; المجتمع التربوي (1157) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع التربوي (1157)

الكاتب د.عبدالحميد البلالي

تاريخ النشر الثلاثاء 11-يوليو-1995

مشاهدات 73

نشر في العدد 1157

نشر في الصفحة 52

الثلاثاء 11-يوليو-1995

  • وقفة تربوية «عندما يمدحك الآخرون»

كثيرًا ما يتعرض المرء للمديح من قِبَل الآخرين، إما لعمل صالح قام به أو رغبة من المادح للتقرب من الممدوح، أو درءًا لشرِّه، وهي فرصة كبيرة للشيطان ليدخل على ابن آدم لحظة الثناء لينفث فيه سمومه بالانتفاش تارة، وبالتعالي على الخلق تارة أخرى، وأسوأ ما يصل إليه من هذا المدخل أنه يوقفه عن العمل الصالح إذا خلا من الثناء، وقد يدخل في جدال عميق مع الآخرين إذا افتقد عندهم الثناء، وكأنه حق مكتسب قد سلبوه منه وعندما يصل المرء إلى هذه الدرجة فقد وضع قدمه على شفير جهنم، حيث إنه لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصًا له سبحانه وتعالى.

وعلاج هذا الأمر إنما يتم بمحاسبة المرء لنفسه، وعدم الاتكال على ما يقوله الناس في حقه، وألا يصرفه الثناء في حقيقة ما يعرفه عن نفسه، فهذا هو الطود الأشم من التابعين محمد بن واسع يقول بكل تجرد وتواضع ومعرفة لدواخل نفسه «لو أن للذنوب ريحًا ما جلس إليَّ منكم أحد» وظل هذا الأمر يراوده حتى في لحظاته الأخيرة من عمره، وهو على فراش الموت يوقن بأن ما ناله من ثناء الناس لن ينفعه وهو يغادر من عالم الدنيا إلى عالم الآخرة، حيث يقول: «ما يغنِي عنِّي ما يقول الناس إذا أخذ بيدي ورجلي فألقيت في النار» «الورع ص 91» هكذا يجب أن تكون حساسية الداعية وفرق أن يكون سيدًا لنفسه أو عبدًا لها.

أبو بلال

محنة الداعية

محن الداعية كثيرة في هذا العصر متنوعة ومتشكلة ما بين معارضة الكفر له والسجن والتعذيب والنفي، واليوم تظهر محنة جديدة في ثوبها لا تقل خطرًا على الداعية والدعوة مما سبق ذكره.

تكمن هذه المحنة في استرخاء الهمة والركون إلى الراحة، ومن ثَمَّ إلى اللهو والغفلة والجلوس في فراغ، وربما يصل سريعًا إلى اللغو والانحراف.

هكذا تتآكل إرادة الداعية وهمته شيئًا فشيئًا يتألم خلالها نفسيًّا حتى يفتر ويقعد متخلفًا عن الركب السائر إلى الله، ناسيًا قول الرسول ﷺ: «نعمتان من نعم الله مغبون فيهما كثير من الناس الصحة والفراغ» (متفق عليه)

إن الداعية الحق لا يملك نفسه حتى يسوغ له أن يمنح نفسه ساعة يخلد فيها إلى الدعة والراحة ناهيك عن إجازة تعد بالأيام، كما أن فضول الأوقات التي يعطيها البعض للدعوة ليست قليلة ومحدودة فحسب، بل هي أردأ ساعات اليوم حيث يكون فيها الذهن والجسم مرهقين.

لذا على الداعية اغتنام وقته في سبيل فكرته التي آمن بها وأيقن أنها مستقاة من كتاب الله -عز وجل- ومن سنة رسول الله ﷺ «وأن يسارع ويسابق في فعل الخيرات ممتثلًا قول الله -عز وجل- ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا ۖ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ۚ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا ﴾ (البقرة:148) وقوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إلىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (آل عمران: 133).

وألا يدع وقتًا يضيع هدرًا ولا أن يكون في فراغ فمفسدته أية مفسدة.

قال الشاعر:

لقد هاج الفراغ عليه شغلا                 وأسباب البلاء من الفراغ 

وأجمل ما أختم ما بثته شجوني للدعاة قول أبي الأعلى المودودي -رحمه الله-: «إنه من الواجب أن تكون في قلوبكم نار متقدة تكون في ضرامتها على الأقل مثل النار التي تتقد في قلب أحدكم عندما يجد ابنًا له مريضًا فلا تدعه حتى تجره إلى الطبيب، أو عندما لا يجد في بيته شيئًا يسدُّ به رمق حياة أولاده ولا تزال تقلقه وتضطره إلى بذل الجهد والسعي، ولذلك فإنه من الواجب أن تكون في صدوركم عاطفة صادقة تشغلكم في كل حين من أحيانكم بالسعي في سبيل غايتكم وتعمر قلوبكم بالطمأنينة، وتكسب لعقولكم الإخلاص والتجرد، وتركز عليها جهودكم وأفكاركم بحيث إن شئونكم الشخصية وقضاياكم العائلية إذا استرعت اهتماماتكم فلا تلتفتون إليها إلا مكرهين وعليكم بالسعي إلى ألا تنفقوا لمصالحكم وشئونكم الشخصية إلا أقل ما يمكن من أوقاتكم وجهودكم فتكون معظمها منصرفة لما اتخذتم لأنفسكم من الغاية في الحياة».

أسأل الله بمَنِّه وكرمِهِ أن نكون من الذين يستغلون أوقاتهم في طاعة الله سبحانه.

عدنان محمد القاضي

آلام وآمال

توقير الرسول 

﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ﴾ (الكهف: 110) فالرسول الله ﷺ مع بشريته يأتيه وحي السماء في أيَّةِ لحظة من ليل أو نهار، وتلك منزلة لا يدركها غير المرسلين الذين اصطفاهم رب العالمين الله يصطفي من الملائكة رسلًا ومن الناس، ولذا حين ذهب أبو بكر وعمر لزيارة أم أيمن بعد وفاة الرسول ﷺ وجداها تبكي وسألاها عمَّ يبكيها؟ قالت: أبكي لانقطاع الوحي من السماء، فهيجتهما على البكاء.

من هذا الباب كان التفرُّد والامتياز إلى جانب الخصائص النفسية التي امتاز بها الرسول

 محمد ﷺ والتي لم يدركه فيها غيره من بني الإنسان، فكان بحق كما قال البوصيري: «يا سماء ما طاولتها سماء»، فكان سماء في عبادته، سماء في عبوديته، سماء في رحمته بالمؤمنين، سماء في صفحهِ وعفوهِ، سماء في جده واجتهاده، سماء في عدله وحكمه، وغير ذلك من الصفات التي جعلت منه ﷺ موقظ أمة من سُباتها، ومخرجها من الظلمات إلى النور، فقادت العالم، وبعثت حضارة، وأوجدت نهضة مباركة مهتدية بهُدَى الله مستظلة بتعاليمه وتعاليم رسوله. فمن كرسول الله أحق بالتوقير وهو السراج المنير كما أخبر الله سبحانه وبذلك في قوله: ﴿  يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا *وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا ﴾ (الأحزاب:45-46) وقال سبحانه: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا* لِّتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ (الفتح: 8) والذين شاهدوا الرسول ﷺ وعرفوه بلغ من حبهم له وتوقيرهم إياه مبلغًا يعلو على الوصف ويكاد يثير الدهشة والغرابة عند غير المؤمنين وعند بعض المؤمنين وهذا ما عبر عنه عروة بن مسعود الثقفي أحد مفاوضي قريش في صلح الحديبية حين قال: «ما رأيت أحدًا يحب أحدًا كحب أصحاب محمد محمدًا».

قد يوجد الحب بغير توقير، وقد يوجد التوقير بغير حب، ولكن أن يجتمع التوقير والحب لشخص ما من عارفيه ومخالطيه فتلك هي الدرجة التي لا يصل إليها إلا الأقلون، وفي مقدمتهم الرسول ﷺ الذي بلغ من حب أصحابه أن كان أحدهم يتترس على رسول الله حتى لا تصيبه سهام الأعداء، وكان أحدهم ثابت بن قيس يمكث في بيته معتزلًا جماعة المسلمين لأن له صوتًا جهوريًّا يعلو في مجلس رسول الله حتى ظن أنه هالك بسبب ذلك فاعتزل المسلمين، وتفقده رسول الله ﷺ وأرسل من يبشره أنه من أهل الجنة، وحتى إن أبا أيوب الأنصاري بعدما استضاف رسول الله عقب هجرته إلى المدينة واختار الرسول أن ينزل في أسفل الدار لسهولة تعامله مع الناس، ونزل أبو أيوب في أعلاها، وذات ليلة انقلب وعاء الماء عند أبي أيوب فظل ليله هو وزوجه يمسحان الماء حتى لا يتساقط شيء منه على الرسول ﷺ، وبلغ من توفير الرسول ﷺ وحبه أن فعل الصحابة رضوان الله عليهم كما يفعل، حتى إن عبد الله بن عمر كان يقيل تحت شجرة قال تحتها رسول الله ﷺ، وكان ينزل في أماكن لا حاجة له فيها اقتداء بنزول رسول الله له فيها، وأبَى أبو بكر أن يرقى المنبر بعد رسول الله ﷺ، وأن يقف في نفس مكان الرسول ﷺ فنزل درجة، ولما تولَّى عمر الخلافة أبَى أن يقف في نفس مكان أبي بكر فنزل درجة، وتلك بعض آثار الصحابة للرسول الله ﷺ وامتد هذا التوقير في نفوس المسلمين حتى إن الإمام مالك بن أنس إمام دار الهجرة أبَى أن يركب دابة فوق أرض المدينة حتى لا تطأ بحافرها أرضًا تضم جسد رسول الله ﷺ. ولسوف يبقى هذا التوقير للرسول الرحيم بالمؤمنين ما بقيت أرض وسماء، وما عرف الناس حبًّا ووفاء.

فما صورة هذا التوقير اليوم؟

لن يكون حب أو توقير بغير طاعة، وكيف تحب من تعصيه وكيف توقر من تخالف منهجه ولا ترتضيه؟ فالطاعة القائمة على الإخلاص لله ولرسوله ومحاولة الاقتداء به التي تزداد مع الأيام هي التي تؤدي إلى الحب والتوقير، فتدفع المؤمن ليعتز بدين الله، وليتخذ خطواته في الحياة على منهج الرسول، ويدرك في قلبه أنه يعلي من شأن نفسه حين يرتبط مع رسول الله ﷺ بوشيجة الحب والتوقير والعمل والعطاء لهذا الدين من نفسه وماله ووقته بعض ما أعطاه رسول الله ليستقيم الناس على هُدى الله، وكلما ازداد المؤمن قربًا من المنهج الصحيح ازداد حبًّا وازداد شوقًا وازداد توقيرًا، وشعر بالرضا والسعادة، واتخذ قلمه ولسانه وبيانه سلاحًا يقل به شبهات المعاندين والجاحدين، وهو يعتقد أنه في معركة الحق مع أنصار الباطل، وأنه يبذل من أجل الحب والتوقير للرسول محمد الأمين، وبذلك يكون على المنهج ويحق له أن يعتز بأنه من الناجين لا من الهالكين، وهذا ما أخبر به الرسول ﷺ في قوله: «إنما مثلي ومثل ما بعثني الله به كمثل رجل أتى قومًا فقال: يا قوم، إني رأيت الجيش بعيني، وإني أنا النذير العريان فالنجاء النجاء، فأطاعه طائفة من قومه فأدلَجوا، فانطلقوا على مهلهم فنجوا، وكذبت طائفة منهم فأصبحوا مكانهم فأصابهم الجيش فأهلكهم واجتاحهم، فذلك مثل من أطاعني فاتبع ما جئتُ به، ومثل من عصاني وكذب ما جئت به» (متفق عليه)

ففي طاعة الرسول نجاة أية نجاة، وفي معصيته ومخالفة أمره خسران وبوار، وكم كان ﷺ حريصًا على هداية أمته حتى أنزل الله عليه قوله ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰ آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَٰذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾ (الكهف: 6)، وصدق من سماه الرؤوف الرحيم ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ (التوبة: 128)

والسائرون على منهج رسول الله ﷺ عليهم أن يبينوا ذلك للناس، حتى لا يضلوا أو يزيغوا، وعليهم أن يناوئوا بالحُجة والموعظة الغافلين السادرين في غيهم يعمهون وراء أصحاب الضلالات والشبهات المفترين على رسول الله ﷺ الكذب والزور ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ ۚ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْكَافِرِينَ﴾ (الزمر: 32) وبذلك يكونون قد أدوا بعض واجبهم نحو رسولهم محمد ﷺ وقد كشفوا من أنفسهم عن شيء من الحب وشيء من التوقير للرسول العظيم.

السقوط ظاهرة مَرَضيَّة في الدعوات الربانية

بقلم: شوقي محمود الأسطل

قال صاحب مختار الصحاح: الساقط هو اللئيم في حسبه ونفسه، ويقال قوم سَقطَى أي مرضى والسقطة بالفتح أي العثرة والزلة، هذا في المعنى اللغوي.

أما السقوط في الاصطلاح الدعوي فيعني النكوص وترك الطريق، قال تعالى واصفًا المنافقين ﴿أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ (التوبة: 49).

والسقوط ظاهرة قديمة قدم البشرية، إذ كان أول الساقطين في التاريخ هو إبليس الذي تمرد على أمر الله بالسجود لآدم عليه السلام.

وقد كان أرباب اليقين يخافون على أنفسهم من السقوط إذ القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن، لذا فقد كان شعار عمار -رضى الله عنه- «أعوذ بالله من فِتَنهِ» رواه البخاري.

وقد أشار طبيب القلوب ﷺ إلى أحوال الخلق عند ورود الفتن المؤدية إلى السقوط فقال: «تعرض الفتن على القلوب عودًا عودًا فأي قلب أشربها نكت فيه نكتة سوداء، وأي قلب أنكرها نكت فيه نكتة بيضاء، حتى تصير على قلبين على أبيض مثل الصفا فلا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض، والآخر أسود مربادًا كالكوز مجخيا لا يعرف معروفًا ولا ينكر منكرا إلا ما أشرب من هواه» (رواه مسلم).

وينبغي على أصحاب الدعوات وهم يتعاملون مع هذه الظاهرة أن يتعرفوا على أسبابها ليكونوا على حذر، إذ المعصوم من عصمه الله، ونحن عَبر هذه المقالة لا نستطيع تسليط الضوء على جميع الأسباب، لذا فإننا سنكتفي بذكر بعضها:

1 - غياب الإخلاص أو نقصه: إذ كل ما لا يراد به وجه الله يضمحل، كما يقول الربيع بن خثيم -رحمه الله-، ويشير ابن الجوزي إلى نفس المعنى فيقول: «إنما يتعثر من لم يخلص».

ويوصي الإمام البنا -رحمه الله- باليقظة والحذر من هؤلاء الساقطين فيقول: «وإن كان فيكم مريض القلب معلول الغاية مجروح الماضي؛ فأخرجوه من بينكم فإنه حاجز للرحمة حائل دون التوفيق».

2 - تتبع عيوب الآخرين: وهي طامَّة كبرى منذرة بالسقوط، ولذلك فإن من علامات الاستدراج للعبد عماه عن عيبه واطلاعه على عيوب الناس.

وقال التابعي الجليل عون بن عبد الله: «ما أحسب أحدا تفرغ لعيب الناس إلا من غفلة غفلها عن نفسه».

وقال ابن قتيبة لأحد من ابتلوا بهذا المرض: «قد استدللت على كثرة عيوبك بما تكثر من عيب الناس لأن الطالب للعيوب إنما يطلبها بقدر ما فيه منها».

ويحذر أحد الحكماء من الاتصاف بهذا الخلق المذموم فيقول: «لا تكن كالمنخل يرسل أطيب ما فيه ويمسك الحثالة».

فالخوف كل الخوف على الدعوات من تسلل أمثال هؤلاء إلى صفوفها، وعلى الدعاة الحذر من وجود هذا الصنف بينهم واندساسه وسطهم ولكَمْ جَرَّ وجود أمثال هؤلاء على الدعوات من فتن وصد للناس عن سبيل الحق.

3 - الطبيعة الفوضوية: فصاحب هذه الطبيعة فساده في الصف أكثر من إصلاحه، لذا فإنه لما سئل نافع -رحمه الله- هل يحمل الرجل إذا كان في الكتيبة بغير إذن إمامه؟ فقال: «لا يحمل إلا بإذن»، وقد نصح أحد الصالحين الإمام البنا -رحمه الله- بعدم قبول الفوضوي في الصف وإن كان صالحًا، لأن الصالح الذي لا يحترم النظام، ولا يقدر معنى الطاعة ربما ينفع منفردًا، ولكنه يفسد نفوس الجماعة، يغريها بصلاحه ويفرقها بخلافه، والناس إذا رأوا واحدًا خارج الصف لا يقولون: خرج واحد، ولكن يقولون صف أعوج.

4 - وجود المنافقين في الساحة: وهو داء لم ينجُ منه حتى مجتمع خير القرون في زمن رسول الله ﷺ ، لم يسلم أفضل الخلق من أذى هذا النبت الطفيلي الخبيث وما حادثة الإفك بغائبة عن أذهاننا، بل لقد تفتقت مخططاتهم الخبيثة عن مشروع بناء مسجد لاتخاذه وكرًا لحَبْكِ مؤامراتهم والكيد للجماعة المسلمة وعلى رأسها رسول الله ﷺ، وما زال منافقو عصرنا سائرين على نهج أسلافهم، فكم من مؤسسة أقاموها، أو دعوة إصلاحية أطلقوها ظاهرها فيه الرحمة وباطنها يشتمل على المكر والخديعة والتغرير بالسُّذج من الناس ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ*أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَٰكِن لَّا يَشْعُرُونَ﴾ (البقرة: 11-12).

فكم من ضعيف قد غرروا به فأركسوه، وكم من عامل قد ثبطوه وصدق الله إذ يقول في شأنهم ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ (التوبة: 47).

يقول الشهيد سيد قطب «والقلوب الحائرة تبث الخور والضعف في الصفوف، والنفوس الخائنة خطر على الجيوش، ولو خرج أولئك المنافقون من الصف ما زادوا المسلمين إلا قوة بخروجهم، بل لزادوهم اضطرابًا وفوضى ولأسرعوا بينهم بالوقعة والفتنة، والتفرقة والتخذيل، وفي المسلمين من يسمع لهم في ذلك الحين، ولكن الله الذي يرعى دعوته ويكلأ رجالها المخلصين كفى المؤمنين فترك المنافقين المتخاذلين قاعدين».

«في ظلال القرآن جـ 3 ص 1663».

فهؤلاء يشكلون نقطة الضعف في البناء الداخلي المتماسك، ويمثلون الداء الخبيث الكامن في الجسد والطابور الخامس المتآمر الماد يده بكل عدو، المتربص بجند الحق، ولكن لن يكون حالهم بإذن الله أفضل من حال أسلافهم الذين قال الله فيهم: ﴿لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِن قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ حَتَّىٰ جَاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَارِهُونَ﴾ (التوبة: 48) نعم سيأتي أمر الله في نهاية المطاف وتعلو راية الحق وتسقط كل الرايات المشبوهة في حقل العمل الدعوي ﴿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هُوَ ۖ قُلْ عَسَىٰ أَن يَكُونَ قَرِيبًا﴾ (الإسراء: 51).

5 - الاندفاع والتهور وتعجل القطاف: وهي طبيعة بشرية أشار إليها النبي ﷺ في نهاية حديث خباب «ولكنكم تستعجلون» لذا فإنها تحتاج إلى مجاهدة لكبح جماحها والحد من غلوائها، إذ إن عاقبتها الخسارة والحرمان لمصادمتها لسنن الله في خلقه، يقول الإمام البنا في رسالة المؤتمر الخامس: «أيها الإخوان وبخاصة المتحمسون المتعجلون منكم اسمعوها منِّي كلمة عالية داوية.. إن طريقكم هذا مرسومة خطواته موضوعة حدوده، ولست مخالفًا هذه الحدود التي اقتنعت كل الاقتناع بأنها أسلم طريق للوصول أجل قد تكون طريقًا طويلة ولكن ليس هناك غيرها، إنما تظهر الرجولة بالصبر والمثابرة والجد والعمل الدائب، فمن أراد منكم أن يستعجل ثمرة قبل نضجها فلست معه في ذلك بحال، وخير له أن ينصرف عن هذه الدعوة إلى غيرها من الدعوات، ومن صبر معي حتى تنمو البذرة وتنبت الشجرة، وتصلح الثمرة، ويحين القطاف فأجره على الله أيها الإخوان الجموا نزوات العواطف بنظرات العقول، وأنيروا أشعة العقول بلهب العواطف وألزموا الخيال صدق الحقيقة والواقع، واكتشفوا الحقائق في أضواء الخيال الزاهية البراقة، ولا تميلوا كل الميل فتذروها كالمُعَلَّقَةِ، ولا تُصادموا نواميس الكون فإنها غلَّابة، ولكن غالبوها واستخدموها وحولوا تيارها واستعينوا ببعضها على بعض، وترقبوا ساعة النصر وما هي منكم ببعيد».

ما أعظمها من كلمات وما أجدرها بتأمل الدعاة المخلصين في كل عصر وحين صدرت من إمام مجدد أنار الله بصيرته وألهمه رشده فأحيا به أمة بعد طول سُبات، وذلك الفضل من الله يؤتيه من يشاء.

نماذج من الساقطين

1 - من أشهر الساقطين في الدعوات السابقة قارون، قال تعالى: ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَىٰ فَبَغَىٰ عَلَيْهِمْ﴾ (القصص: 76)

قال الحسن: هو ابن عم موسي وقال قتادة كان يسمى المنور لحسن صوته بالتوراة.. وقد كان المال سبب سقوطه كما قص علينا القرآن. 

2 - ومنهم كذلك بلعام بن باعوراء الذي وردت الإشارة إليه في سورة ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا﴾ (الأعراف: 175).

قال كعب: إنه كان يعلم الاسم الأعظم وكان قومه يقدمونه في الشدائد للدعاء لأنه كان مجاب الدعوة، وقد أرسله موسى إلى ملك مدين يدعوه فغرر به الملك بالمال فتبع دينه وترك دين موسى.

3 - عبيد الله بن جحش زوج أم المؤمنين رملة بنت أبي سفيان، وقد أسلم قديما بمكة، ثم هاجر بدينه إلى الحبشة مع زوجه، وفي تلك البلاد التف على رفقة سيئة من نصارى الحبشة فعاقر الخمر ثم ارتد عن الإسلام واعتنق النصرانية ومات وهو على هذا الحال، والمفارقة العجيبة أن النجاشي ملك تلك الديار قد آمن وترك نصرانيته بينما ارتد هذا الرجل إلى النصرانية.

4 - الرحال بن عنفوة: الذي أرسله الصديق لتثبيت المؤمنين من قوم مسيلمة فلما وصل اليمامة وسمع سجعه ارتد ولحق به ومات مدافعًا عنه.

وفي الختام أقول إن ظاهرة السقوط من الظواهر التي تستدعي من العاملين الوقوف عندها والتعرف على أسبابها من أجل العمل على التقليل من أخطارها والحد من آثارها المدمرة.

مفاهيم تربوية

الكتمان والسرِّية

إن في خطاب يعقوب -عليه السلام- لابنه يوسف -عليه السلام- وصية خالدة حري بدعاة الإسلام أن يقفوا معها، وكما بين ذلك الله -عز وجل- في كتابه الكريم فقال: ﴿قَالَ يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَىٰ إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا ۖ إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنسَانِ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾ (يوسف: 5) يقول الإمام القرطبي في تفسيره: «وفي هذه الآية دليل على أنه من المباح للمسلم أن يحذر أخاه المسلم ممن يخافه عليه، ولا يكون داخلًا في معنى الغيبة لأن يعقوب عليه السلام، قد حذر يوسف عليه السلام ألَّا يقص رؤياه على إخوته فيكيدوا له كيدًا، وفيها أيضًا ما يدل على جواز ترك إظهار النعمة عند من تخشى غائلته حسدًا وكيدًا، وقال النبي ﷺ: «استعينوا على إنجاح حوائجكم بالكتمان فإن كل ذي نعمة محسود» (الجامع لأحكام القرآن للقرطبي).

أخي الداعية: لننظر إلى وصف صاحب تهذيب مدارج السالكين عندما وصف الداعية الخفي فقال: «فلا يتقيد برسم ولا إشارة، ولا اسم ولا بزي، ولا طريق وضعي اصطلاحي، بل إن سئل عن شيخه؟ قال: الرسول ﷺ، وعن طريقه؟ قال: الاتباع، وعن مذهبه؟ قال: تحكيم السُّنة، وعن مقصودهِ ومطلبهِ؟ قال يريدون وجهه وعن رباطه؟ قال في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة» وعن نسبه؟ قال: 

أبي الإسلام، لا أب لي سواه

إذا افتخروا بقيس أو تميم

«تهذيب مدارج السالكين»

وهذا المعنى واضح جلي في حديث سعد بن أبي وقاص، حيث قال له ابنه: «أنت ها هنا والناس يتنازعون في الإمارة؟ فقال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الله يحب العبد التقي الغني الخفي»، وأيضًا مما يؤكد عظم هذا المعنى قول الرسول ﷺ: «رب أشعث أغبر، مدفوع بالأبواب لا يؤبه له لو أقسم على الله لأبره» (متفق عليه)

أخي الداعية: إن أمناء الأسرار أقل وجودًا في هذا الزمان من أمناء الأموال كما قال على - رضي الله عنه: «سرك أسيرك فإذا تكلمت به صرت أسيره»، وقال عمر بن عبد العزيز: «القلوب أوعية، والشفاة أقفالها، والألسن مفاتيحها، فليحفظ كل إنسان مفتاح سره، فقد يكون في بعض الأحيان إخفاء نعم وفضل الله -عز وجل- عليك أيها الداعية خير لك فانتبه لذلك.

خالد يوسف الشطي

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 1901

82

السبت 08-مايو-2010

المجتمع الثقافي (1901)

نشر في العدد 1159

91

الثلاثاء 25-يوليو-1995

المجتمع التربوي(1159)

نشر في العدد 1160

66

الثلاثاء 01-أغسطس-1995

المجتمع التربوي (1160)