; طريق الأمناء لتحقيق الوفاء الوفاء إلى من أسدى إليك معروفًا | مجلة المجتمع

العنوان طريق الأمناء لتحقيق الوفاء الوفاء إلى من أسدى إليك معروفًا

الكاتب د. جاسم المهلهل آل ياسين

تاريخ النشر الثلاثاء 30-يناير-1996

مشاهدات 1200

نشر في العدد 1186

نشر في الصفحة 48

الثلاثاء 30-يناير-1996

ليس للمعروف حد يقف عنده، فكل من قدم إليك نفعاً فقد أسدى إليك معروفًا، وكل من كف عنك شرًا فقد أسدى إليك معروفًا، وفي داخل هذا الإطار يتسع المعروف ويتعدد ولا يتحدد، فللوالدين معروفهما، ولذي القربي معروفه ولأهل العلم والفضل معروفهم، ومن ساعدك في شيء من بناء حياتك بشكل من الأشكال معروفة كذلك. 

ولسنا نقصد بالوفاء للوالدين برهما في حياتهما، فذلك شيء غير ما نحن فيه، وإن كان غير بعيد عنه، وإنما نود أن نبين جزءا من برهما يتصل بالوفاء، وهو برهما بعد وفاتهما. لأنه هو الذي يتمثل فيه الوفاء أقوى تمثيل، فقد يبر الإنسان والديه في حياتهما تكريما لهما ورغبة في إرضائهما، ثم يتوقف هذا البر بعد وفاتهما، فإذا ما استمر هذا البر بعد وفاتهما فقد اكتسب صفة جديدة تضاف إلى البر وهي الوفاء.

وقد جاء رجل إلى رسول الله ﷺ يسأل: «أبقي على من بر أبوي شيء أبرهما به بعد وفاتهما، قال ﷺ نعم الصلاة عليهما، والاستغفار لهما. وإنفاذ عهدهما من بعدهما، وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما، وإكرام صديقهما» (أخرجه أبو داود (5142) واللفظ له، وابن ماجه (3664)، وأحمد (16059) )، فالدعاء للوالدين وطلب المغفرة لهما، وصلة الأرحام من أجلهما. وإكرام صديقهما ألوان متعددة من الوفاء وإن دخلت كذلك في باب البر.

الوفاء للمعلم:

ومن المعروف الذي يستحق الوفاء تيسير سبيل العلم أمامك؛ بحيث تنتفي عنك صفة الجهل التي هي مذمة ومسبة لمن لحقت به، والمعلم هو الذي ينير أمامك طريق الحياة بالمعرفة، ويضيء جوانب نفسك بما يعلمك إياه من تعاليم الدين، ويجعلك تتقدم في الحياة على بصيرة من أمرك ورشد من شأنك، ولذا فهو أحق الناس بالوفاء، فلئن كان الوالدان هما السبب المباشر لإيجاد المرء في هذه الحياة؛ فإن المعلم هو الذي ينير الطريق ويزيل العشرات ويجنبك العقبات، ومن هنا كانت خدمته واجبًا ودينا معلقا في عنق المرء لا يسقط عنه بغير الوفاء.

وقد عرف ذلك الأمر الأقدمون من أدباء العربية فقال الشاعر الناقد عبد العزيز الجرجاني:

ولم ابتذل في خدمة العلم مهجتي

 

 

لأخدم من لاقيت، لكن لأخدما

 

أأشقی به غرساً وأجنيه ذلة

 

 

إذا فاتباع الجهل قد كان أحزما

 

 

فخدمة العلماء لون من ألوان الوفاء لهم في حياتهم يقل عن قدرهم ولا يصل إلى معروفهم، لأن مهنة العلماء تقارب مهنة الأنبياء ولذا قال شوقي:

قم للمعلم وفه التبجيلا

 

 

كاد المعلم أن يكون رسولا

 

أأشقی به غرساً وأجنيه ذلة

 

 

إذا فاتباع الجهل قد كان أحزما

 

أرأیت أعظم أو أجل من الذي

 

 

يبني وينشئ أنفس وعقولا

 

فالذي ينشئ الأنفس على الفضائل والعقول على الأفكار والعظائم خليق بأن يدوم له الاحترام والتقدير والوفاء، وقد عرف هذا المعنى الأقدمون الذين كان لهم في المعرفة باع، هذا علي بن أبي طالب-t-يقول: «أنا عبد من علمني حرفاً واحداً أن شاء باع وإن شاء استرق»، وهذا القول من الإمام علي فيه تعظيم وفيه تفويض للمعلم وفيه إشعار بمكانة المتعلم أمام معلمه وأن لمعلمه الحق أن يفعل معه ما يشاء.

