذا السياق.. لمعرفة ما إذا كانت هذه الأسباب التي دفعت باتجاه الثورة ما زالت قائمة، أم أنها انتهت وما يعنيه ذلك من فقدان الدافع للاستمرار في الثورة والعصيان.. ومن الواضح أن كلمة «الاحتلال» وحدها تجمع أسباب الانتفاضة ودوافعها كلها.. نعم الاحتلال اليهودي الاستيطاني الإجلائي الذي حاول تكسير الرؤوس وتهشيم العظام.. وقلع شعبًا كاملًا من جذوره وأرضه لتكون أرضًا بلا شعب، لشعب بلا أرض.. ومن الواضح أن الاحتلال القذر ما زال يتحدى إرادة جماهير الشعب الفلسطيني المسلم.. وإن الانتفاضة رغم كل ما حققته من إنجازات في مختلف الأصعدة إلا أن الإنجاز الأعظم الكبير «إزالة الاحتلال» ما زال يحتاج إلى جهود وتضحيات ودماء وشهداء.. وانتفاضات مستمرة ومتلاحقة.
• المحدد الآخر لمستقبل الانتفاضة واستمراريتها هو مدى قدرة جيش العدو من السيطرة على إرادة شعبنا الثائر في فلسطين المحتلة وقمع انتفاضته وخنقها.. ورغم أن سلطات الاحتلال جربت كل خبراتها الشيطانية الحاقدة في التصدي لأطفال الحجارة.. ورغم شدة الحصار والقمع، ورغم استخدام الرصاص المطاطي والحي والغازات المسيلة للدموع ونسف البيوت ودفن الناس أحياء وتكسير وتهشيم الأطراف حتى زادت حصيلة الانتفاضة عن «٤٠٠» شهيد و«۲۲» ألف جريح و«۱۲» ألف معتقل.
ومع هذا فإن الشعب الفلسطيني المسلم لم يهن ولم يركع.. بل تصاعد جهاده.. وتطورت أساليبه ووسائله.. وزاد اندفاعه للتضحية والاستشهاد.. ولأن الشعب الفلسطيني أكبر من كل القمع اليهودي فالانتفاضة -بحول الله- باقية ومستمرة.
• ومن العوامل الهامة في هذا السياق والتي تدفع باتجاه تصاعد الانتفاضة واستمرارها.. الانتفاضة نفسها.. فيومًا بعد يوم تتراكم الإنجازات والانتصارات التي تدفع باتجاه تحريض الناس وتحميسهم ورفع همتهم للاستمرار وعدم التراجع.. ولعل الناس قد ساروا مع الانتفاضة في طريق لا رجعة فيه.. فهم كما قال أحدهم: يصعدون السلم لكنهم يحرقون كل درجة يعبرونها.. فأصبحت القناعة المؤكدة عند جموع الشعب الفلسطيني بأنه لا بُدَّ أن تستمر الانتفاضة؛ لأن التوقف هو الموت!
إضافة إلى الخسائر الكبيرة والأزمات الخانقة التي أوجدتها الانتفاضة في الكيان اليهودي، سواء بسبب توقف المصانع والمؤسسات أو مقاطعة البضائع اليهودية أو تراجع معدلات السياحة أو التكاليف الباهظة لقمع الانتفاضة.. ناهيك عن الآثار النفسية على المستوطن والجندي اليهودي والخلافات التي كرستها الانتفاضة في صفوف العدو... نعم: ﴿وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ ۖ إِن تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ ۖ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ﴾ (النساء: 104).
ترجون من الله نصره وتمكينه، وترجون منه تحرير الأرض المباركة، وترجون منه أن يصطفي منكم الشهداء.. وترجون منه جنة عرضها كعرض السماوات والأرض.. وفي سبيل ذلك تهون التضحيات والآلام.. وتستمر الانتفاضة الباسلة.
• أما العامل الأهم والذي يؤكد أن الانتفاضة أصبحت بالنسبة للشعب الفلسطيني خبزه اليومي.. لا يملك أحد الالتفاف عليها.. فهو النظرة المبدئية والجادة لحركة المقاومة الإسلامية التي تقود جماهير الشعب الفلسطيني في تصديه لقوات الاحتلال.. فهذه القيادة تؤمن بأن الصراع مع اليهود هو صراع عقائدي.. وترفض السلام بكل أشكاله وألوانه مع يهود صانعي نكبة الشعب المسلم في فلسطين.. وترى أن الصراع صراع أجيال.. وأنه صراع وجود؛ لا صراع حدود.. لذلك فإنه ليس في وارد حساب الإسلاميين إيقاف الانتفاضة للانشغال بصفقات السلام الموهوم مع اليهود.. فالانتفاضة استراتيجية وليست تكتيكًا.. استراتيجية تبنتها الحركة الإسلامية عندما قررت مشكلة الاحتلال ومشاغلة اليهود على مدار العام بكل الوسائل الممكنة ودفع الناس وتحريضهم على الصدام مع السلطة مهما كانت التضحيات.
وبالنظر إلى حجم الالتفاف الشعبي وراء القيادة الإسلامية المجاهدة وأطروحاتها، فإننا نؤكد بأن الانتفاضة ستستمر بعون الله من نصر إلى نصر حتى لو أراد البعض لها غير ذلك.
• ستستمر الانتفاضة.. لن تؤثر فيها تطورات أو تحركات سياسية خارجية، فقامة الانتفاضة أكبر من كل التحركات.. وسيستمر الشعب البطل في فلسطين المحتلة ويواصل طريقه الشاق الطويل بالحجر.. وبالمقلاع... والمولوتوف.. بالأطفال والشباب والنساء والشيوخ.. وسيفشل كل الطبخات السياسية لتركيع الانتفاضة وإجهاضها لتكون قربانًا في طريق السلام الذليل.
وستبقى الانتفاضة شامخة.. تعبر من شهر إلى شهر.. ترجم الاحتلال.. وترجم كل المؤامرات؛ لأنها إرادة الشعب.. ولأنها الحق الذي سينتصر.
﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾ (الأنبياء: 18).
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل