; سياسة الأحلاف تعود من جديد إلى الساحة العربية | مجلة المجتمع

العنوان سياسة الأحلاف تعود من جديد إلى الساحة العربية

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 27-يوليو-1976

مشاهدات 148

نشر في العدد 310

نشر في الصفحة 4

الثلاثاء 27-يوليو-1976

  • على الشعوب المسلمة أن تواجه المؤامرة بحزم وجرأة..
  • المعركة إسلامية..  وليست يمينية أو يسارية..

برزت سياسة الأحلاف المشبوهة من جديد في الساحة العربية، لتعيد إلى الأذهان ذكرى حلف «السنتو» فبغداد فالطوفان الشيوعي في أواخر الخمسينات . 

ففي الأسبوع الماضي تم التوقيع على تحالف عسكري بين مصر والسودان، وبموجبه يحق لجيش كل من البلدين أن يتدخل في شؤون البلد الآخر إذا تعرض عرش السلطان لثورة شعبية. 

ولا يشمل الاتفاق بالطبع النشاط الصليبي في جنوب السودان وشماله، أو مؤامرات الأقباط داخل أرض الكنانة. 

وخلال هذا الأسبوع أيضًا كشف موارنة لبنان النقاب عن تحالف سري بينهم وبين النظام النصيري في سورية، خوَّل فرنجية الحاكم القرمطي التصرف في شؤون لبنان لمدة ثلاث سنوات، وهي مدة زمنية كافية لإقامة اتحاد بين النظام السوري والهاشمي وموارنة لبنان وجزء من الضفة الغربية. 

وقبل أسبوعين تدخل أصدقاء «الشاه» من أجل إقامة حلف بين دول الخليج باسم حفظ أمن الخليج، وإيران التي تنادى بهذا الحلف كالذئب الذي يدعو حملًا إلى صداقته أو التعاون معه.

ويبدو أن الأنظمة العربية كلها متورطة بهذه الأحلاف، إما عن قناعة أو عن خوف.. وخلال ذلك تطالعنا الأخبار باتصالات  بين دول المنطقة والاستعمار «السوفيا أمريكي»، هدفها تعزيز هذه الأحلاف والصلح مع إسرائيل وإخماد كل صوت معارض، وبعد كل زيارة نسمع بقرض أمريكي أو إيراني لكل دولة من دول المواجهة..  هكذا دون حياء أو خجل ولسان حالهم يقول: هذا القرض أو الهبة ثمن لذاك التواطؤ. 

وتعدد الأحلاف لا يعني أن هناك خلافًا بينها، وما يتظاهرون به من خلافات واتهامات ليس إلا لعبة دولية لإلهاء شعوب المنطقة عن قضاياها الأساسية. 

وهذه السياسة افتعلها الاستعمار منذ الهزيمة الأولى عام ١٩٤٨ فكثرت الانقلابات وتعددت الثورات، فمن حرب لبنان عام ١٩٥٨ إلى حمامات الدم التي غرق بها أهل العراق عام ١٩٥٩ إلى حرب اليمن وانتهاء بحرب لبنان الحالية.

وكل حلف يلوح حينًا، ويصرح حينًا آخر بأن هدفه إذلال الشعب وقهره، فالحلف المصري السوداني يسمي الشعب بالمتسللين والمرتزقة، ويتوعد الفلسطينيين فيرمز إليهم باليسار والشيوعيين، والنظام النصيري أسفر عن وجهه وتجاوز سياسة التلميح، وها هو يعمل بكل قوته على إبادة المسلمين من الفلسطينيين واللبنانيين لا يرحم شيخًا ولا يشفق على طفل ولا يخجله هتك الأعراض وإشاعة الفاحشة. 

أمام ظاهرة الأحلاف الجديدة يقف المواطن مشدوهًا ومتسائلًا: كيف يقبل الزعماء بسياسة الأحلاف وهم الذين شهدوا نهاية حلف بغداد ومصرع نوري وعبد الإله؟! 

نعم شهد الزعماء نهاية حلف بغداد وأمثاله، غير أن الاستعمار «السوفيا- أمريكي» تدارس مع عملائه سلبيات الأحلاف القديمة والوسائل الكفيلة بإنجاح الأحلاف الجديدة وازدهارها.

ففي الخمسينات كانت دول المنطقة تحتكم إلى أنظمة تؤمن بالحرية، وفي ظلال الحرية كان المواطنون يعبرون عن آرائهم فيحتجون ويتظاهرون، ويتصدون لكل إجراء تعسفي تتخذه السلطة، وطالما أسقطت مظاهرة وزارة وجاءت بأخرى.. وتحرك العسكريون في مطلع الخمسينات لتسلم زمام الحكم ووأد الحريات.. وكان لهم ذلك، فساموا الناس أنواعًا من الخسف وألوانًا من الذل، وحولوا البلد إلى سجن كبير، ومرغوا كرامة مواطنيهم بالأوحال. فعاش جيل في ظل هذه الأنظمة، ترتعد فرائصه من لباس «الخاكي» ويرتجف من رؤية سيارات قوات الأمن، ويخشى من ظله. 

وما اكتفت هذه الأنظمة بكبت الحريات، بل عمدت إلى تجويع المواطنين، وافتعلت أزمات لا أصل لها: أزمة السكن، أزمة الخبز، وكيف يقف المواطنون أرتالًا طويلة أمام الأفران، أزمة السكر، أزمة العمل ووقفه على العناصر المؤيدة للحاكم. 

إن سياسة التجويع وكبت الحريات مخطط لها، وهي التي أوجدت أشباه رجال في العالم العربي، ليسوا أكثر من «جرس كهربائي» يضغط المستبد عليه فيتحرك ليضرب! ليقتل! ليسفك الدماء! دون أن يفكر بعقله أو يتساءل من هذا الذي أقتله ولماذا؟!

وهذه السياسة هي التي مكنت الحاكم النصيري وأمثاله من فعل وتنفيذ كل ما يريد لقد استخف بقومه- كما فعل فرعون- فأطاعوه، وعجزوا عن الوقوف بوجهه وعصيان أوامره.

وتطلعت الأنظمة العربية إلى لبنان الذي أوى إليه الهاربون من تعسف المستبدين، فدفع لبنان الثمن غاليًا، تحول إلى مستنقع من الدماء وأشلاء الضحايا، فكم من صحيفة كانت ترشق الظلمة بالكلام فأمطروها وابلًا من الصواريخ والقنابل، وكم من مفكر أو أديب نفذوا فيه حكم الموت لكلمة قالها أو رأي رفع صوته به. 

وتتجه الأنظار الآن إلى الكويت، وهو البلد الوحيد الذي يستطيع المواطن فيه أن يتنفس بحرية، ويقول الذي يعتقده دون أن يقتاد إلى الدهاليز والأقبية..  إن هناك تذمرًا عربيًا من الحرية في الكويت ومحاولات جادة من كل جانب لافتعال مشكلة تنتهي بكبت الحريات، ونسأل الله- سبحانه وتعالى- أن يجعل كيدهم في نحورهم، وأن يتغلب العقلاء في هذا البلد على كل استدراج وفتنة، حتى نستطيع دومًا أن نحدد معالم الطريق ونحمي أبناء أمتنا من شراك المتآمرين.

وما هذا الحرص الشديد على كبت الحريات إلا لأن المرحلة المقبلة تستوجب صمتًا متفقًا عليه إزاء صلحهم مع إسرائيل، وإنهاء قضية فلسطين، وصوت حر واحد قد يعرقل صفقة البيع. 

وسبب آخر- قد يظنه الزعماء كافيًا لإنجاح سياسة الأحلاف الجديدة- هو تغير الاستعمار نفسه، ففي الخمسينات كان هناك صراع بين الاستعمار الفرنسي والبريطاني وبين البريطاني والأمريكي، أما اليوم فهناك تفاهم كامل بين الاستعمار «السوفيا أمريكي» على تقسيم المنطقة، وعلى الممثلين في هذه اللعبة الدولية، وتجلى هذا الاتفاق الدولي ظاهرًا في لبنان، وفي الزيارات الودية بين زعماء الولايات المتحدة الأمريكية وزعماء المنطقة. 

وأهم عامل يساعد على اتفاق الاستعمار وعملائه، هو الخوف من البديل المنتظر لأنظمة المنطقة، ففي الخمسينات كان من السهل على الولايات المتحدة الأمريكية أن تأتي ببطل اشتراكي قومي، وتصنع له أمجادًا وانتصارات وتملكه عددًا من الإذاعات حتى إذا التف حوله الشعب وفتن به، راح يحقق السياسة التي رسمت له في البيت الأبيض لا يخرج عنها قيد أنملة.

أما اليوم: فلقد شهدت الشعوب فشل الأنظمة الغربية والشرقية سواء، فشل القوميون والاشتراكيون والرأسماليون، وبقي بديل واحد ألا وهو الإسلام، والإسلام كلمة تخيف الغربيين والشيوعيين واليهود والصليبيين، وإذا قدر لهذا المارد العظيم أن يقف على قدميه فسينهي أسطورة الدول الكبرى وإسرائيل، ويعيد الاستقرار إلى العالم كما أعاده بالأمس يوم أن طهر الدنيا من ظلم الرومان واستبداد الفرس.

وحتى لا يقف المارد العظيم على قدميه يتكتل الاستعمار وعملاؤه، ويتحالف أهل اليمين مع أهل اليسار، ولكن الشعوب المؤمنة التي أطاحت بأبي جهل وأبي لهب وأمية بن خلف، ومن قبلهم بقارون وهامان وفرعون، ومن بعدهم بنوري وعبد الإله وفاروق..  قادرة إن شاء الله أن تحاسب الطغاة، وتثأر من الذين سفكوا دماء المسلمين في حماة ودمشق وتل الزعتر والكرنتينا وجسر الباشا ودير ياسين وقبية.

وحتى تؤدي الشعوب المؤمنة دورها في مواجهة الأحلاف ومن وراءها لا بد لها من تحديد شعار المعركة، وتسقط من حسابها دعاة العلمنة أو اليسار واليمين. نحن قوم أعزنا الله بالإسلام وكلما ابتغينا العزة بغيره أذلنا الله، ولأننا مسلمون توجه إلينا قنابل الباطنيين والصليبيين واليهود، فيجب أن نرفع هذا الشعار بثقة واعتزاز وصدق. وعلينا- ثانيًا- أن نحذر من الأنظمة وتلونها، فكفانا تيهًا ، وضلالًا، وآن لنا أن نعود إلى رشدنا دون أن نعلق أملًا بنظام من الأنظمة.

فإذا شعرت أمريكا بقوة الشعار الإسلامي، أوعزت إلى عملائها أن يرفعوا هذا الشعار ليكونوا دعاة إلى مسجد من مساجد الضرار. فالحذر الحذر من مساجد الضرار ودعاتها..  والدعوة إلى الله يجب أن تكون بعيدة عن الأنظمة والقائمين عليها. 

وعلينا ثالثًا أن لا نستعين بمشرك على مشرك، ولا نضع أيدينا بید ظالم خائن لله ولرسوله، ولو تمسك مسلمو لبنان بهذه القاعدة ما استطاع كمال جنبلاط أن يقودهم من أجل تحقيق تطلعاته ليكون الحاكم بأمره من جديد!! ماذا ينتظر المسلمون من جنبلاط وتاريخه معروف وبالأمس كان مع بيار الجميل في حكومة واحدة، وهو الذي جاء بفرنجية إلى الحكم..  وألف مرة نقول:

ليس هناك من فرق بين كمال وكميل، ولا بين جورج وميشال، ولا بين حافظ عفلق وحافظ النصيرية والنصارى. 

رابعًا وأخيرًا يجب أن يكون الهدف واضحًا في أذهاننا، فليس هدفنا أن نسترد فلسطين أو دمشق أو بيروت فحسب، إنما هدفنا أن نعود خير أمة أخرجت للناس، ونحتكم إلى شريعة الله ونحرر أرضنا من المغتصبين.

وهذا هو الطريق الذي سلكه عمرو بن العاص- رضي الله عنه- عندما شرفه الله بفتح فلسطين، وهو الطريق نفسه الذي سلكه نور الدين زنكي وصلاح الدين الأيوبي، وهو الهدف الذي جاهد من أجله الشيخ عز الدين القسام ومن تبعه من المؤمنين، وهو هو الطريق الوحيد الذي يجب أن تسلكه الشعوب الإسلامية اليوم.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 166

85

الثلاثاء 04-سبتمبر-1973

أكثر من موضوع (العدد 166)

نشر في العدد 712

103

الثلاثاء 09-أبريل-1985

الطائفية لعبة يهودية