; المجتمع التربوي (1258) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع التربوي (1258)

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 15-يوليو-1997

مشاهدات 68

نشر في العدد 1258

نشر في الصفحة 56

الثلاثاء 15-يوليو-1997

وقفة تربوية

من هو العاقل؟

يقول الثعالبي: «العاقل من يَرْوِي، ثم يُرْوِي، ويُخْبَر ثم يُخْبِر، ويشاهد ثم يشهد، ويعلم ثم يعمل» المبهج ٨٥.

هذا هو العاقل حقًا، فهو عندما يروي عن ربه أو عن نبيه ﷺ يستحضر النية الخالصة لوجه الله الكريم، فتخرج الكلمات من قلبه، وتدخل في قلوب المستمعين، لذلك، فكلامه كأنه الماء الذي تحتاجه الشجرة الظامئة في يوم صائف شديد الحرارة، ولا يتكلم ليماري العلماء، ويجاري السفهاء، أو ليضرب وجوه الناس إليه... وهو عندما يستمع إلى العلم لا يكتفي بفائدته بنفسه، بل ينقلها إلى الآخرين، وخاصة القريبين منه كالزوجة والأبناء والأقرباء، ليعم الخير، وتزداد رقعته، ويزيد من أجره، وهو عندما يشاهد بعينه يشهد شهادة الحق لا يخاف في الله لومة لائم، وهو عندما يعلم لا يتلقى العلم للترفيه والترف الفكري، بل يتلقى العلم للتنفيذ، فالعاقل يتعلم بالعمل أضعاف ما يتعلمه بالقراءة وتلقي العلم، والعمل دليل على همة صاحبه وإيمانه بعلمه... اللهم ارزقنا عقلًا يحثنا على العمل بما نعلم.

أبو خلاد

الضوابط الشرعية لانتقاء النقول «3 من 3»

مخالفة الفطرة.. ومصادمة العقل السليم

الوصول إلى الأكمل في العبادة أمر محمود.. والأصل في الدين هو وجوب دعوة الآخرين.

بقلم: الشيخ عبد الحميد الجاسم البلالي

 ذكرنا في الحلقتين السابقتين بعض أقسام هذه الضوابط وهي:

١ - عدم مصادمة النقول لنص في الكتاب أو السنة.

٢ - عدم مصادمته للعقل.

٣ - عدم مصادمته لهدي النبي ﷺ.

وفي هذه الحلقة نكمل ما تبقى من القسم الثالث، ثم نتبعه بالأقسام الأخرى.

د. لا ينامون الليل: وهي قبل أن تكون مخالفة لهديه ﷺ، فهي مخالفة للفطرة؛ حيث إن جسم الإنسان يحتاج إلى النوم لكي يستطيع القيام بالمهام الدنيوية والأخروية بنشاط، وبالإضافة إلى ذلك فإن الروايات في هذا المجال مصادمة للعقل السليم.

ومن أمثلة ذلك ما جاء في صفة الصفوة عن الحسن بن علي بن مسلم الباهلي قال: سمعت أبا السوار العدوي يقول: بنو عدي أشد أهل هذه البلدة اجتهادًا، هذا أبو الصهباء لا ينام ليله، ولا يفطر نهاره، وهذه امرأته معاذة ابنة عبد الله لم ترفع رأسها إلى السماء أربعين عامًا (١).

وكذلك ما جاء في ترجمة عامر بن قيس التابعي «سئلت جاريته عن عادته؟ فقالت ما فرشت له فراشًا بالليل فنام عليه قط، إلا في النهار، ولا صنعت له طعامًا فأكل منه إلا في الليل» (٢).

ومن أغرب الروايات في هذا المجال ما جاء في كتاب صفة الصفوة «عن ابن أخت منصور مولى يزيد بن هارون قال: مكث المتسلم بن سعيد أربعين سنة لا يضع جنبه إلى الأرض، قال: وسمعته يقول: لم أشرب الماء من خمسة وأربعين يومًا، وفي رواية أخرى، قال يزيد بن هارون: بت عند المتسلم ابن سعيد وكان لا يكاد ينام، إنما هو قائم وقاعد. وذكر أنه لم يضع جنبه منذ أربعين عامًا، فظننت أنه يعني بالليل، فقيل ولا بالنهار» (٣).

