العنوان حول قضيَّة المرأة.. المرأة تستجيب لنداء الفطرة
الكاتب علي القاضي
تاريخ النشر الثلاثاء 05-يونيو-1979
مشاهدات 112
نشر في العدد 448
نشر في الصفحة 40
الثلاثاء 05-يونيو-1979
ما أكثر ما نادى المنادون في الشرق والمغرب بالمساواة بين الرجل والمرأة، وما أكثر الخطوات التي اتخذوها في سبيل ذلك حيث فتحوا لها أبواب العمل في المجالات المختلفة التي تناسبها والتي لا تناسبها، وجعلوا التعليم واحدًا للفتى والفتاة، وكأنه ليس لكل واحد منهما وظيفته في هذه الحياة.
وساعدت أجهزة الدعاية والإعلام والجمعيات النسائية في نشر هذه المفاهيم بين الناس، وافتعلت المعارك بين الرجل والمرأة، ففلان نصير للمرأة وفلان عدو للمرأة- وتنشر الصحف دائمًا عن المكاسب التي تأخذها المرأة في كل يوم في دولة كذا ودولة كذا...
وسارت البلاد الإسلامية في هذا الاتجاه، ذلك لأن العالم الإسلامي أصبح في موقف المستقبل لا المرسل، والمتأثر لا المؤثر- فالغرب قد ربى أبناء الإسلام وغرس فيهم بعض المفاهيم والقيم، التي جعلتهم يسيرون في اتجاهه وهم يظنون أن هذه الأشياء هي علامات التقدم والحضارة والمدنية، وذلك لأنهم جعلوا التقدم المادي هو كل شيء..
وإذا كانت نتيجة ذلك ما لاحظه المفكرون وعلماء النفس من ضياع أجيال من الأطفال، وإصابتهم بمختلف الأمراض النفسية والعقلية لفقدانهم الرعاية والحنان والعطف والرضاعة الطبيعية، وتركهم في المحاضن أو مع العاملات في المنازل- كما كان من نتيجة ذلك تخلخل داخل كل أسرة من الأسر، لأن المرأة شغلتها وظيفتها عن رعاية أسرتها، وكان ذلك كله فوق ما تحتمل المرأة، بل وفوق ما تحتمل المجتمعات الإنسانية، وكان لا بد من الرجوع إلى نداء الفطرة البشرية.
على أن الأمر الذي يدعو إلى الدهشة، أن العودة إلى الطبيعة قامت بها المرأة، لأنها أحست بالخسارة التي عادت عليها -لقد كانت كذبة كبرى تلك المساواة التي قالوا عنها- ذلك لأن هناك فروقًا بين المرأة والرجل في الناحية البيولوجية والفسيولوجية، والعاطفية والعقلية والنفسية، وكما يقول كارليل «إن كل خلية من خلايا المرأة تنطق بأنها أنثى».
وهذه الخسارة نالت أول ما نالت المرأة نفسها -وظهر ذلك في فقدانها لراحتها الجسمية وراحتها النفسية -كما ظهر في تخلخل الأسرة وكيانها، وقد جعل هذا كل فرد من الأفراد يسير في ناحية ولا يلتقي مع غيره في ناحية أخرى- كما نالت الأطفال الصغار في صحتهم الجسمية وفي صحتهم النفسية، وفي صحتهم العاطفية، وفي صحتهم الاجتماعية، مما أثر هذا على كيان المجتمع كله تأثيرًا شديدًا قويًا أحس به المسئولون إحساسًا كبيرًا واضحًا.
- إلى متى هذا الانحراف في الفطرة؟
ترى هل من الممكن أن يستمر هذا الانحراف عن الفطرة، في مدة حيث تلاقي الأسر كما يلاقي الأطفال كما تلاقي المجتمعات المختلفة، ما تلاقي من المتاعب الجسمية والنفسية والتخلخل الذي يكاد يكون كاملًا في المجتمع.
لقد ظهر أول ما ظهر نداءات للأفراد، تبين مواطن الخطورة من الاستمرار في هذا الطريق- بعضهم علماء وبعضهم أطباء بشريين أو نفسانيين.. قامت جماعات مختلفة بدراسات متنوعة حول هذا الاتجاه، وأخذت تدعو إلى أن تعود المرأة إلى وظيفتها الأولى.. إلى البيت.
كما بدأت الدول تحس بالخطورة في مستقبل الأيام، فبدأت تعطي المرأة إجازات طويلة بعد كل ولادة -وبدأت بعض القوانين تظهر لإعطاء هذه الإجازات بمرتب أو نصف مرتب أو غير ذلك- والمهم أن المجتمعات بدأت تدرك هذه الخطورة وتحاول أن تجد العلاج.
- المرأة رهن إشارة زوجها
وقد كان من العجيب أن تظهر في أمريكا حركة تدعو إلى الخضوع التام لسيطرة الرجل- والسبب في ذلك كما تقول القائمات بالحركة، إسعاد المرأة وإعادة الهدوء والطمأنينة والاستقرار إلى كثير من العلاقات الزوجية.
ولهذه الحركة قصة فقد ألفت «مورابيل مورجان» وهي ربة بيت أمريكية كتابًا عرضت فيه لكثير من الأسباب التي تدفع الحياة الزوجية إلى الفشل والانهيار، واقترحت المؤلفة مجموعة من الحلول ووسائل علاج العلاقات الزوجية المنهارة في أمريكا.
وفوجئت أوساط دور النشر الأمريكية، بأن هذا الكتاب قد حقق رقمًا خياليًا من حيث المبيعات والانتشار في كافة أنحاء الولايات المتحدة الأمريكية، وقالت صحيفة ديلي إكسبريس اللندنية: إن عالم التأليف والنشر ذهل عندما ضرب ذلك الكتاب الرقم القياسي في عدد النسخ التي بيعت منه، والتي بلغت الملايين، ومن هنا فقد ظهرت الحركة النسائية الأمريكية الجديدة والتي أطلقت على نفسها «حركة كل نساء العالم»، واستطاعت هذه الحركة أن تجتذب عددًا كبيرًا من النساء ممن بلغن درجة كبيرة من التعلم والثقافة، وانتشر عدد كبير منهن في كافة الولايات المتحدة، يدافعن عن أفكار الحركة الجديدة - وبدأ عدة مئات منهن في الدعوة والتبشير بأفكار هذه الحركة، عن طريق إلقاء محاضرات وعقد ندوات في المدن الأمريكية الرئيسية.
ولشدة إقبال النساء على هذه الحركة، بدأت المسئولات عنها في تنظيم فصول دراسية منتظمة للراغبات في تحقيق السعادة الزوجية، وتوفير الهناءة والاستقرار للعش السعيد، وأما مدة الدراسة التي خصصت لتدريس هذا العلم الجديد، فهو ست ساعات للفصل الدراسي الواحد.
ويقول بول داكر مراسل الديلي إكسبريس البريطانية في نيويورك: إنه استطاع أن يتسلل إلى إحدى قاعات الدرس أثناء انعقاد أحد هذه الفصول في أحد الفنادق الصغيرة، الواقعة في ضاحية من ضواحي نيويورك لممارسة نشاطها هناك، فوجد النساء الأمريكيات يجلسن في سكون تام وهن يستمعن إلى نصائح رائدات حركة «كل نساء العالم» وأفكارهن الجديدة، بل وأفكارهن الغريبة تمامًا على المجتمع الأمريكي.
والدراسة ليست مجانية -بل إن المرأة تدفع مبلغًا يعادل خمسة عشر دولارًا أمريكيًا، وهو مبلغ ضئيل بالنسبة لما يحققه من نتائج- والتحقت بهذا المركز وحده أكثر من مائتي سيدة أمريكية من مختلف الأعمار والثقافات.
ويقول المراسل: ومن تلك القاعة من قاعات الدرس، كانت رائحة العطور النسائية تختلط بالآمال العريضة التي علقتها الدارسات، لهذا الأسلوب الجديد الذي يتعلمنه لممارسته في بيت الزوجية، ولم يكن هناك ما يدفع السيدة المحاضرة إلى أن تقول ليكن زوجك يا سيدتي هو السيد الحقيقي للبيت، وعليك أن تعترفي بسيادته هذه، وأن تهيئي له، تهبي حياتك له، وأن تكوني له عبدًا مطيعًا يخدمه ويعمل على راحته، وتضيف جويس دافيدسون «زعيمة حركة كل نساء العالم» في محاضرتها قائلة: هناك بعض النساء حطمن حياتهن الزوجية عن طريق إصرارهن على المساواة بالرجل، إن الرجل هو السيد المطاع، ويجب على المرأة أن تعيش في بيت الزوجية وأن تنسى كل أفكارها حول المساواة، وعليكن أيتها السيدات أن تتذكرن ودائمًا أن الرجل يسعده أن يسمع دائمًا إلى عبارات الإعجاب والثناء -تمامًا- مثلما يسعد المرأة أن تستمع إلى عبارات الحب والغرام، إن المرأة تأسر قلب الرجل حينما تعبر عن إعجابها به وبأسلوبه في الحياة، في عمله، في هوايته، في طريقة اختياره لملابسه، إن المرأة التي تنشد السعادة حقيقةً، إنما هي تلك التي تعبر عن هذا الإعجاب كل يوم، وهي التي تستطيع أن تتكيف مع واقعه وطريقته في تبادل أمور معيشته، وهي التي تقبل برضا وبقناعة ذوقه الخاص في اختيار أصدقائه، وهي التي تعمل على أن تذيب شخصيتها تمامًا داخل شخصية زوجها، فتحب ما يحب زوجها، وتكره ما يكره، وتمارس ما يمارسه هو من أنماط الحياة وأساليبها.
ثم تضع أمام كل النساء ما يشبه جداول عمل تفصيلية، تعتبرها الزوجات ممن يحضرون هذا المؤتمر، وصفة طيبة لمعالجة التصدع الرهيب الذي أحدثته في بعض العائلات الأمريكية، أفكار المساواة واتجاهات التحرر، وتنصح جويس كل امرأة تعاني من هذا التصدع في علاقتها بزوجها، أن تطلب منه كتابة أهم التغيرات التي يراها ضرورية، والتي يرغب في أن تقوم بها الزوجة في بيته، وتطلب جويس من الزوجة أن تأخذ ما يكتبه زوجها وتقوم بدراسته بإمعان دراسة خاصة، ودون مناقشة أو جدل، وتبدأ على الفور في تنفيذ ما يطلبه الرجل وما ينشده من تغير بمنتهى الرضا والقناعة، وعلى المرأة أن تقوم بإجراء هذا التغيير إرضاءً للزوج، مقنعة إياه أنها تستطيع أن تغير من روتين حياتها من أجل إسعاده وتوفير الراحة له، ولا يجب أن تفارق الابتسامة مطلقًا وجه الزوجة، فالبيوت المريضة حقًا هي تلك التي غابت عنها ابتسامة الزوجة العذبة التي ينعكس سحرها على قلب الزوج.
وتساءل مسز دافيدسون: لماذا تعترض الزوجة دائمًا على آراء زوجها، وألا يعبر هذا الاعتراض عن شعور المرأة بأنها تسعى إلى المساواة به؟ وبالتالي ألا يتسبب ذلك في أن يتحول البيت إلى حلبة للمصارعة بين أفكار زوجها وآرائها؟! إن المشاكل كثيرًا ما تتعقد ويصعب حلها، حينما يصر كل من الطرفين على رأيه وينقطع تمامًا حبل التفاهم بينهما، فما السبيل إذن في رأي جويس؟ إن جويس ترى أن على الزوجة أن تكون مطيعة دائمًا لسيدها الرجل، وعليها أن تقول نعم لكل آرائه، وبذلك تكسب قلب الرجل وثقته في نفس الوقت، وتستطيع بالتالي أن تقدم إليه آراءها دون تعصب، وبالتالي فإن الرجل سيشعر بسيادته وتميزه وبقدرته على اتخاذ القرار بنفسه، وقد يكون هذا الرأي مطابقًا لرأي الزوجة المطيعة المحبوبة.. وتتحدث جويس عن نفسها قائلة: إنها كثيرًا ما تسببت في إزعاج زوجها بسعيها المتواصل من أجل المساواة، ولكنها اكتشفت بعد ذلك أن هذا السعي من جانبها، كان هو السبب الرئيسي وراء كل خلافاتها مع زوجها وتضيف: أنها تعلمت من تاب ميراميل مورجان أن الرجل هو سيد البيت وقبطان السفينة الأوحد، وأن المرأة لا تستطيع مواجهة الحياة دون قيادة هذا القبطان، عندما تجتاح الأعاصير تلك سفينة وسط أمواج الحياة المتلاطمة.
وترى أن معظم زوجات هذه الأيام يعتقدن أن الرجل يتزوج المرأة ليحرمها من السعادة والهناءة، ولكن الزوجة تخطئ كثيرًا إذا سيطر عليها هذا الاعتقاد في نظرتها إلى الرجل، وهي ترى أن المرأة الحقيقية تكمن في عقلها وليس في جسدها، وإن المتعة الجسدية تفقد أهميتها في الاحتفاظ بالزوج، إذا لم تتوفر بالزوجة الرجاحة المطلوبة في فكرها عقلها.
ويقول المراسل: جويس أمريكية شقراء يصعب عليك يا سيدتي ألا تأخذي حديثها هذا مأخذ الجد الاهتمام، ولا بد أنها سعيدة في حياتها الزوجية بعد هذا التحول في علاقاتها بزوجها، فالابتسامة لا تفارق شفتيها وهي تتحدث بثقة عن آرائها وأفكارها.
ورائدات هذه الحركة يحرصن على محاولة إقناع الدارسات في الفصول الدراسية التي تعقدها الحركة، بضرورة البقاء في البيت، وينادين بعدم خروج المرأة إلى ميادين العمل، فالبيت هو مملكة المرأة تعمل فيه لخدمة زوجها وأولادها، وتنشئتهن التنشئة الصالحة ثم تقول: إن روع الأعمال التي تناسب المرأة في هذا العام، هو عملها داخل بيتها، وعلى المرأة أن تتفاخر بهذا العمل وبرعايتها لزوجها، وبأمومتها التي فقدتها عندما خرجت إلى ميدان العمل.
وقد سئلت جويس: هل تعتقد وتؤمن إيمانًا راسخًا بأن زوجها هو سيد البيت؟ فأجابت بابتسامة رقيقة: إن البيت شأنه في ذلك شأن أية هيئة أو منظمة، لا بد وأن يكون لها رئيس يوجه العمل بتعليماته وأوامره، وكما أنه لا بد للسفينة من قبطان واحد يأتمر الجميع بأوامره، كذلك لا بد للبيت من سيد واحد، فليس في قدرة فارسين قيادة حصان واحد، لقد خلق الله الرجل ليكون سيد البيت، فلماذا نعاند أنفسنا ونرفض التسليم بهذه الحقيقة؟!
وقد سأل مراسل الديلي إكسبريس جويس قائلًا: فماذا لو اختلف الزوجان حول قرار واحد وحدث الصراع بينهما، فلمن تكون الغلبة حقيقة حينئذ؟ وفاجأته بردها: لو حدث واختلف الزوجان في الرأي، فالقرار الأوحد الأخير يجب أن يكون للزوج حتى ولو كان رأيه خاطئًا.. إن هذا سيكون أفضل ألف مرة من الأخذ برأي الزوجة حتى ولو كان على صواب..
ثم اتجهت إلى الحديث مع طالباتها الزوجات اللاتي ينشدن السعادة في حياتهن المنهكة المتعبة، اتجهت إليهن بكل انفعالاتها تحاول أن تعود بالمرأة إلى عصر ترى أنه أسعد عصور المرأة، حين كان الرجل سيدًا آمرًا وناهيًا- وكانت المرأة هي القطة المدللة الوديعة المطيعة وتصيح قائلة: عبري عن إعجابك بزوجك، اقبليه بأخطائه وعيوبه واقنعي نفسك بأنه أفضل زوج في العالم، اعشقي ما يعشق من طعام وشراب، مارسي هواياته بشغف واهتمام، حاولي بعد عودته إلى البيت ألا تنشغلي عنه بأي شيء حتى ولو بمكالمة هاتفية.
وتنصت الطالبات الزوجات بإمعان وهدوء، وتتمنى كل واحده منهن لو استطاعت أن تنفذ تعاليم رائدة حركة «كل نساء العالم»، وأن تعلو شفتيها ابتسامة كتلك التي تشرق على شفتي جويس.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل