العنوان حجة على كل صحيح
الكاتب د. علي الحمادي
تاريخ النشر السبت 13-أغسطس-2005
مشاهدات 75
نشر في العدد 1664
نشر في الصفحة 58
السبت 13-أغسطس-2005
لقد شاءت إرادة الله سبحانه وتعالى أن يبتلي البشر فمنهم من هم أصحاء أقوياء، ومنهم من هم مبتلون بإعاقات في أجسامهم، وهذه إرادة الله تعالى في خلقه، ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾(البقرة: 155).
ولكن كيف ينظر الإنسان إلى هذا الابتلاء الذي أصابه؟ هل يصبر ويرضى بقضاء الله أم يتذمر ويتحسر؟
فعن أبي يحيى صهيب بن سنان قال: قال رسول الله : «عجبًا لأمر المؤمن إن أمره كله له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له». (رواه مسلم).
وانظر إلى من صبر على فقد بصره ماذا له من الأجر، فعن انس قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الله عز وجل قال: «إذا ابتليت عبدي بحبيبتيه قصير عوضته منهما الجنة» (رواه البخاري).
إن على العاقل إذا ابتلي في جسده أن يحمده ويصبر، وان يحاول التعامل مع الحياة والتأثير فيها بروح معنوية وإيمانية عالية لا أن يستسلم لتلك الإعاقة التي ألمت به.
ومن المحزن أن يطلق على مثل هؤلاء المعاقون، ثم يتركوا دون اهتمام بهم أو استثمار لهم ليكون لكل واحد منهم دوره في العطاء والتأثير في الحياة.
لقد استطاع كثير من المعوقين وممن لم يتصفوا بالرشاقة والوسامة وكمال الجسم أن يبدعوا في علوم متنوعة، وأن يصنعوا التاريخ، وأن يؤثروا في واقعهم الذي يعيشونه، ويحسن بي هنا أن أدلل على ما أقول كي لا يكون الكلام مجرد عبارات فضفاضة لا رصيد لها من التاريخ والواقع.
فهذا الأحنف بن قيس كان أعرج أعور، متراكم الأسنان، صغير الرأس مائل الدفن قصير القامة بارز الوجه منخسف العينين ومع كل هذه التشوهات الخلقية إلا أنه كان عملاقًا بالغ التأثير حتى وصفه الجاحظ بأنه أبين العرب والعجم قاطبة، وقال عنه الحسن ما رأيت شريف قوم كان أفضل من الأحنف، وكان إذا غضب غضب له مائة ألف لا يسألونه فيما غضب، وكان خطيبًا مفوها وحكيمًا عاقلًا.
وهذا ابن أم مكتوم عبد الله بن قيس العامري tوامه أم مكتوم، وهي عاتكة بنت عبدالله المخزومية من السابقين المهاجرين، وكان ضريرًا، ومع هذا كان مؤذنًا لرسول الله ﷺ مع بلال بن أبي رباح وسعد القرض وأبي محذورة، وكان النبي ﷺيحترمه وقد استخلفه مرتين على المدينة، وكان يغزو ويقول ادفعوا إلى اللواء فإني أعمى لا استطيع أن أفر، وأقيموني بين الصفين وقد روى قتادة عن أنس أن عبد الله ابن أم مكتوم كانت معه راية سوداء يوم القادسية.
ومصطفى صادق الرافعي كان به صمم ومع ذلك كان أدبيًا بارزًا.
والشيخ أحمد ياسين رحمه الله الذي كان لا يتحرك فيه إلا رأسه استطاع من على كرسيه المتحرك أن يقود الانتفاضة الفلسطينية المباركة وأن يزلزل الأرض تحت أقدام اليهود، وأن يكون رمزا للصمود والتضحية والجهاد والعزة والكرامة، وصدق الرسول حين قال ﷺ: «إن الله تعالى لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم» (رواه مسلم).
لقد كان الشيخ أحمد ياسين رحمه الله، رمزا للبطولة والتضحية والجهاد، وسيرته كانت حافلة بجهاده الدعوي وبطولاته الجهادية، أما عن حياته الدعوية، فيقول الشيخ كامل البلتاجي. رحمه الله، (وهو من علماء غزة المعروفين، وقد كان رجلا كفيفا وعاش قرابة المائة عام) لقد كنت أجوب أرجاء غزة برمالها وكتابتها أنا والشيخ أحمد ياسين قبل أن يسيطر الشلل على أطرافه كلها. وكان يمشي على عكازين ويتكئ علي، وأنا أعينه بقوتي وهو يرشدني ببصره، وهكذا بدأت الدعوة وانتشرت بجهد شيخ كفيف طاعن في السن، وآخر يزداد فيه الضعف الجسدي يوما بعد يوم حتى شل تماما في نهاية الأمر، وصدق الله إذ يقول ﴿مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾(الأحزاب).
أما أبان بن عثمان فقد كان به صمم وحول وبرص وأصابه الفالج، ولكنه كان من فقهاء المدينة العشرة المشهورين، كما أنه كان من كبار علماء الحديث والفقه في زمانه.
وقد كان محمد بن سيرين أصم، إلا أنه كان فقيها عالمًا ورعًا أديبًا، قال عنه الشعبي عليكم بذلك الأصم، وقال عنه الأصمعي: إذا حدث الأصم بشيء فأشدد يديك به.
والمغيرة بن شعبة الثقفي t كان أعور، لكنه كان من كتاب الوحي، وكان ذكيًا فطنًا ومن كبار دهاة العرب والمسلمين.
ومعاذ بن جبل tكان أعرج، وقد أثنى عليه رسول الله ﷺ فقال: «أعلم أمتي بالحلال والحرام معاذ بن جبل».( أخرجه الطبراني في المعجم الصغير 556)
وهذه «بارب جويرا» التي تعرضت لصعقة كهربائية عندما كانت طفلة أدت إلى حرق يديها ومن ثم بترهما إلى الكتف، ولكنها لم تستسلم لهذه الإعاقة وإنما أكملت دراستها رغم سخرية زميلاتها منها وإيذائهن لها، وتزوجت وأنجبت أطفالا، وقد تعلمت بارب الملاكمة، وأتقنت قيادة السيارة «تضع قدمها اليمنى على المقود وقدمها اليسرى على الكابح»، وهي تطبخ بقدميها، وتأكل بقدميها. وتنظف بقدميها، وتكتب بقدميها، وتلبس بقدميها، وتغير حفاظات طفلها بقدميها، وتغير ملابس أطفالها وتنظفهم وتغسلهم بقدميها، وتلاعب أطفالها بقدميها، وتفعل كل ما تريد بقدميها.
والأمر الأهم في بارب، أنها لا تنظر إلى نفسها على أنها إنسانة معاقة ما دامت قادرة على منح العواطف والحب لمن حولها، لأن الإعاقة، كما تقول في نضوب القلب وجفاف المشاعر، ولذا تضم طفليها بساقيها وتحتضنهما بقلبها.