العنوان صفعات أفورقي من حنيش .. إلى من يوجهها؟!
الكاتب عبدالمنعم سليم جبارة
تاريخ النشر الثلاثاء 13-فبراير-1996
مشاهدات 67
نشر في العدد 1188
نشر في الصفحة 44
الثلاثاء 13-فبراير-1996
رأي
السيد أسياس أفورقي الذي استولى على جهاد وكفاح الشعب الإريتري ونصب نفسه على مقعد الرئاسة في إريتريا في غفلة من ملايين العرب والمسلمين الذي سخر أموالهم ومواردهم وأرضهم وجزرهم للوصول إلى أهدافه ومآربه.. ودفع في الحادي عشر من ديسمبر بخمسة آلاف من الجنود على متن السفن والزوارق مدججين بالسلاح والذخائر للنزول في جزيرة حنيش الكبرى اليمنية معلنا الاستيلاء والسيادة عليها، بعد أن أسر جنود حاميتها اليمنية المتواضعة.
ولم يكتف السيد أفورقي بذلك.. خاصة وهو يعرف أوضاع وأحوال وأمور عرب العصر بل أعلن على كل المستويات موجها الإنذارات لكافة الساحات العربية والإسلامية: إنها ليست حنيش الكبرى وحدها .. هي التي يضمها ملكه وسلطانه، بل إن ملكه يضم ارخبيل حنيش بكافة جزره وليس لليمن أدنى وجود أو صلة بهذه الجزر.. أمس في التاريخ القديم.. أو اليوم في التاريخ المعاصر.
والسيد أفورقي لم يقف عند هذا الحد.. بل أخرج ويخرج لسانه الملايين العرب والمسلمين، ويوجه صفعاته ذات اليمين وذات الشمال على ساحة عرب العصر ويملي شروطه، وعلى الآخرين. أي السادة العرب المعاصرين.. أن يرضخوا ويقبلوا.. والواضح حتى الآن أن هناك قبولا.. يحاول عرب العصر أن يغلفوه بشعارات طفت على المبادئ الأصلية، وعلى المواقف المبدئية ووارت المصالح العربية والوجود العربي التاريخي والجغرافي، كما تجاهلت الوثائق والحقائق.. وكل ما يؤكد ويثبت منذ القدم وحتى الحادي عشر من ديسمبر أن حنيش الصغرى.. وحتيش الكبرى والأرخبيل كله.. جرز يمنية ويمنية فقط.
لقد انبرى العرب الأشاوس مناشدين اليمن وأسياس أفورقي الدخول في المفاوضات، واللجوء إلى الطريق الحضاري الوحيد الذي يعتمده ويعتز به عرب العصر وهو الحوار، ولو كان الطرف الآخر يحاور بأسنة الرماح والصواريخ والقنابل ويستلهم النصرة والعون ممن يملك الدعم والأسلحة الذرية ويتترس في حنيش بألوف الجنود ويلوح من أسمرة بحشد المزيد.
ولست أرى سببا يمنع أفورقي من الاستيلاء على حنيش، وغير حنيش ولا أرى سببا يدفع غير أفورقي لقضم جزيرة أو شبه جزيرة أو دولة من فوق خريطة بني العرب، فأوضاع العرب وأحوالهم التي يعرفها أفورقي وغير أفورقي أغرته كما أغرت الكيان الصهيوني الغاصب الذي يمرح ويجول ويصول على ساحتنا، وفي قلب ديارنا بعد أن قضم دولة وشتت شعبا وفرض نفسه بالسلاح والقهر، ولم يواجه.. إلا بالحرص على الحوار والتمسك والتشبث بالوسائل والأساليب السليمة.. والمسارعة في الجلوس على موائد التفاوض والانتعاش تحت مظلة الراعي الأمريكي، وفتح الأبواب والنوافذ أمام التطبيع.