يقول تعالى واصفًا الصالحين: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ (الذاريات: 17) (٤)، ولم يقل «كانوا لا يهجعون»، بل بين سبحانه أنهم كانوا ينامون جزءًا من الليل ويقومون جزءًا اخر وهكذا بيّن ﷺ للنفر الثلاثة الذين جاؤوا مفاخرين ومخالفين لهديه، والذي كان أحدهم لا ينام الليل، فقال: «أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟، أما والله إني لأخشاكم لله، وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني» (٥).

وقوله ﷺ: «إن الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه، فسددوا وقاربوا وأبشروا، واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة» (٦)، قال ابن حجر - بالتشديد المغالبة، يقال: شَادَّهُ يُشَادُّهُ مُشَادَّةً إذا قَاوَاهُ، والمعنى لا يتعمق أحد في الأعمال الدينية ويترك الرفق إلا عجز وانقطع فيغلب.

وقال ابن المنير - في هذا الحديث علم من أعلام النبوة، وقد رأينا ورأى الناس قبلنا أن كل متنطع في الدين ينقطع، ليس المراد منع طلب الأكمل في العبادة، فإنه من الأمور المحمودة، بل منع الإفراط المؤدي إلى الملال أو المبالغة في التطوع المفضي إلى ترك الأفضل أو إخراج الفرض عن وقته، كمن بات يصلي الليل كله ويغالب النوم إلى أن غلبته عيناه في أخر الليل فنام عن صلاة الصبح في الجماعة أو إلى أن خرج الوقت المختار أو إلى أن طلعت الشمس فخرج وقت الفريضة. (٧)

هـ - رهبانية ما كتبها الله عليهم: والتقذر في معتقد البرهمانيين قربة للآلهة، وكلما زادوا في تركهم الماء، وتركهم للدواب تدبي على أجسادهم. كلما كان ذلك قربة للآلهة كما يعتقدون، وتسرب مثل هذه المعتقدات إلى المسلمين، فقلدوهم فيها، وافتروا على بعض أعلام المسلمين، وقدواتهم ما ليس فيهم، اعتقادا منهم أن ذلك تزكية لهم، فمما أوردوه عن الإمام إبراهيم بن أدهم قوله: «كان هو وأصحابه يمنعون أنفسهم الحمام والماء البارد والحذاء، ولا يجعلون في ملحهم أبزارًا، وكان إذا جلس على سفرة فيها طعام طيب رمى بطيبها إلى أصحابه وأكل هو الخبز والزيتون» (٨).

رابعًا: تلبيسات الجن ودعوى الكرامة 

وكثيرًا ما يلبس الجن على بعض العباد فيحسبوه كرامة لهم، ولقد ذكر من ذلك الكثير الإمام ابن تيمية في كتابه: «الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان»، حيث قال: «ولما كانت الخوارق كثيرًا ما ينقص بها درجة الرجل، كان كثير من الصالحين يتوب من مثل ذلك، ويستغفر الله تعالى، كما يتوب من الذنوب، كالزنى. والسرقة، وتعرض على بعضهم فيسأل الله زوالها، وكلهم يأمر المريد السالك ألا يقف عندها، ولا يجعلها همته، ولا يتبجح بها، مع ظنهم أنها كرامات، فكيف إذا كانت بالحقيقة من الشياطين تغويهم بها؟! فإني أعرف من تخاطبه النباتات بما فيها من المنافع، وإنما يخاطبه الشيطان الذي دخل فيها، وأعرف من يخاطبهم الحجر والشجر، وتقول: هنينًا لك يا ولي الله، فيقرأ آية الكرسي، فيذهب ذلك، وأعرف من يقصد صيد الطير، فتخاطبه العصافير وغيرها وتقول: خذني حتى يأكلني الفقراء، ويكون الشيطان قد دخل فيها، كما يدخل في الإنس، ويخاطبه بذلك، ومنهم من يكون في البيت، وهو مغلق، فيرى نفسه خارجه وهو لم يفتح، وبالعكس، وكذلك في أبواب المدينة، وتكون الجن قد أدخلته وأخرجته بسرعة، أو تريه أنوارًا، وتحضر عنده من يطلبه، ويكون ذلك من الشياطين يتصورون بصورة صاحبه، فإذا قرأ أية الكرسي مرة بعد مرة، ذهب ذلك كله.

وأعرف من يخاطبه مخاطب ويقول له: أنا من أمر الله، ويعده بأنه المهدي الذي بشر به النبي ﷺ، ويظهر له الخوارق، مثل أن يخطر بقلبه تصرف في الطير والجراد في الهواء، فإذا خطر بقلبه ذهاب الطير أو الجراد يمينًا وشمالًا. ذهب حيث أراد، وإذا خطر بقلبه قيام بعض المواشي، أو نومه، أو ذهابه، حصل له ما أراد من غير حركة منه في الظاهر، وتحمله إلى مكة، وتأتي به، وتأتيه بأشخاص في صورة جميلة، وتقول له هذه الملائكة الكروبيون أرادوا زيارتك، فيقول في نفسه: كيف تصوروا بصورة المردان، فيرفع رأسه فيجدهم بلحى، ويقول له: علامة أنك المهدي أنك تنبت في جسدك شامة، فتنبت ويراها، وغير ذلك، وكله من مكر الشيطان». (٩)

ومما يُروى كذبا عن التابعي مطرف بن الصحابي عبد الله بن الشخير في ذلك: «كان مطرف بن عبد الله يبدو، فإذا كان ليلة الجمعة، أدلج على فرسه، فربما نوّر له سوطه، فأدرج ليلة حتى كان عند القبور، هوم على فرسه، قال: فرأيت أهل القبور صاحب كل قبر جالسًا على قبره، فلما رأوني قالوا: هذا مطرف يأتي الجمعة» (١٠).

ومن أمثلة ذلك أيضا ما روي عن سنان عن أبيه قال: «أنا والله أدخلت ثابتًا -أي البناني- لحده، ومعي حميد الطويل أو رجل آخر غيره، فلما سوينا عليه التراب سقطت لبنة، فإذا هو قائم يصلي في قبره، فقلت للذي معي: ألا ترى؟ قال: اسكت، فلما سوينا عليه التراب أتينا ابنته، فقلنا لها: ما كان عمل أبيك؟ فقالت: وما رأيتم؟ فأخبرناها، فقالت: كان يقوم الليل خمسين سنة، فإذا كان السحر قال: اللهم إن كنت أعطيت أحدًا من خلقك الصلاة في قبره، فأعطينيها، فما كان الله ليرد ذلك الدعاء» (١١).

ومما أورده ابن الجوزي في هذا المجال: «عن نبهان بن المغلس قال: أخبرني حذيفة بن قتادة المرعشي قال: كنت في المركب فكسر بنا، فوقعت أنا وامرأة على لوح من ألواح المركب، فمكثنا سبعة أيام، فقالت المرأة: أنا عطشى فسألت الله تعالى أن يسقينا، فنزلت علينا من السماء سلسلة فيها كوز معلق فيه ماء، فشريت، فرفعت رأسي إلى السلسلة فرأيت رجلًا جالسًا في الهواء متربعًا، فقلت: من أنت؟ قال: من الإنس، قلت: فما الذي بلغك هذه المنزلة؟ قال: آثرت مراد الله  على هواي فأجلسني كما تراني» (١٢).

خامسًا: ما فيه إهانة للمترجَم له

ومثاله ما جاء في صفة الصفوة: «فرجع الحسن فعاهد الله ألا يأكل ما يباع ولا ما يشترى، ولا يلبس ما يباع ولا ما يشترى، ولا يمسك بيده ذهبا ولا فضة، ولا يضحك أبدًا، وكان يأوي ستة أشهر في العباسية، وستة أشهر حول دار اليطيخ، ويلبس ما في المزابل»، وعن سري السقطي (١٣) قال: تعجبني طريقة حسن الغلاس، وكان حسن الغلاس لا يأكل إلا القمامة» (١٤)، ما هذه القذارة؟ هل هذا من الإسلام؟ وهل تكون القدوات بمثل هذا؟

سادسًا: ما يدل على اليأس من الناس

الأصل في هذا الدين هو وجوب دعوة الآخرين، ووجوب إنكار المنكر، لتوافر الأدلة الموجبة في ذلك، ولكن عندما نقرأ في تراجم البعض بأنهم كانوا يتخلون عن هذا الواجب بحجة أن فيهم من العيوب ما يشغلهم عن الآخرين، أو أنه مشغول بنفسه وغير راضٍ عنها، إلى أخر هذا الجهل بحقيقة هذا الدين فذلك غير مقبول... وتكثر مثل هذه الأمور في كتب الرقائق والرجال.

الخاتمة: هذه بعض القواعد الشرعية في انتقاء النقولات، خاصة من كتب الرقائق، وهو اجتهاد شخصي أرجو أن يتبع بتعليقات العلماء، وطلبة العلم حتى يكتمل هذا الموضوع المهم، الذي سبب الجهل فيه الكثير من السلوكيات الخاطئة في جسم الدعوة الإسلامية، وبين شباب الصحوة بسبب التقولات المخالفة للكتاب والسنة، وما كان عليه الرعيل الأول، فكان لزاما علينا تبيان مثل هذا الأمر، لعله يكون سببًا في تخفيف انتشار مثل هذا الجهل، وتكون عند الدعاة وطلبة العلم قواعد واضحة يستندون عليها أثناء قراءتهم.

الهوامش:

١- صفة الصفة 4/22

٢- سلوة الأحزان: ٩٤.

٣- صفة الصفوة 3/14/15.

٤- الذاريات: ١٧.

٥- رواه البخاري (فتح الباري ٥٠٦٣) السلفية.

٦- رواه البخاري (فتح الباري ٣٩) السلفية.

٧- فتح الباري (ج١ ص ٩٤).

٨- البداية والنهاية 10/138.

٩- الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان ١٤٨ و١٤٩المكتب الإسلامي.

١٠- حلية الأولياء 2/205.

١١- إقامة الحجة - للكنوي ص ٧١.

١٢- صفة الصفوة 4/279.

١٣- من أعلام الصوفية.

١٤- صفة الصفوة 2/397.

في ذكرى ميلاد سيد الخلق وحبيب الحق ﷺ

الاحتفال الحق بميلاد النبي ﷺ يكون بإحياء سنته والتمسك بشريعته والالتفاف حول مائدة الإسلام.

بقلم: محمود عبد الهادي المرسي

حينما نتحدث عن ميلاد رسول الله ﷺ فإننا نترك الحديث للوالدة السيدة آمنة بنت وهب، تقول السيدة آمنة: إنها رأت في المنام أنها حملت بخير العالمين، وانه خرج منها نور أضاء ما بين المشرق والمغرب.

وتضيف: حملت به حملًا خفيفًا فلم أشعر به، لماذا؟ لأنها لم تحمل في بطنها إلا نورًا وشهدت ولادته ليلًا فلم أر من البيت إلا نورا، ونظرت إلى النجوم في السماء فإذا بها تدنو مني، وقد ورد في هذا روايات منها: عن أبي العجفاء رحمه الله تعالى مرسلًا قال: قال رسول ﷺ: رأت أمي حين وضعتني سطع منها نور فضاءت له قصور بُصرى (١).

وعن عثمان بن أبي العاص -رضي الله تعالى عنه- قال: حدثنني أمي أنها شهدت ولادة أمنة رسول الله ليلة ولدته قالت: «فما شيء أنظر إليه من البيت إلا نورًا وإني لأنظر إلى النجوم تدنو حتى إني لأقول: ليقعن عليَّ، فلما وضعته خرج منها نور أضاء له البيت والدار حتى جعلت لا أرى إلا نورًا». (٢)

وروى ابن حبان عن حليمة - رضي الله عنها - عن آمنة أم رسول الله أنها قالت: إن لابني هذا لشأنا إني حملت به فلم أجد حملًا قط كان أخف على ولا أعظم بركة منه، ثم رأيت نورًا كأنه شهاب خرجٍ مني حين وضعته أضاءت لي أعناق الإبل ببصرى، ثم وضعته فما وقع كما تقع الصبيان، وقع واضعًا يديه على الأرض رافعًا رأسه إلى السماء، «وفي هذا إشارة إلى ارتفاع شأنه وعلو قدره وأنه يسود الناس أجمعين».

تاريخ ميلاده ﷺ

ولد الحبيب المصطفى يوم الاثنين الثاني عشر من ربيع الأول عام الفيل على الصحيح المشهور عند أكثر العلماء، نعم في شهر ربيع الأول انبثقت عن جوهرة الكون بيضة الشرف وفي يوم الاثنين منه ظهرت الدرة المصونة من باطن الصدف.

روى الإمام أحمد ومسلم وأبو داود عن أبي قتادة  أن رسول الله سئل عن يوم الاثنين فقال: «ذاك يوم ولدت فيه وفيه علي أُنزل» (٣).

لما ولد الحبيب المصطفى كان ميلاده مؤذنًا باقتراب كتائب الحق من حصون الشرك، فيروى أنه ليلة ولادته .

١- ارتج إيوان كسرى فتساقطت شرفات القصر - سقطت منه أربع عشرة شرفة.

وصرح كسرى تداعى من قواعده

وانقض منكسر الأرجاء ذا ميل

٢- أخمدت نار فارس تلك النار التي أوقدوها لعبادتهم المجوسية الباطلة ولم تخمد من قبل ألف عام.

ونار فارس لم توقد وما خمدت

من ألف عام ونهر القوم لم يسلِ

٣- غاضت بحيرة ساوة. (٤)

وساء ساوة أن غاضت بحيرتها

ورد واردها بالغيظ حين ظمى

٤- قيل إن نفرًا من قريش كانوا يجتمعون إلى صنم من بينهم ورقة بن نوفل، وعبيد الله ابن جحش، وزيد بن عمرو بن نفيل، فلما دخلوا عليه ليلة ولادة الحبيب المصطفى وجدوه منكسًا على رأسه فردوه إلى حاله فلم يلبث أن انقلب انقلابًا عنيفًا فردوه ثانيًا فانقلب ثالثًا فقالوا إن لهذا الأمر من حدث.

٥- ولد مختونا مقطوع السرة.

عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله من كرامتي على ربي أني ولدت مختونا ولم ير أحد سواتي. (٥)

٦ - حُزن إبليس وحجبه من السموات وما سمع من الهواتف لما ولد رسول الله :

روي الزبير بن بكار وابن عساكر عن معروف ابن حزّ بوذ رحمه الله تعالى قال: كانٍ إبليس يخترق السماوات السبع فلما ولد عيسى حجب عن ثلاث سماوات وكان يصل إلى أربع، فلما ولد النبي حجب عن السبع.

٧- انقلاب البُرمة (٦) حين وضع رسول الله تحتها، روى ابن الجوزي عن أبي الحسين ابن البراء -مرسلًا- رحمه الله تعالى عن السيدة آمنة أنها قالت: وضعت عليه إناء فوجدته قد انفلق الإناء عنه وهو يمص إبهامه يَشْخَبُ لبنًا. (٧).

٨- مناغاته للقمر في مهده وكلامه فيه: روى الطبراني والبيهقي عن العباس ابن عبد المطلب -رضي الله تعالى عنه- قال: قلت يا رسول الله دعاني إلى الدخول في دينك أمارة لنبوتك: رأيتك في المهد تناغي القمر وتشير إليه بإصبعك فحيث ما أشرت إليه مال، قال: كنت أحدثه ويحدثني ويلهيني عن البكاء، وأسمع وجبته حين يسجد تحت العرش.

٩- رد الله جيش أبرهة الأشرم بحجارة من سجيل منضود تحية وإكرامًا لهذا المولود، والأمر هنا يحتاج لقليل من الإيضاح والإفصاح.

فقد أراد ملك الحبشة هدم الكعبة المشرفة فسير لها جيشًا عظيمًا، وما أن وصل الجيش مشارف الكعبة حتى دكتهم مدفعية السماء، القيادة العليا بين الكاف والنون تقول للشيء كن فيكون... تأمر المصانع الحربية في نار جهنم بإنتاج قنابل من نوع خاص -أكبر من العدسة وأقل من الحُمصة- وتأمر سربًا من الطير يحملها وهي على صغرها أشد فتكًا من غيرها توجه توجيهًا ربانيًا، فهذه الحجارة مكتوب على كل حجر اسم مرميّه، يحمل كل طائر منها ثلاثة أحجار واحدًا بمنقاره وحجرين برجليه فيلقيها على أصحاب الفيل، «فجعلهم كعصف مأکول».

قال الحافظ الدمياطي في سيرته «كان بين الفيل وبين مولد النبي خمس وخمسون ليلة وكان إهلاكهم تشريفًا له ولبلده» (٨).

١٠- كان العرب يعيشون في حرب وفي ضيق عيش... فاخضرت الأرض وحملت الأشجار، ونزلت الأمطار ببركة مولد النبي المختار.

١١- رأى المربذان (٩) إبلًا صعابًا تقود خيلًا عِرابًا قد قطعت دجلة وانتشرت في بلادها.

١٢- روى ابن أبي الدنيا عن عبد الرحمن ابن عوف -- قال: لما ولد رسول الله هتف هاتف على أبي قبيس وآخر على الحجون فقال الذي على جبل الحجون:

فأقسم ما أنثى من الناس أنجبت

ولا ولدت أنثى من الناس والدة (١٠)

كما ولدت زُهرية ذات مفخر

مُجنّبة لؤم القبائل ماجدة

فقد ولدت خير البرية أحمدًا

فأكرم بمولود وأكرم بوالدة (١١)

 

اليُتم في حياة الرسول

توفي عبد الله والرسول جنين في بطن أمه، ولعبد الله يوم توفي خمس وعشرون سنة (١٢) وتوفيت الأم ولم يبلغ بعد سبع سنين (١٣)، فنشأ الرسول يتيمًا لا أب يريش جناحه ولا أم تضمد جراحه.

أخذ الإله أبا الرسول ولم يزل

برسوله الفرد اليتيم رحيمًا

نفسي الغداء لمفرد في يتمه

والدر أحسن ما يكون يتيما

ولقد كان اليتم حجر أساس وحجر الزاوية في حياة رسول الله ، ذلك أن الإنسان إذا ذهب إلى محل لآلئ ليشتري لؤلؤة تحدد لها ثمنًا معينًا، وكلما انعدمت النظائر ارتفع الثمن، حتى إذا وجدت لؤلؤة لا نظير لها كانت أكثر اللآلئ ثمنًا وتسمى «باللؤلؤة اليتيمة» في هذه الحالة.

ويرحم الله أمير الشعراء شوقي إذ يقول:

وصفت باليُتم في القرآن تكرمهً *** وقيمة اللؤلؤ المكنونِ في اليُتمِ.

وإذا انتقلنا إلى الاحتفال بذكراه فإنه من الثابت أن الدولة الفاطمية (١٤) هي التي استحدثت الاحتفال بمولد الرسول ، فالاحتفال بالمولد النبوي الشريف لم يفعله رسول الله ولا خلفاؤه الراشدون ولا غيرهم من الصحابة.

قال الحافظ بن حجر رحمه الله تعالى: أصل عمل المولد بدعة لم تنقل عن أحد من السلف الصالح من القرون الثلاثة ولكنها مع ذلك اشتملت على محاسن وضدها فمن تحرى في عمله المحاسن وتجنب ضدها كان بدعة حسنة ومن لا فلا، وقد ظهر لي تخريجه على أصل ثابت في الصحيحين من أن النبي قدم المدينة فوجد اليهود يصومون يوم عاشوراء فسألهم... فقالوا: هو يوم أغرق الله فيه فرعون ونجى موسى فنحن نصومه شكرًا لله تعالى... فقال : «نحن أوْلي بموسى منكم» فيستفاد منه فعل الشكر على ما مُن به في يوم معين من إسداء نعمة أو دفع نقمة... وأي نعمة أعظم من مولد رسول الله قال تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ ﴾ (آل عمران: 164).

وقال السيوطي رحمه الله تعالى: قد ظهر لي تخريجه على أصل أخر وهو ما أخرجه البيهقي عن أنس أن النبي عق عن نفسه بعد النبوة مع أنه قد ورد أن جده عبد المطلب قد عق عنه في سابع ولادته، والعقيقة لا تعاد مرة ثانية فيحمل ذلك على إظهار للشكر على إيجاد الله إياه رحمة للعالمين، كما كان يُصلي على نفسه فيستحب لنا إظهار الشكر بمولده بالاجتماع وإطعام الطعام والصلاة عليه.

وقال في شرح سنن ابن ماجه: الصواب أنه من البدع الحسنة المندوبة إذا خلا من المنكرات شرعًا لما فيه من تعظيم قدر النبي وإظهار الفرح والاستبشار بمولده.

وقال إمام القراء الحافظ شمس الدين الجوزي في كتابه «عرف التعريف بالمولد الشريف»: رؤي أبو لهب بعد موته في النوم فقيل له ما حالك؟ فقال في النار... إلا أنه خفف عني كل يوم اثنين فأمص من بين إصبعي هاتين ماء بقدر هذا وأشار برأس إصبعيه وإن ذلك بإعتاقي ثويبة جاريتي عندما بشرتني بولادة النبي وبإرضاعها له. (١٥)

وإذا كان أبو لهب الكافر الذي نزل القرآن بذمه جوزي في النار بفرحه ليلة المولد النبوي بالتخفيف عنه، فما حال المسلم الموحد من أمة محمد ببشره وسروره بمولده، وقد ذكر نحوه الحافظ شمس الدين محمد بن ناصر الدين الدمشقي رحمه الله الذي أنشد:

إذا كان هذا كافرا جاء ذمُه

بتبِتْ يداه في الجحيم مُخلِّدا

أتى أنه في يوم الاثنين دائمًا

يُخفف عنه للسرور بأحمدًا

فما الظنُّ بالعبد الذي كان عمره

بأحمد مسرورا ومات موحدًا

وقال الشيخ الإمام جمال الدين بن عبد الرحمن ابن عبد الملك المعروف «بالمخلّص الكتاني» رحمه الله تعالى: مولد رسول الله مُبجَّل مكرَّم قدَّس يوم ولادته وشرَّف وعظّم، فشابه هذا اليوم يوم الجمعة من حيث إن يوم الجمعة لا تُسعِّر فيه جهنم هكذا ورد عن رسول الله ، فمن المناسب إظهار السرور وإنفاق الميسور وإجابة من دعاه رب الوليمة للحضور.

وقال الإمام العلامة ظهير الدين جعفر التزمنتي: هذا الفعل لم يقع في الصدر الأول من السلف الصالح مع تعظيمهم وحبهم لرسول الله .... وهي بدعة حسنة إذا قصد فاعلها جمع الصالحين والصلاة على النبي وإطعام الطعام للفقراء والمساكين، أما جمع الرعاع، والرقص وخلع الثياب على القوال لحسن صوته فلا يندب.

وقال الشيخ نصر الدين بن المبارك: ليس هذا من السنن، ولكن إذا أنفق في هذا اليوم وأظهر السرور فرحًا بدخول النبي في الوجود وإنشاد ما يُشوَّق إلى الآخرة، ويزهد في الدنيا، فهذا اجتماع حسن يُثاب قاصد ذلك وفاعله عليه، فالبدعة الحسنة متفق على جواز فعلها والاستحباب لها ورجاء الثواب لمن حسُنت نيته فيها وهي كل مبتدع موافق لقواعد الشريعة غير مخالف لشيء منها ولا يلزم من فعله محذور شرعي، مثل بناء المساجد والمنابر وغير ذلك من أنواع البر التي لم تعهد في الصدر الأول فإنه موافق لما جاءت به الشريعة.

أما الإمام العلامة تاج الدين الفاكهاني المالكي رحمه الله فقال: إن عمل المولد بدعة مذمومة وألف في ذلك كتابًا ورُدّ عليه في فتاوى الشيخ الحافظ.

وقال النووي رحمه الله تعالى في «تهذيب الأسماء واللغات»: البدعة في الشرع هي ما لم يكن في عهد رسول الله وهي منقسمة إلى حسنة وقبيحة.

وقال الشيخ عز الدين بن عبد السلام رحمه الله في القواعد: البدعة منقسمة إلى واجبة ومحرمة ومندوبة ومكروهة ومباحة.

وروى البيهقي في مناقب الشافعي عن الشافعي رحمه الله تعالى ورضي عنه قال: المحدثات من الأمور ضربان:

أحدهما: ما أحدث مما يخالف كتابًا أو سنة أو أثرًا أو إجماعًا فهذه البدعة أو الضلالة، والثاني: ما أحدث من الخير لا خلاف فيه لواحد من هذا، وهذه محدثة غير مذمومة، فإطعام الطعام الخالي من اقتراف الآثام إحسان، وهو من البدع المندوبة كما في عبارة ابن عبد السلام.

فالصحيح أن تقول: إن أصل الاجتماع لإظهار شعائر المولد مندوب وقربة، وما ضم إليه من بعض الأمور مذموم وممنوع.

الاحتفال الحق بالذكرى

ويكون ذلك بطاعته وإحياء سنته والتمسك بشريعته عملًا بقول الحق سبحانه: ﴿وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ﴾. (الحشر: 7)، فيجب علينا أن نلتف دائمًا حول مائدة الإسلام، كما نلتف حول مائدة الطعام، لأن المائدة الإسلامية عليها أيضًا أطباق متعددة شهية فيها: ذكرَ وصلاةٌ وشكرٌ ومناجاةٌ، وصلاةٌ على الحبيب، وقرأن به تطيب، وفقهٌ وتعليمٌ، وعطفٌ على اليتيم، وأمرّ بالمعروف، وغوثٌ للملهوف، «وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها».

الهوامش:

١- رواه ابن سعد ورجاله ثقات «الطبقات 1/63 القسم الأول».

٢- «الوفا 1/94».

٣- حديث مسلم كتاب الصيام حديث رقم ١٩٧ ومسند أحمد 2/200، 230 وسنن أبي داود 1/241 كتاب الصيام باب صوم الدهر تطوعًا.

٤- ساوة: مدينة بين الري وهمذان، وغاضت أي جفّ ماؤها.

٥- الوفا (1/97).

٦- البُرْمة: إناء كان يوضع على المولود من تحت الليل فلا ينظرون إلى المولود حتى يصبحوا.

٧- الوفا (1/٩٥).

٨- هامش ط في قصة إهلاك أصحاب الفيل للحافظ الدمياطي في سيرته.

٩- المربذان اسم لحاكم المجوس، مثل قاضي قضاة المسلمين..

١٠- والدة: واحدة

١١- والدة: أم.

١٢- طبقات ابن سعد 1/168 القسم الأول.

١٣- السيرة النبوية لابن هشام 1/168، کما قیل أربع سنین، وقيل ست، وقيل سبع، وقيل تسع، وقيل خمس، وفي قول اثنتي عشرة سنة وشهر وعشرة أيام.

١٤- الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (١1/172)، والدولة الفاطمية هي التي حكمت مصر الفترة (357 - 567هـ). المقريزي في كتاب المواعظ والاعتبار (1/490) وغيرهم كثير.

١٥- رواه الإمام البخاري في صحيحه.

 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 1157

73

الثلاثاء 11-يوليو-1995

المجتمع التربوي (1157)

نشر في العدد 1159

91

الثلاثاء 25-يوليو-1995

المجتمع التربوي(1159)

نشر في العدد 1160

66

الثلاثاء 01-أغسطس-1995

المجتمع التربوي (1160)