ولا يتوقف هذا الحق على فترة التعليم وحدها وإنما يمتد ويبقى أثره إلى نهاية العمر، ولقد قدم حق المعلم على حقوق غيره من البشر، لما له من مكانة عظيمة ومنزلة كريمة، وقد أنشد أحد الشعراء:

رأيت أحق الحق حق المعلم

 

 

وأوجبه حفظا على كل مسلم

 

لقد حق أن يهدي إليه كرامه

 

 

لتعليم حرف واحد ألف درهم

 

 

 وقد قيل: أن من علمك حرفًا واحدًا مما تحتاج إليه في الدين فهو أبوك له عليك حق التقدير والتكريم والوفاء ومن الأدب اللازم مع المعلم ألا يمشى أمامه، ولا يجلس مكانه ولا يبتدئ بالكلام عنده إلا بإذنه، ولا يكثر الكلام عنده، ولا يسأله شيئًا عند ملالته، ويراعى الوقت المناسب للمعلم وهذا من أدب المتعلم مع المعلم يحمله على الوفاء الدائم لهذا الإنسان الذي شكل عقله وأحيا فكره فجعله بهذا الفكر وبهذه المعرفة ذا نظر وبصر بالأمور فيستحق صاحبه التقدير والاحترام والتكريم، وبذل ما يستطاع في سبيل إرضاء المعلم، ومما يستحق الوفاء كرامة الجيران والأصحاب لك، وإعزازهم لأمرك وشأنك وكشف شرهم عنك، وستر عوراتك، ونشر خيراتك، وإن رأوا منك سيئة أخفوها وتناسوا وإن رأوا حسنة أظهروها ونشروها، ولذا فالوفاء لأمثال هؤلاء لازم فلا تقابل حسنتهم إلا بمثلها ﴿هَلۡ جَزَآءُ ٱلۡإِحۡسَٰنِ إِلَّا ٱلۡإِحۡسَٰنُ﴾ (الرحمن: 60)، وانظر في كثير من أمور الحياة وشئون البشر لترى أين هم من الوفاء لمن أسدى إليهم معروفا؟.

إنك حين تتيح عملا لعاطل، أو تقدم لقمة لجائع، أو تساعد في علاج مريض، أو تغيث منكوماً أو مكروباً، أو تنقذ إنسانًا من جهالة، أو تخرجه من الضلالة، أو تهديه إلى الصراط المستقيم، أو تكشف أمامه زيف الظالمين، وزيغ المنحرفين أو تبصره بسيرة السلف الصالح، أو على جمع شمله، ورتق صدعه فقد قدمت إليه معروفاً، وأسديت إليه جميلا، ينبغي أن يقابل بالوفاء لا بالجحود والنكران، وإلا كان لومًا في الطبع وخسة في النفس، كيف لا والرسول ﷺ قال «ولا يشكر الله من لا يشكر الناس»؟ (أخرجه النسائي في ((السنن الكبرى)) (8607) مختصرا باختلاف يسير، وابن ماجه (2816) مختصرا بنحوه، وأحمد (15953) واللفظ له) والله سبحانه وتعالى يقول:﴿لَئِن شَكَرۡتُمۡ لَأَزِيدَنَّكُمۡۖ وَلَئِن كَفَرۡتُمۡ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٞ﴾ (سورة إبراهيم: 7)، والوفاء نوع من الشكر الجميل لمن أسدى إليك معروفا، والنكران والجحود سبب في عذاب النار، وهذا رسول الله ﷺ وهو يعظ النساء ويذكر هن ويخوفهن عذاب النار، وأنهن كثيرات فيها بين لهن سبب ذلك بقوله الذي رواه ابن عباس في الصحيحين. «ورأيت النار، فلم أر كاليوم منظرا قط أفظع ورأيت أكثر أهلها النساء»، قالوا لم يا رسول الله قال «لكفرهن» قيل أيكفرن بالله قال: «يكفرن العشير، ويكفرن الإحسان لو أحسنت إلى إحداهن الدهر كله، ثم رأت منك شيئًا، قالت ما رأيت منك خيرا قط» (أخرجه مسلم (907) باختلاف يسير).

فالوفاء حث عليه الدين ودعا إليه رسول الله ﷺ وطبقه، وهو الذي عرف لخديجة قدرها وأعطاها حقها من الوفاء لها حتى بعد وفاتها، فكان يقول بعد أن يذبح الشاة «أرسلوا منها لفلانة ويعلل لذلك بأنها كانت من أصحاب خديجة»، وهو الذي قال لعائشة رضي الله عنها-كما ذكرنا ذلك-من قبل-ردًا عليها في بعض ما حكته عن خديجة- رضي الله عنها. بدافع من الغيرة النسوية التي لا تخلو منها امرأة «والله ما أبدلني الله خيرًا منها، أمنت بي حين كفر الناس، وواستني بمالها إذ حرمني الناس ورزقني الله منها الولد. دون غيرها من النساء» (أخرجه البخاري (3821)، ومسلم (2437) بنحوه مختصراً، وأحمد (24864) واللفظ له )، فهل بعد هذا الوفاء وفاء؟ وهل نتعلم من هذا الهدي النبوي الكريم معنى الوفاء لمن أسدى لنا معروفا؟

والأمثلة في هذا الجانب عديدة لسنا نستقصيها وإنما نذكر نماذج منها فقط لتدل على ما سواها، وفيما ذكرناه في هذا الباب كفاية وغنية ومن أراد المزيد فليراجع كتب السيرة والأخلاق الإسلامية وكتب الرجال ليستخلص منها ما يشاء.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 428

101

الثلاثاء 16-يناير-1979

الأسرة (428)

نشر في العدد 713

123

الثلاثاء 16-أبريل-1985

الأسرة: العدد 713

نشر في العدد 1220

85

الثلاثاء 08-أكتوبر-1996

استراحة المجتمع (1220)