; الديداتية: ظاهرة دعوية فريدة | مجلة المجتمع

العنوان الديداتية: ظاهرة دعوية فريدة

الكاتب عبدالقادر عبار

تاريخ النشر الثلاثاء 02-مايو-1989

مشاهدات 67

نشر في العدد 915

نشر في الصفحة 40

الثلاثاء 02-مايو-1989

 

  الشيخ العلامة والداعية المجاهد (أحمد ديدات) ظاهرة دعوية معاصرة، فريدة وعجيبة في نفس الوقت، تستدعي منا وقفة واعية للدرس والاعتبار، فالشيخ (أحمد) عالم عملاق لم ير مثل نفسه -كما يقال- ولم ير الناس مثله في زماننا هذا طبعًا في مجال تخصصه، فهو قد شغل الدنيا بمناظراته الجريئة الكبرى، وخطابه الديني الدعوي التخصصي الفذ والفريد؛ مما رشحه إلى أن يتبوأ مكانًا مرموقًا في دائرة الاهتمام الشعبي والخاص، إذ يرى فيه الرأي العام الإسلامي على تواضع وعيه بطلًا إسلاميًا في ميدان الدعوة المعاصرة، يستحق أكثر من وسام، كما يرى فيه حالة إنقاذ لماء الوجه الإسلامي، ردت الاعتبار للذات المسلمة التي أريد لها التحطيم والتغييب في أتون هذا الصراع الحضاري الحاد الذي تخوضه الأمة مع الأعداء على أكثر من صعيد، وأقسم لو كان أحمد ديدات غربيًا نصرانًيا أو يهوديًا بهذا المستوى من التخصص وبهذه القوة من الفعالية، لكان له شأن آخر وأي شأن على أكثر من مستوى رسميًا وشعبيًا، إعلاميًا وسياسيًا وثقافيًا.

 

الظاهرة حقها علينا:

 

     و(الديداتية) -إن صح إطلاق هذا الاسم على هذه الظاهرة- لها علينا أكثر من حق من ذلك يجب أن لا نكتفي إزاءها بموقف الانبهار و(التصفيق) كعادتنا مع كثير من الظواهر التي مرت دون أن نستفيد منها، فعلينا أن نعطيها حقها من الدراسة والتحليل، وأن نكشف عن مميزاتها، وخصائصها حتى نستفيد منها بما يعيننا على مزيد العمل والفعل، وبما يرشدنا إلى مزيد العطاء والبذل حتى تقترب من دائرة النصر المنشود، ونكسب الرهان الحضاري على أكثر من مستوى، فما هي مميزات (الديداتية)؟:

 

1 – التخصص

 

     أهم ما يلفت النظر في هذه الظاهرة هو (التخصص)، فالداعية (أحمد ديدات) متخصص في المقارنة بين الأديان نصرانية، يهودية، بوذية، هندوسية، وهي مادة حضارية حساسة وهامة، وتخصصه هذا كان موسوعيًا في مجاله، وهذا المنحنى الذي اختاره أحمد ديدات يدل على وعي بالعصر ومقتضياته، ويدل على فهم وإدراك للأدوات الفاعلة والمطلوبة في ملحمة الصراع الحضاري مع الغرب، فالعصر عصر التخصصات المتنوعة على المستوى العلمي، كما هو عصر التكتلات على المستوى السياسي، والأحلاف على المستوى العسكري، ومن لم يأخذ بحظه في التخصص والتكتل والتحالف فليس له موقع في الفعل والتأثير، ويجد نفسه في النهاية خارج العصر وخارج التاريخ، (والدعاة) اليوم مدعوون أكثر من أي وقت مضى إلى الاهتمام بالتخصص، والعمل في إطاره؛ ذلك أن الدعوة -في واقعنا المعاصر- لا يمكن أن تنتصر بالعواطف والخطب المشحونة بالتعبيرات الفضفاضة والفواصل الرومانسية، وإنما من خلال التخصص المتعمق والموسوعي في شتى المجالات الثقافية، والشرعية، والسياسية، والاجتماعية.

 

ب – الحركة والفعل:

 

     الميزة الثانية في ظاهرة (ديدات) هي الحركة المستمرة والفعل الصادق؛ (فأحمد ديدات) بإمكانه أن يستريح في مكتب مكيف ومؤثث، وينشغل بالتأليف والتدوين، ويحنط مناظراته على الورق، ولكن الداعية أحمد فضل التحرك والتنقل بعمله وتخصصه رغم ثقل السبعين عامًا من العمر، وفي هذا درس للدعاة والعلماء حتى يتحرروا من القيد (الإداري)، وينتقلوا بما أوتوا من العلم في دورات يفقهون فيها الناس، ويعلمون الأميين، ويرشدون الضالين، ويناظرون المجاهدين، فالتلقي من فم العالم مباشرة أشد وقعًا وأعمق أثرًا من الاغتراف من بطون الكتب، ومعايشة العلماء للناس ولو لبعض الوقت، وخوض الميدان وتغيير الوجه بتراب يعمق مصداقية العالم، ويوطن جماهريته، ويؤسس علاقات فاعلة ومؤثرة بين العالم الفقيه، والداعية وبين الناس.

 

ج – المبادأة:

 

     وهي عنصر التحدي، ومؤشر كسب المعركة وامتلاك النصر، (فأحمد ديدات) هو الذي طلب المناظرة والتحدي والمناورة، وكان لمبادأته هذه الدور الكبير في إرباك الآخر، وزرع الرعب في نفسية المحاور، وهذا السلاح قد تركه المسلمون على أكثر من مستوى وفي أكثر من ميدان، ولهذا نرى الأعداء مستحوذين على كثير من المواقع الهامة، ومسجلين تقدمًا ملحوظًا على كثير من المستويات كالتنصير في "أفريقيا" مثلًا.

 

د – الثقة في النفس والمبدأ:

 

     و(الديداتية) أيضًا ترتكز على الثقة في النفس والاقتناع بالمبدأ، وهذا يجعل الداعية واقفًا على أرضية صلبة، ويناور ويعمل ويحارب ويهاجم، أو يدافع من موطن القوة، يقول (أحمد ديدات): (أنا إنسان مسلم أعتقد اعتقادًا جازمًا بأن الإسلام هو دين الحق، وهو الذي سيقبل عند الله يوم القيامة؛ لذا من حقي أن أعرض دعوتي على الآخرين من أصحاب الديانات الأخرى، وأحاورهم بالحجة والبرهان) وعندما حذروه من مخاطر مناظرة اليهود وتحديهم أجاب -بيقين وثبات واطمئنان- لقد تجاوزت السبعين من عمري، فما الذي أخشاه بعد ذلك؟

 

وبعد:

 

     أليس في هذه (الحالة) أو الظاهرة دروسًا وعبرًا حري بنا أن نضعها نصب أعيننا، ونستعين بها في الدعوة متمثلين حديث الرسول المعروف: (الحكمة ضالة المؤمن أني وجدها فهو أحق بها، وحالة ديدات فيها أكثر من حكمةوأكثر من عبرة.

 

      وبالمناسبة لما ذلك لا نقترح -في إطار تشجيع العمل الدعوي وتحريك الهمم- لها نوعًا من التكريم والتشريف نسميه (وسام الاستحقاق الدعوي) نوسم به المخلصين الفاعلين من الدعاة، ونبدأ بتوسيم الداعية الكبير: (أحمد ديدات)، لم لا؟

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 839

117

الثلاثاء 20-أكتوبر-1987

ثقافة : العدد 839

نشر في العدد 839

85

الثلاثاء 20-أكتوبر-1987

بريد القراء: العدد (839)

نشر في العدد 1479

71

السبت 01-ديسمبر-2001

المجتمع التربوي .. العدد 1479