; الطائفية لعبة يهودية | مجلة المجتمع

العنوان الطائفية لعبة يهودية

الكاتب عبدالله الصالح

تاريخ النشر الثلاثاء 09-أبريل-1985

مشاهدات 103

نشر في العدد 712

نشر في الصفحة 36

الثلاثاء 09-أبريل-1985

إذا كان الحديث عن تقسيم لبنان إلى دويلات أو كانتونات طائفية، قد ظهر حديثًا في أثناء الحرب الأهلية التي اشتعلت عام ١٩٧٦ وأخذ يظهر بوضوح أكثر منذ الاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان عام ۱۹۸۲، وتهيؤ بعض الطوائف لتنفيذ هذه الفكرة بعد اشتباكات الضاحية الجنوبية والجبل في العام الماضي، عادت الفكرة لتبرز من جديد مع حركة سمير جعجع الأخيرة. ومع أنه ليس هنالك أدلة ملموسة على ارتباط هذه الحركة بإسرائيل مباشرة، إلا أن توقيت الحركة وأهدافها تقع في خدمة الهدف الصهيوني والحركة على أية حال تصلح مناسبة للتذكير بلعبة الطائفية والأقليات العرفية في الاستراتيجية الصهيونية لتفتيت واستلاب أراضي الوطن العربي ولتتضح للقارئ العربي المسلم قبل غيره خطورة المخطط الصهيوني وعدوانيته. 

الطائفية في الفكر الصهيوني:

تشير الأدبيات اليهودية على اختلاف وتباين منطلقاتها على أهمية استغلال الأقليات العرقية والطائفية في الوطن العربي لزعزعة استقراره وضمان قيام «وطن قومي» لليهود. ففي كتابه «الصراع، لماذا؟ وإلى متى؟» يذهب الكاتب اليهودي ديفيد كاما إلى أن موطن العرب هو الجزيرة العربية فحسب، وأنه ينبغي تحرر الشعوب الأخرى منهم! ولتحقيق ذلك يقول صراحة «لذا يجب إيجاد لغة مشتركة وطريق عمل واحدة مع الأكراد في العراق والدروز في سورية والزنوج في السودان والموارنة في لبنان، والأقباط في مصر»، ويفصح الكاتب عن حقده على دولة المسلمين بقوله: «إن من العدالة والنزاهة والحكمة السياسية أن تعمل إسرائيل على الفك التام للإمبراطورية التي تعتبر آخر إمبراطوريات الماضي التي انتهت في عصرنا»!

وقريبًا من هذا قال الكاتب اليهودي أربيه وريننشتاين في صحيفة معاريف تاريخ ۱۹۷۷/۹/۲٠ «إنني أومن بعد مدة بتفسخه «الوطن العربي» وظهور طوائف عرقية وجغرافية، مثل لبنان المسيحي ومنطقة الأكراد شمال العراق، وجبل الدروز ودولة إسرائيل وفي نهاية الأمر ستنضم الأردن إلى هذا التجمع المتمثل في الهلال الخصيب، والذي سيكون بقيادة إسرائيل.. وعندئذ ستتكاتف كل الدول الأعضاء في الاتحاد وتعمل لتطوير استغلال مشترك لمياه الأردن واليرموك والليطاني، وعندئذ ستكون هناك أهمية ثانوية للقضايا الإقليمية»!!

ويجزم البروفيسور جابوتنسكي في محاضرة له بقوله «يجب على إسرائيل أن تعمل على تمزيق وتعرية «الاستعمار» العربي عن طريق مديد المساعدة للأكراد الذين يحاربون في العراق».

ويضيف «وعلى إسرائيل أن تعمل القيام بأعمال تخريبية لإثارة روح التمرد بين العلويين والدروز في سورية».

وهذه النقولات التي نكتفي بها خشية الإطالة المملة لا تفسر وحدها خطورة اللعبة الطائفية في المنطقة. لكن الذي يؤكدها هو وقائع السياسة الصهيونية والإسرائيلية منذ مطلع القرن العشرين.

في السياسة اليهودية:

لعل أول من أشار إلى استغلال الأقليات الطائفية في الوطن العربي هو إسحق بن تسفي ثاني رئيس الدولة إسرائيل، وذلك عندما أصدر كتيبا عام ۱۹۲۰ بعنوان «الحركة العربية» عندما ركز على الفوارق بين مصالح الموارنة في لبنان والمسلمين في سوريا.

وبعد قيام دولة إسرائيل نتيجة لمؤامرة دولية عام ١٩٤٨ أخذت المؤشرات الدالة على موقع الطائفية في المخطط الصهيوني تبرز بوضوح أكثر.

 يقول بن غوريون في مذكراته بتاريخ ١٩٤٨/٥/٢٤ بعد أن يتكلم عن الأطماع الصهيونية في جنوب لبنان «من الضروري إقامة دولة مسيحية بشكل الليطاني حدودها الجنوبية».

وعن مثل هذا المخطط كشف عيزر وايزمن  يوم ۱۹۷۰/۳/۲۲ عن أن لديه مخططًا لحل مشكلة الأقليات في إسرائيل وهو «إرسال كل المسلمين إلى عمان وإرسال كل الدروز إلى جبل الدروز في سورية»!

والذي ذكره بن غوريون في مذكراته أكده مرة أخرى في اجتماع تم في فبراير ١٩٥٤ ضم شاریت ولافون ودايان وأرسل في نفس اليوم رسالة لوزير خارجيته موشي شاريت «علينا العمل بكل الوسائل لإحداث تغيير جذري في لبنان».

وقد قررت قيادة الكيان الإسرائيلي يوم ١٩٥٥/٥/٢٦ تشكيل هيئة مشتركة تضم عددًا من كبار موظفي الخارجية والدفاع تتولى شؤون لبنان وفي اجتماع الهيئة قال موشي دايان الذي كان رئيسًا للأركان آنذاك إن كل ما يتطلبه الأمر هو العثور على ضابط ولو برتبة رائد وعلينا أن نكسب حماسه ومشاعره أو نشتريه بالمال، ونجعله يوافق على الادعاء بأنه منقذ الطائفة المارونية، ثم يدخل الجيش الإسرائيلي ويحتل المناطق الضرورية، ويوجد دولة مسيحية متحالفة مع إسرائيل، أما المنطقة الواقعة جنوبي الليطاني فستضم كلها إلى إسرائيل ويصبح كل شيء على ما يرام!

 وفي اجتماع عقد يوم ٥٦/١٠/٢٢ ضم بن غوريون ودایان وشيمون بيريز وغي موليه وزير الخارجية الفرنسي قال بن غوريون: «إن الأردن لا يبدو قادرًا على الحياة كدولة مستقلة، ولذلك يجب تقسيمه الأراضي الواقعة شرقي النهر يجب أن تعطى للعراق، والجزء الغربي كمنطقة متكاملة فيجب أن تحتله إسرائيل، ولبنان يجب أن يتخلى عن بعض المقاطعات الإسلامية لديه، وذلك لضمان الاستقرار فيه اعتمادًا على المناطق المسيحية فقط»..

وأشار الصحفي الهندي كارانجيا في كتابه الذي أصدره بعنوان خنجر إسرائيل إلى أنه كان لدى قيادة جيش الدفاع الإسرائيلي خطة عام ٥٦ تقضي «بإقامة دولة درزية ودولة شيعية ودولة مارونية ودولة علوية ودولة أو منطقة ذات استقلال قبطية».

اتصالات مشبوهة:

وقد قامت شواهد على اتصال اليهود بهذه الأقليات وبغض النظر عن مدى استجابة هذه الطوائف للمطالب اليهودية الذي تدل الوقائع على نجاحه، فإن هذه الاتصالات تنم عن خطورة ثابتة ومتكررة. وقد ثبت أن الحركة الصهيونية قد عملت على تشكيل هيئات وتجمعات عرقية بين الأكراد والدروز والموارنة وغيرهم. وقد كشفت صحيفة نيويورك تايمز (٧٦/٤/٢) أن إسرائيل كانت تخطط الأشغال الجيش العراقي أثناء حرب أكتوبر ۷۳ وذلك باستغلال حركة الملا مصطفى البرزاني. كما أكدت ذلك صحيفة الإيكونومست البريطانية عدد إبريل ۱۹۷۵.

ولقد أظهر الاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان وغزو بيروت كيف أن الاتصالات اليهودية المبكرة بالطائفة المارونية والدرزية قد أمنت عدم تعرض هاتين الطائفتين لجيش العدو بأذى وكيف أنهم لم يطلقوا عليه رصاصة واحدة، وقد اتخذت هذا الموقف بعض التيارات الشيعية كذلك.

لماذا تأخر التنفيذ؟

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: إذا كانت اللعبة الطائفية استراتيجية صهيونية منذ القدم فلماذا لم يتم تنفيذ الدويلات الطائفية بالرغم من هيمنة إسرائيل على لبنان؟

والجواب أنه لنجاح المخطط لا بد أن تكون جميع الظروف مناسبة لذلك. وفي حالة لبنان هناك سوريا والمجتمع الدولي وبالأخص الولايات المتحدة الأميركية.

فالمعروف أنه بالرغم من الاتفاق الاستراتيجي بين الطرفين، فهما يختلفان في هذه الناحية. فالولايات المتحدة ترى أن وجود دولة مسيحية بزعامة الموارنة لكل لبنان مع إعطاء الطوائف الأخرى بعض الحقوق عبر ما يسمى بالإصلاح السياسي وتوزيع المراكز والمناصب الإدارية يكفل استقرار لبنان وتأمين حدود إسرائيل الشمالية. 

وإن مسألة الدويلات يجب أن تأتي طبيعية إن رغبت الطوائف المعنية بذلك. ويبدو أن بعض المسؤولين اليهود قد اقتنع بالرأي الأمريكي، فيما لم يقنع المسؤولون الآخرون بذلك. وبسبب التباين في الموقفين الإسرائيلي من جهة والإسرائيلي الأميركي من جهة تظهر على السطح اللبناني بين فترة وأخرى مقولة الدويلات أو الكانتونات الطائفية وإن كانت الكانتونات قد أصبحت أمرًا واقعًا.

لعبة فاحذروها:

وهذا يقودنا إلى القول بأن إقامة حزام من الدويلات الطائفية حول إسرائيل، وإن كان واردًا منذ القدم في المخطط الصهيوني، إلا أن أمر تنفيذه يبقى رهنا بالمصلحة الآنية لدولة العدو كما لا ننسى أن إثارة الأقليات العرقية والطائفية في الوطن العربي لا تعدو عن كونها لعبة أتقنتها إسرائيل ليس حبًا في هذه الطوائف أو الرابط بينها وبين اليهود كما تزعم. وإنما لتتخذ منها وسيلة لإثارة الفتن الطائفية وزعزعة الاستقرار في الدول العربية والإسلامية وبالتالي تفتيت قوة المسلمين والحيلولة دون اجتماعهم لاجتثاث الكيان الصهيوني الغريب في جسم الأمة العربية والإسلامية من جهة. ولتسويغ فكرة قيام الكيان اليهودي القومي العنصري في فلسطين من جهة أخرى.

والواجب على العرب والمسلمين إزاء هذا السلاح الفتاك هو نبذ الطرح الطائفي والعرقي وبنفس الوقت فضح من يسير في مثل هذا المخطط وليكن شعارنا دائمًا قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ (الأنبياء:92)

الرابط المختصر :