ولست بالتالي أرى سببًا يمنع أفورقي من أن يوجه اللوم والتقريع للجامعة العربية لمجرد إصدارها بيانا اتهمته فيه بالمناورة والخداع بعد أن اتفق من خلال آخر جولة مفاوضات مع أهل اليمن على تأجيل البحث في موضوع حنيش إلى ما بعد عيد الفطر القادم، ثم انقض على الجزيرة دونما التزام بالاتفاق، فيرد مؤنبا مقرعاً: إن الجامعة العربية تتدخل فيما لا شأن لها به أو فيه، بل إنها تتدخل في أمور ليست من اختصاصها، ثم يصف الجامعة التي خذلها عرب العصر وهزوا وزعزعوا كيانها بأنها منظمة ليس لها إلا الاسم واللافتة فقط.
وفي مجال التقريع وتوجيه اللوم.. يوزع أسياس نفحاته على غير الجامعة العربية فيقول: إن حكام اليمن ليسوا رجال دولة.. وإنه ليس في وسعهم اتخاذ قرار كما أن بني العرب أناس مصابون بالهوس... تجرفهم عواطف الجماهير.
لقد وقفت كثيرا أمام حديث المبعوث يحيى المتوكل الذي حمل رسالة إلى أهل دمشق حين أعلن موجها القول إلى عرب العصر: إن حماية الجزر اليمنية - ومنها حنيش الكبرى والصغرى والتي تقع في مدخل أخطر بحار الملاحة وهو البحر الأحمر، والتي تمثل أهمية استراتيجية فائقة للأمن العربي - تحتاج إلى أسطول لا يملكه اليمن والعرب مطالبون بحماية مصالحهم في باب المندب، الأمر الذي أدى إلى إرساله ومندوبين آخرين من قبل اليمن للدولة العربية كلها لوضعها أمام مسئولياتها، وللحفاظ على الاستراتيجية العربية في المنطقة التي تضم ٢٥ جزيرة يمنية في أخطر موقع بحري على المستوى العالمي.
وبصرف النظر عن الثروات البترولية والمعدنية التي تشير كافة الاحتمالات إلى توفرها في الجزر مثل غيرها من الجزر البحرية في كافة الأرجاء، وبصرف النظر عن الأهمية السياحية التي يمكن أن تمثلها الجزر ويمكن أن تدر دخلا لليمن وأثار ذلك على أفورقي أو غير أفورقي.. فإن الأهمية الاستراتيجية التي تشكلها الجزر بالنسبة للأمن القومي العربي وفي ظل التطلعات والتحركات الإسرائيلية والعلاقات الوثيقة بين الكيان الصهيوني وأفورقي وأيضا في ظل الاستراتيجيات الأمريكية التي تعمل على إعادة التنظيم والترتيب في العديد من المناطق على ساحتنا ومنها ساحة البحر الأحمر، هي الأهم والأخطر بالنسبة للعرب من كافة المزايا والثروات.
صحيح أن اليمن توانى عن دعم وحماية الجزر بقوات أكبر وأضخم، ولكن العرب تهاونوا ويتهاونون في دعم اليمن ودعم الجزر.. وكما يتضاعف الخطأ حين ينادون بالحوار والحلول السلمية في مواجهة حشود أفورقي وشروطه.
ليس معنى هذا أننا نحبذ إشعال فتيل الحروب، ولكن معناه أننا نحبذ حشد كافة القوى والوسائل والإمكانات لاقتلاع جذور العدوان الذي شنه أفورقي.. وتأكيد الحقوق العربية والانحياز لكل ما يكفل ويدعم ويحقق الأمن العربي.
ونحسب أن في جعبة العرب الكثير . رغم الاستنزاف بمختلف أشكاله - ليبذلوه في مجاله الأولى والأجدر.. والأهم والأخطر.
وليت الجيوش التي تجيش على الساحة العربية.. المواجهة الداخل.. يجري توجيهها لمواجهة أخطار الخارج.. حتى لا تجرف الأخطار الكافة.. دون أن تبقي أو تذر!!..
(*) رئيس التحرير السابق لمجلة لواء الإسلام.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل