العنوان المجتمع التربوي(1159)
الكاتب د.عبدالحميد البلالي
تاريخ النشر الثلاثاء 25-يوليو-1995
مشاهدات 91
نشر في العدد 1159
نشر في الصفحة 50
الثلاثاء 25-يوليو-1995
وقفة تربوية:
«سرعة التوثيق»:
التوثيق أمانة خاصة إذا ترتب عليه أمر من الأمور المصيرية كقيادة الجيش أو التكليف بمهمة عظيمة، أو بزواج، أو يحفظ أموال المسلمين وغيرها من الأمور. وبهذا فلا يجوز التسرع بالتوثيق دون تثبت وصدق وأمانة بالنقل عما رأيته من ذلك المسؤول عنه.
«قال رجل لأمير المؤمنين عمر ابن الخطاب t أن فلانًا رجل صدق.
قال: سافرت معه؟
قال: لا.
قال: فكانت بينك وبينه خصومة؟
قال: لا.
قال: فهل ائتمنته على شيء؟
قال: لا.
قال: فأنت الذي لا علم لك به، أراك رأيته يرفع رأسه، ويخفضه في المسجد» (عيون الأخبار ٣/١٥٨).
وما فائدة دين لا يغرس خلقًا في نفس صاحبه، ولو كانت الصلاة وحدها كافية بالتوثيق، لما قال النبي r في الحديث: «إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه الحديث»، فقد يكون الشخص مرتادًا المساجد، محافظًا على الصلوات، ولكن خلقه سيئ. إننا نحتاج الكثير من التريث والتجرد عند السؤال عن توثيق أحدهم، لكيلا يترتب على تعجلنا ما لا تحمد عقباه فتكون من المساهمين في مآسي الآخرين، أو خسارة المسلمين.
أبو بلال
خواطر على الدرب: السباق
بقلم: خالد على الملا
كثيرًا ما نرى في هذه الدنيا من يتسابق في شؤونها في اكتساب مال أو جاه أو لهو أو غيره من السباقات الدنيوية، ولكن من ينظر إلى سير الصالحين رحمهم الله يراهم يتسابقون إلى جنة عرضها السماوات والأرض.
سباق الخيرات
إنهم وعوا معنى قوله تعالى: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ (البقرة: 148)، وقوله ﴿أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ (المؤمنون: 61)، فكان التطبيق الفعلي في حياتهم وهو السباق نحو العمل الصالح والإكثار من فعل الطاعات.
فهذا رجل يسأل بلالا مولى أبي بكر رضي الله عنهما فيقول: «من سبق؟» فقال: «سبق المقربون» فقال: إنما أسألك عن الخيل فقال له: وأنا أجيبك عن الخير» « الوقت عمار أو دمار».
نعم إنهم قوم قد زكت نفوسهم وسمت مفاهيمهم فعرفوا معنى الحياة الحقيقية، كيف لا وهم من خير القرون «خير القرون قرني» لقد تربوا على يد خير البشرية محمد فقد كان يسير على جبل فقال: «سبق المفردون». قالوا وما المفردون يا رسول الله؟ قال: الذاكرون الله كثيرًا والذاكرات» «رواه مسلم».
وكان دائم الحث لهم فيقول: «بادروا بالأعمال» «رواه مسلم»، فهو يربطهم بالسباق الحقيقي الذي ينتهي «عند أول قدم تضعها في الجنة»، فاستعد أيها الداعية له. وجد واجتهد، وكما يقول الشاعر:
من نام حتى ينقضي ليله لم يبلغ المنزل أو يجتهد
«من كتاب نفحات روحانية».
سباق التقوى:
تقوى الله يسبق بها من ينالها ويرتفع في الدرجات العليا إن شاء الله تعالى، فاحرص عليها أخي المسلم. «فإن استطعت ألا يسبقك إلى الله أحد فافعل»، فهذا القاسم ابن سلام يقول: «دخلت البصرة لأسمع من حماد ابن زيد فإذا هو ميت، فشكوت ذلك إلى ابن مهدي فقال لي: مهما سبقت فلا تسبقن بتقوى الله»، وكان إياس بن معاوية رحمه الله حين ماتت أمه يقول: كان لي بابان مفتوحان إلى الجنة فغلق أحدهما «الوقت عمار أو دمار».
فبادر إلى السباق قبل أن توصد أبواب الخير، وكن من المتقين لتنال الدرجات العليا بإذن مولاك.
سبق في الدنيا:
يقول القاسم بن محمد: «كنا نسافر مع ابن المبارك فكثيرا ما كان يخطر ببالي فأقول في نفسي بأي شيء فضل هذا الرجل علينا حتى اشتهر في الناس هذه الشهرة؟ إن كان يصلي فإنا نصلي، وإن كان يصوم فإنا نصوم فكنا نسير في بعض مسيرنا في طريق الشام ليلة نتعشى في بيت إذا أطفئ السراج، فقام بعضنا فأخذ السراج وخرج يستصبح، فمكث هنيهة ثم جاء بالسراج. فنظرت إلى وجه ابن المبارك ولحيته وقد ابتلت من الدموع فقلت في نفسي بهذه الخشية فضل هذا الرجل علينا، ولعله حين فقد السراج وصار في الظلمة ذكر القيامة «إعلام المسلمين»، هذا هو ابن المبارك الذي علا صيته في كل مكان، فقد كان صاحب السبق في كل ميدان من ميادين الخير فتراه ذلك العالم الجليل، أو الشيخ الوقور، أو المجاهد الجسور، فاستحق السبق على أقرانه في ذلك الزمان.
والآن هذا هو الميدان أيها المسلم فهل تسعى إلى السبق في هذه الدنيا ليتغمدك الله برحمته وتنال الفردوس الأعلى؟ فكن صاحب همة عالية، وليكن لك قدوة الإمام أحمد ابن حنبل، فقد رآه محمد بن إسماعيل الصائغ يعدو ونعلاه في يديه أخذا بمجامع ثوبه. فقال: يا أبا عبد الله ألا تستحي؟ إلى متى تعدو مع هؤلاء؟ فقال: إلى الموت «ذاتية المؤمن طريق البناء».
فلا ترضى بالركود وسابق بقلبك قبل قدمك، فكما يقول يحيى بن معاذ: مفاوز الدنيا تقطع بالأقدام، ومفاوز الآخرة تقطع بالقلوب «المجموع المنتخب من المواعظ والأدب»، فسر على بركة الله تعالى ليرعاك بحفظه.
آلام وآمال:
من ضوابط العمل السياسي الإسلامي«1من2»
شرف الغاية والوسيلة مع العدل والإنصاف
بقلم: جاسم المهلهل الياسين
العمل السياسي في ظل الإسلام محكوم بالضوابط الأخلاقية المستمدة من روح الشريعة الإسلامية، فالغاية في الإسلام لا تبرر الوسيلة، بل إن الوسيلة والغاية كلتيهما لا قيمة لهما إذا انحرفتا أو انحرفت إحداهما عن ميزان الشريعة، والعمل السياسي الواقعي الآن في كثير من بلدان العالم، يعتبر الوسيلة أداة موصلة إلى الغاية يستوي في ذلك شرف الوسيلة أو عدم شرفها ما دامت الغاية قد تحققت.
وكثير من غايات الدول تتحقق في عالم السياسة بوسائل غير شريفة لأغراض قد تكون شريفة حينا الذي كان يغطي كثيرًا من سطح الكرة الأرضية حافل بالمثالب التي ديست فيها الوسيلة ومرغت في الأوحال من أجل الوصول إلى الغاية، وفي سبيل هذه الغاية تقتل نفوس، وتزهق أرواح، وتنهب أموال، وتنتهك أعراض، وتضيع كرامات إلى غير ذلك مما لا صلة له بدين ولا خلق، والعمل السياسي الإسلامي بينه وبين هذه الوسائل الخسيسة حواجز وسدود مهما بلغ الاحتياج إلى تحقيق الغاية، ففي فتوح الشام اضطر المسلمون للتراجع عن بلدة كانوا قد فتحوها وأخذوا من أهلها الجزية مقابل الحماية لهم، فلما تراجع المسلمون عن البلدة ردوا لأهلها أموالهم وقالوا إنما أخذناها منكم مقابل حمايتكم، وقد اضطررنا للتراجع فنحن نرجع إليكم أموالكم، وكان هذا سببا في إسلام أهل هذه البلدة بعد ذلك، وحين فتح الجيش الإسلامي مدينة «سمرقند» بعث أهلها إلى الخليفة يقولون: إن جيش المسلمين لم يلتزم بالقواعد الأساسية حين استولى على المدينة وهي تخيير أهلها بين الإسلام أو دفع الجزية أو الحرب وإنما دخل المدينة محاربًا من أول الأمر، وما كان من الخليفة إلا أن أصدر أمره إلى الجيش بالانسحاب من المدينة والخروج منها، وكان تنفيذ أمر الخليفة سببا في دخول أهل هذه المدينة الإسلام، الذين بهرهم التزام العدل والتمسك بالوسيلة المشروعة في سبيل تحقيق الغاية المشروعة كذلك التي تنأى عن الهوى والرغبة، وتلتزم العدل والقسطاس، ولذا كان العدل والإنصاف من أول الضوابط التي لا بد منها للعمل السياسي الإسلامي.
العدل والإنصاف:
يقول الإمام ابن تيمية: «الأمة العادلة تبقى وإن كانت كافرة والأمة الظالمة تهلك وإن كانت مسلمة».
فالعدل هو ميزان بقاء الأمة وتماسكها أن وجد فيها، وهو سبب انهيار الأمة وهلاكها إأن غاب عنها، ولذا أمر الله به في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إلى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ ﴾( النساء: 58)، وجاء الأمر به في آية مع النهي عن الجور الذي قد تدفع إليه ضغينة من الضغائن قال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ ﴾( المائدة: 8) .
ويوم يسود العدل تتلاشى كثير من المشاكل التي تواجه الأمم، وتذوب العصبيات العرقية والمذهبية وتختفي امتيازات بعض الناس على بعض بدون سبب عملي واقعي ويقبل الناس الأحكام بالرضا والامتثال وإن كانت لغير صالحهم، لأنها إن لم تكن لصالحهم اليوم فستكون لصالحهم غدا، حين يحاول شخص ما أو جماعة ما، أو طائفة ما الاعتداء عليهم فيجدون في رحاب العدل من يكف شر المعتدين، ويزيل الظلم عن المظلومين، وينتصف للضعفاء المستذلين من الأقوياء المستكبرين، فتبقى الأمة، ويقوى بناؤها المبني على أسس متينة من الحق والخير، أو بالعبارة الإسلامية المبني على أسس متينة من التقوى، قال عامر لعمر بن الخطاب t عظني، قال: أوصيك بتقوى الله، ودعوتين ترجو إحداهما وتخاف الأخرى، دعوة لهفان تعينه بالشيء فيدعو لك، ودعوة مظلوم، وهي أوشك صعودا إلى الله وأسرع كرة، وهذا الذي قاله عمر بين به أساس العدل في الأمة وهو تقوى الله، وبين جانبي العدل المتمثلين في معونة المحتاجين ورفع الظلم عن المظلومين بكف يد الظالمين.
وهذا بعينه هو ما فعله ذو القرنين الذي مكن الله له في الأرض وأتاه من كل شيء سببا حين كف الظالمين فقال ما حكاه القرآن الكريم: ﴿قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إلى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا﴾ (الكهف: 87) وأحسن إلى المحسنين فقال ما حكاه أيضًا القرآن الكريم ﴿وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا﴾ (الكهف: 88).
وندرك نحن من قصته التي ذكرها الله في سورة الكهف أن من لوازم العدل نصرة المستضعفين حتى يأمنوا من بطش أعدائهم، فحين وجد من دون السنين قومًا لا يكادون يفقهون قولا ولا يحسنون عملا قالوا: ﴿ قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا ﴾ ( الكهف: 94)، فصنع معهم وبهم سدا ما استطاع الأعداء أن يظهروه وما استطاعوا له نقباء حينئذ رد الأمر كله لله﴿قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي﴾ ( الكهف: 97) .
وللقصة ظلال عديدة وحواشٍ وفيرة كلها تمت إلى العدل بسبب، ولكنا نعرض عن تفصيلاتها لتذكر أن دعائم العدل ثابتة البنيان راسخة الأركان، ولذا تبقى الأمة العادلة، وتدول الأمة الظالمة وقد فهم المسلمون الأولون هذه الحقائق فقاموا بالعدل خير قيام، وحرصوا على تنفيذ أمر الله به، دون نظر إلى من يطبق عليه، وقصة القبطي المصري الذي ضربه ابن عمرو بن العاص والي مصر قصة مشهورة معروفة، حيث اشتكى هذا القبطي إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب الذي جاء بعمرو وابنه، وأمر القبطي أن يضرب ابن عمرو بن العاص فضربه ثم أمره أن يضرب عمرو بن العاص، لأن ابنه ضربك بجاهه لولا أن القبطي اكتفى، وقال: يا أمير المؤمنين قد ضربت من ضربني وقد سجل التاريخ مقولة ابن الخطاب في ذلك: «متي استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا».
بمناسبة أعياد فتح القسطنطينية
أين نحن من هؤلاء؟!
بقلم: محمد عبد الله الخطيب
ملحمة القسطنطينية.. والسلطان محمد الفاتح(833هـ-886هـ):
يقول الرسول: «لتفتحن القسطنطينية، فلنعم الأمير أميرها، ولنعم الجيش ذلك الجيش» الإمام أحمد والحاكم
هذا الدين:
من الجوانب التي تتمثل فيها عظمة هذا الدين عظمة التاريخ الإسلامي، حيث تحولت البشرية في ظله من التيه والضلال والظلام. إلى الاستقرار والهدى النور، لقد حول هذا الدين نفس البشر الذين كانوا يمشون منكبين على وجوههم، تحولوا إلى بشر أسوياء، قوة في الاتجاه الصحيح، وحسن سياسة، وحسن قيادة للإنسانية جمعاء. قيادة حقيقية صادقة بناءة عادلة، قادتهم إلى رضوان الله قادتهم إلى الجنة. يقول الشاعر المسلم يصف مشاعره نحو هؤلاء الأبرار:
الله يعلم ما قلبت سيرتهم يوما وأخطأ دمع العين مجراه
إن البطولات في التاريخ الإسلامي شاهد حي على إعجاز هذا الدين وعظمته، وإنه لشاهد صدق ملموس ومسموع ومنظور يملأ البصر والبصيرة، والقلب ينادينا بأعلى صوت. إن طريق انطلاقكم، وبداية صولتكم وجولتكم بل بداية وجودكم وصناعة بطولاتكم من هنا من دينكم الذي ارتضاه الله لكم فهو المعين المعطاء الذي لا ينضب، ولن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها.
سيرة حياة:
وحديثنا اليوم عن إحدى هذه البطولات لنرى من خلالها عمليًا، كيف تحققت سنة الله الكونية، وسنن النصر، ونبوءة رسولنا وهي الحديث الصحيح الذي صدرنا به هذا المقال ورواه الإمام أحمد في مسنده والحاكم في مستدركه، وفيه التأكيد على فتح القسطنطينية والثناء على الجنود الذين يقتحمونها ويفتحونها، والثناء على القائد الذي يقودهم في هذا الفتح العظيم.
مولده وأعماله:
هو محمد الثاني بن مراد الثاني بن محمد الأول، ولد في شهر رجب ٨٣٣هـ وتولى الحكم وهو شاب لم يتجاوز عمره اثنتين وعشرين سنة، وحكم لمدة ثلاثين سنة. وتوفي سنة ٨٨٦هـ رضي الله عنه وأرضاه.
لقد اشتهر في التاريخ بلقب محمد الفاتح، وهو من القلائل النادرين في التاريخ العالمي الذين ظهرت بطولاتهم في هذه السن المبكرة، لقد ورث محمد الفاتح دولة قوية. كانت كفيلة بجعله يعيش في دنيا الرفاهية والنعيم يتنقل فيهما كيف يشاء، لكنه صمم على ترك هذا كله، وانشغل بالجهاد في سبيل الله وعزم على زيادة الديار الإسلامية وتركزت أعماله على تحقيق حلم طالما راود المسلمين مدة تقارب ألف عام، وهي فتح القسطنطينية، ولهذه المدينة أهمية كبرى منذ قيامها في سنة ٣٤٤م على يد قسطنطين الأول، والذي نسبت إليه في تسميتها، كانت تجذب الأنظار إليها، ليس فقط لأنها خلفت مدينة روما كعاصمة للإمبراطورية الرومانية الكبيرة، ولكن لأنها أصبحت تضارع روما بل تفوقها في جمال تخطيطها وعظمة جبالها واتساع رقعتها، ووفرة ثرواتها واستراتيجية موقعها وحصانته.
ولقد نسب إلى نابليون بونابرت قوله: لو كان للعالم كله عاصمة واحدة، لكانت القسطنطينية، حيث إنها ملتقى طبيعي لآسيا وأوروبا، يمكن أن تلتف حوله القارتين، ولقد أصبحت معقل الآمال بعد أن أخبر رسولنا الصادق الصدوق بفتحها وأكد ذلك. في أكثر من حديث، ونص عليها بالاسم ففي الحديث الذي رواه الديلمي عن عمرو بن عوف يقول صلوات الله وسلامه عليه: «لا تقوم الساعة حتى يفتح الله على المؤمنين القسطنطينية الرومية بالتسبيح والتكبير» لقد تم هذا الفتح العظيم على يد الشاب المجاهد العظيم محمد الفاتح، وكان هذا الفتح أعظم ضربة سددها الإسلام لعدو طالما هدد بلاد المسلمين، وهو أوروبا الحاقدة على الإسلام، والكارهة له.
وقفة:
لكن قبل أن ندخل في تفصيلات الفتح أجد أنه لا بد من الإشارة إلى سر النبوغ المبكر جدا في شاب مثل محمد الفاتح، ما الذي أهله لهذا الدور في هذه السن؟ وما العوامل التي صنعت منه هذا البطل؟ إنه يذكرني دائما بأسامة بن زيد t. «وقد قاد جيوش المسلمين في بعض الغزوات وهو في سن تتقارب عمر محمد الفاتح».
إن أسامة بن زيد الذي تربى في حجر النبوة والإسلام كان ذكيا حاد الذكاء شجاعًا خارق الشجاعة، حكيما-رغم صغر سنه-يضع الأمور في مواضعها، عفيفا يأنف الدنايا، ألفا مألوفا يحبه الناس، تقيا ورعا يحبه الله.
وكان في كل غزوة يتقدم ليقف مع المجاهدين فيرده الرسول الصغر سنه.
ولقد أخبرتنا كتب السيرة «أن الرسول أجازه فحمل السيف جهادًا في سبيل الله، وهو ابن خمس عشرة سنة».
وفي يوم حنين ثبت أسامة مع العباس عم رسول الله، وفي يوم «مؤتة»، جاهد تحت لواء أبيه، وسنه دون الثامنة عشرة واستشهد أبوه في هذه المعركة، وفي السنة الحادية عشرة للهجرة كان الاستعداد لغزو الروم وفي الجيش كبار الصحابة، لكن الأمير كان أسامة بن زيد وهو لم يتجاوز العشرين وخرج الجيش بعد انتقال الرسول للرفيق الأعلى بقيادة أسامة، وخرج أبو بكر وهو خليفة يودعه، وأسامة راكب والخليفة يمشي على الأرض، ويودع أسامة قائلا: «استودع الله دينك وأمانتك وخواتيم عملك، وأوصيك بإنفاذ ما أمرك به رسول الله».
ولقد وقفت هذه الوقفة لأقول: رحم الله هذه النفوس العظيمة الكبيرة التي ما عرف التاريخ أعظم منها، ولا أسمى منها ولا أكمل منها بعد رسل الله. ولأقول لشباب الأمة الإسلامية في كل مكان هذا هو طريقكم، وهذا هو سر استمرار هذه الأمة، فمن خلال التربية الإسلامية الصحيحة ومن خلال القدوة وما أحوجنا اليوم وما أحوج أمتنا إلى أبطال الطيبة، ومن خلال الوعي الإسلامي، وفي ظل الهدي النبوي تنبت البطولات وتسمو النفوس وتعظم الآمال، ويتنزل النصر من عند الله ورواد من أمثال هؤلاء الذين نتحدث عنهم وتذكر بهم، وندعو إلى التأسيس والتعليم منهم فهذا طريق الخلود.
كيف تم الفتح؟ قبل أن يبدأ السلطان محمد الفاتح في محاصرة المدينة حصن مضيق البوسفور حتى لا يؤتى منه، فأقام قلعة على شاطئ المضيق من جهة أوروبا تكون مقابلة للحصن، ثم حاصر المدينة في أوائل إبريل ١٤٥٣م من جهة البر، وكان جيشه يزيد على مئتين وخمسين ألف جندي. أما جهة البحر فقد أقام أسطولا مؤلفًا من مئة وثمانين سفينة.
وأقام أيضًا حول المدينة أربع عشرة بطارية مدفعية تقذف كرات من الحجارة إلى مسافة ميل.
ويقول المؤرخون: «إنه في أثناء الحصار اكتشف قبر أبي أيوب الأنصاري» t الذي استشهد في محاولة سابقة لفتح القسطنطينية في سنة ٥٢هـ في خلافة معاوية بن أبي سفيان t، وهذا يدل على إصرار المسلمين منذ فجر الإسلام على فتح القسطنطينية لموقعها وأهميتها الاستراتيجية.
خطة الفتح:
وقد قام محمد الفاتح ببناء مسجد جامع ما يزال قائما للآن بجوار قبر أبي أيوب الأنصاري.
حين بدأ محمد الفاتح في التنفيذ أخذ مراكبه في الميناء، وأحكم الحصار حولها. ونقل مراكبه بطريقة تجتاز العقبات الموضوعة في طريقه، وتم الأمر بأن مهد طريقا رصت فوقه الألواح من الخشب وصبت عليها كميات الزيت والدهن لسهولة انزلاق المراكب عليها، وبهذه الطريقة أمكنهم أن ينقلوا سبعين سفينة في ليلة واحدة، حتى إذا طلع النهار ونظر الروم إلى هذا العمل المفاجئ والقوي. اعتقدوا أنه لا سبيل أمامهم إلا الاستسلام وقام السلطان من جانبه بتوجيه رسالة يتعهد فيها بالأمان للجميع لو سلموا البلد من غير قتال، وهذا شأن المسلمين دائمًا في حروبهم. عدم الميل إلى القتال إلا مضطرين، ولقد كان وما زال التزام المسلمين ووفاؤهم بالعهود لا نظير له.
أرسل إلى قسطنطين يقول: «لو سلمتم البلد طوعا نتعهد لكم بعدم مس حرية الأهالي أو أملاكهم وأن نعطيكم جزيرة موره»، فلم يقبل قسطنطين بذلك.
وبعد هذا الرفض من جانب الروم لم تكن إلا الأخرى وهي الجهاد في سبيل الله، فقد أمر محمد الفاتح جنوده قبل الهجوم بالصيام، وتطهير النفوس وتزكيتها، ثم قام بزيارة الأسطول، وتفقد سور القسطنطينية».
وظل الجنود طوال الليل يكبرون ويهللون ويسبحون ويرتلون آيات الجهاد ومنازل الشهداء على مسامع الجنود، ظلوا طوال الليل يرددون الأناشيد الإسلامية أناشيد الجهاد والكفاح.
جاء في تاريخ الدولة العثمانية:
إن السلطان محمد الفاتح دعا قادة الجيش، وخاطبهم قائلًا: «إذا تم لنا فتح القسطنطينية تحقق فينا حديث رسول الله ومعجزة من معجزاته، وسيكون حظنا ما أشاد به هذا الحديث من التقدير فأبلغوا أبناءها العساكر فردا فردا، أن الظفر العظيم الذي سنحرزه، سيزيد الإسلام الحنيف قدرًا وشرفا، ويجب على كل جندي أن يجعل تعاليم ديننا الحنيف نصب عينيه، فلا يصدر عن واحد منهم ما ينافي هذه التعاليم وليجتنبوا الكنائس والمعابد، ولا يمسوها بأذى وليدعوا القساوسة والضعفاء الذين لا يقاتلون».
وحين بزغ نور الفجر صدرت الأوامر بالهجوم، فتسلق الجنود الأسوار، ودخلوا المدينة من جميع جوانبها، وأزالوا جميع العوائق من طريقهم، ودخلوا كنيسة «أيا صوفيا» حيث كان يصلي فيها البطريرك وحوله عدد من الأهالي، أما قسطنطين فلم يستسلم وقاتل حتى قتل.
أثر الفتح في العالم الإسلامي:
ولقد عمت بشائر الفتح في جميع أنحاء العالم الإسلامي، وتحقق حديث رسول الله ، ثم زار السلطان كنيسة «أيا صوفيا» وأمر بأن يؤذن فيها للصلاة، إعلانا بجعلها مسجدا للمسلمين، وأصدر السلطان أوامره بمنع أي اعتداء على أحد، وأعلن أنه لا يعارض في إقامة شعائر ديانة النصارى، وأنه يضمن لهم حرية الاعتقاد، وأنه يهب لهم أملاكهم، فرجع من هاجر. وأعطاهم نصف الكنائس، وجمع أئمة ليختاروا من بينهم من يكون رئيسا لطائفتهم.
ما أحوج المسلمين اليوم إلى رجل قائد مثل السلطان محمد الفاتح، يجمعهم بعد تفرق وشتات، ويوحد أمرهم، ويرغبهم في جهاد المعتدين على المسلمين في كل مكان.
لقد استمر محمد الفاتح في جهاد دائم حتى أتاه الموت في ربيع الأول ٨٨٦هـ وهو في معسكره وبين جنوده، مرابطا في سبيل الله، ودفن في مسجده الجامع في القسطنطينية المعروف بجامع الفاتح.
ولقد انتشر خبر وفاته في العالم الإسلامي، فعم الحزن على الجميع لفقد المجاهد المؤمن المسلم الحبيب الذي رفع راية الإسلام، وأعز الله به أمة الإسلام tوأرضاه.