; المجتمع التربوي (1151) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع التربوي (1151)

الكاتب د.عبدالحميد البلالي

تاريخ النشر الثلاثاء 30-مايو-1995

مشاهدات 78

نشر في العدد 1151

نشر في الصفحة 50

الثلاثاء 30-مايو-1995

وقفة تربوية

 معرفة الفضل وأهله

كان أبو موسى الأشعري – رضي الله عنه – خطيبًا بالبصرة، يبدأ بذكر عمر في الخطبة قبل أبي بكر أيام خلافته – فقال له رجل في ذلك، فشكاه أبو موسى إلى عمر - رضي الله عنه - فطلبه عمر – رضي الله عنه – وقال: ما أغضبت أميرك عليك؟ 

فأخبره الرجل بتأخر ذكر أبي بكر عن عمر - رضي الله عنهما - في الخطبة – فبكى عمر – رضي الله عنه _ وقال: والله أنت أوفق منه وأصوب والله ليوم وليلة من أبي بكر خير من عمر وآل عمر (مختصر المحاسن للصفوري ص ٤٥).

 لقد كان هو الخليفة، وهو يعلم أن القرآن قد وافقه في كثير من المواضع ويتذكر ما قاله الرسول صلى الله عليه وسلم فيه، كما أن عهده تمت فيه الكثير من الفتوحات و توسعت رقعة الدولة الإسلامية، وغيرها من الفضائل، ولكن كل ذلك لم ينسه الفضل ولا أهله السابقين، وما جعله ينساهم أو يتجاهلهم، بل إنه يتذكر أيامهم وسبقهم وتحملهم في سبيل الله، فيقول قولته المشهورة «ليوم وليلة من أبي بكر خير من عمر وآل عمر»، نعم إنها الأصالة، والوفاء والأدب ووضع كل فرد في موضعه اللائق به، إن قومًا من الدعاة جاءوا متأخرين ولحقوا بقطار الدعوة وتعلموا شيئًا من العلم، وتقلدوا بعض المناصب في الدعوة فراحوا يطعنون في جيل التأسيس، ومن سبقهم في حقل الدعوة، ويسلكون طريق التجريح دون ذكر للتعديل، ودون ذكر لما قدم أولئك الكبار السابقون من تضحيات وجهد في سبيل نصرة هذا الدين قبل أن يكسر هؤلاء الدعاة الصغار جدار البيضة ويتعرفوا على عالم الدعوة الفسيح، إننا نحتاج إلى أخلاق الأوائل في معرفة الفضل وأهله.

أبو بلال

 من آداب الاختلاف عند السلف

بقلم: شوقي محمود الأسطل

لقد أشار القرآن الكريم إلى ظاهرة إنسانية خلقية لا ينفك عنها البشر، اقتضت حكمة الخالق وجودها فقال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ (هود: ۱۱۸).

 إذن فقد شاء الله أن لا يكون جميع الناس على نسق واحد، فتباينت الأفهام واختلفت المدارك، وتنوعت الاستعدادات والقدرات لدى أفراد الجنس البشري، هذه حقيقة تعامل معها القرآن وأكدها في أكثر من موضع، ولكنه وهو يتعامل مع هذه الظاهرة أراد أن تكون آثارها محصورة ضمن إطار العقل فلا تتعداه إلى القلوب فتفرقها مما يؤدي إلى شق صف الجماعة المؤمنة وبعثرة جهودها وتبديد طاقاتها لذا فقد أصل قاعدة عظيمة لتلافي ما قد يجر إليه الاختلاف من آثار غير محمودة فقال: ﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ (النساء: ٥٩).

فقد أقر إمكانية وقوع التنازع بين أبناء العقيدة الواحدة، وأرشد إلى الواجب عندئذ وذلك بالرد إلى الكتاب والسنة، ثم الإذعان التام لحكمهما كما في الآية الأخرى ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا﴾ (النساء:٦٥).

ولقد وقع الاختلاف بين الصفوة حتى في زمن المعصوم الله في عدد كبير من القضايا، ومن ذلك فهم المراد من الأمر بالصلاة في بني قريظة، وقضية أسرى بدر والخروج من المدينة أو البقاء فيها قبيل غزوة أحد، وعقب وفاته اختلف في موضع دفنه، وفي الأحق بخلافته وغير ذلك.

آداب الاختلاف

والمتأمل لسيرة السلف يلحظ جملة من الآداب التي حرص عليها أولئك الأماجد عند الاختلاف، وسنجتزئ في هذه العجالة طرفًا منها:

1 – حسن الظن بالمخالفين مع التأدب في الخطاب معهم وهو أدب إسلامي رفيع حرص عليه أولئك الأفذاذ، روى الإمام مالك في الموطأ أنه قد ذكر لعائشة أن ابن عمر يقول إن الميت ليعذب ببكاء الحي فقالت: يغفر الله لأبي عبد الرحمن، أما إنه لم يكذب، ولكنه نسي أو أخطأ، إنما مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بيهودية يبكي عليها أهلها فقال: «إنكم لتبكون عليها وإنها لتعذب في قبرها» 

وتأمل معي في هذه القصة الأدب الجم، والخلق الرفيع لدى أم المؤمنين – رضى الله عنها – وحتى وهي تريد رد مقالة لم ترتضيها، فقد استهلت بالدعاء للمخالف بالمغفرة، وكنته بأحب الكنى إليه، ثم نفت عنه صفة الكذب وعذرته بما عذر الله به عباده من الخطأ والنسيان، وبعد ذلك ساقت وجهة نظرها في المسألة من غير صحب ولا عنف ولا منكر من القول، أو اتهام للنوايا وتشكيك في المقاصد ولا عجب إذ إنها من ذلك الجيل القرآني الفريد الذي رباه معلم البشرية، وخير البرية عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم.

ويؤكد شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – على وجوب التمسك بهذا الخلق القويم عند التعامل مع المخالفين فيقول: إني من أعظم الناس نهيًا أن ينسب معين إلى تكفير وتفسيق ومعصية إلا إذا علمت أنه قامت عليه الحجة الرسالية، وإني أقر أن الله قد غفر لهذه الأمة خطاها ... وما زال السلف يتنازعون في كثير من هذه المسائل، ولم يشهد أحد منهم على أحد بكفر أو فسق أو معصية ... وقد آل الشر بين السلف إلى الاقتتال مع اتفاق أهل السنة على إيمان الطائفتين، وأن الاقتتال لا يمنع العدالة، لأن المقاتل وإن كان باغيًا فهو متأول، والتأويل يمنع الفسوق .. فكل من قال بالكتاب والسنة والإجماع كان من أهل السنة والجماعة (الفتاوى جـ ٣ ص ٣٦٤).

٢ – التجرد من الهوى فالهوى من أعظم أبواب الشيطان إلى قلوب العباد، لذا فقط حذر الله منه نبيه داود عليه السلام فقال: ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (ص: ٢٦)

فصاحب الهوى لا يمكن أن يصل إلى الحق أو يذعن للحقيقة لوجود الخلل في ميزانه يقول ابن القيم – رحمه الله – إن جعل الحق تبعا للهوى فسد القلب والعمل والحال والطريق وانظر إلى مقولة الإمام الشافعي – رحمه الله – ما ناظرت أحدا فأحببت أن يخطئ، وما ناظرت أحدا فباليت أظهر الحق على لسانه أو لساني.

وعن الأثر المدمر للهوى يقول ابن تيمية وهكذا يصيب أصحاب المقالات المختلفة إذا كان كل واحد منهم يعتقد أن الحق معه وأنه على السنة، فإن أكثرهم قد صار لهم في ذلك هوى أن ينتصر جاههم أو رياستهم وما نسب إليهم، لا يقصدون أن تكون كلمة الله هي العليا، وأن يكون الدين كله لله، بل يغضبون على من خالفهم وإن كان مجتهدًا معذورًا، ويرضون عمن يوافقهم وإن كان جاهلاً سيئ القصد ليس له علم ولا حسن قصد (منهاج السنة جـ٥ ص ٢٥٥).

٣_ الإنصاف وإعطاء كل ذي حق حقه وهو أدب قرآني رفيع استخدمه القرآن حتى مع أعدائه فقال في وصف اليهود وهم أشد الناس عداوة لأتباعه ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ بقنطار يؤده إليك﴾ (آل عمران ٧٥).

فما من أحد بعد المعصوم صلى الله عليه وسلم إلا وقد قبل منه ورد عليه، ولكن كما قال سعيد بن المسيب –رحمه الله – من كان فضله أكثر من نقصه وهب نقصه لفضله.

لكن الساحة الإسلامية في عصرنا قد ابتليت بصنف من البشر لا يبصرون إلا بعين واحدة فلا يشاهدون من خلالها إلا ما يتصورونه عيوبًا ونقصًا أما العين الأخرى فقد أغلقوها بعد أن لبس عليهم إبليس فأوهمهم أنهم على الحق الذي لا شك فيه في قضايا ومسائل يسوغ فيها الاجتهاد ويؤجر المصيب والمخطئ كما جاء في الحديث الصحيح.

لقد كان عبد الرحمن بن مهدي – شيخ البخاري – يوثق محمد بن راشد ويروي عنه، فراجعه بعض أصحابه معترضين بأنه قدري فقال لهم: فما يضره أن يكون قدريًا، يعني ما دام ثقة في الحديث (الميزان ج ٣ ص ٥٤٤).

 ويقول الذهبي عن إبان بن تغلب «شيعي جلد، لكنه صدوق فلنا حديثه وعليه بدعته».

 وقد سئل الإمام علي رضي الله عنه عمن خالفوه وقاتلوه أكفار هم؟ فقال: بل من الكفر فروا.

  فقيل أمنافقون إذن؟ فقال: إن المنافقين لا يذكرون الله إلا قليلا، فقيل ماذا تقول فيهم إذن؟ فقال: هم إخواننا بغوا علينا.

 إنها نظرة المؤمن المنصف الذي لا تحمله الخصومة على الفجور كما هو ديدن المنافقين.

يقول الإمام الغزالي – رحمه الله – محذرًا من التعصب للرأي إن التعصب للرأي سبب يرسخ العقائد في النفوس وهو من آفات علماء السوء فإنهم يبالغون في التعصب وينظرون إلى المخالفين بعين الاحتقار والازدراء.

٤ – الحرص على صفاء القلوب وبقاء المحبة والإخوة إذ إن هذا هدف في ذاته يحرص عليه الإسلام ويعمل للمحافظة عليه تحت كل الظروف ﴿وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ آل عمران (۱۰۳).

وقد فقه السلف هذا المعنى العظيم وضربوا أروع الأمثلة في التمسك بأهدابه فها هو الإمام أحمد يختلف مع الشافعي فلا يؤثر هذا في أخوتهما وتستمر الزيارات والصلة بينهما وفي هذا يقول الشافعي

قالوا: يزورك أحمد وتزوره           قلت الفضائل لا تفارق منزله

إن زارني فيفضله أو زرته            فلفضله فالفضل في الحالين له

وكان الشافعي إذا نزل المدينة يحل ضيفًا على الإمام مالك على الرغم من مخالفته إياه في كثير من المسائل.

 وها هو الليث بن سعد وعلى الرغم من اختلافه مع الإمام مالك يدعو الله أن ينقص مدة من عمره ويزيدها في عمر مالك.

 ما أحوج كثيرًا من المنتسبين إلى الدعوة اليوم إلى النظر في سيرة السلف للوقوف على مثل هذه الآداب في وقت اشتدت فيه الحاجة إليها.

النافذة التربوية

 بين الخوف والرجاء

«الرجاء والخوف جناحان بهما يطير المقربون إلى كل مقام محمود، ومطيتان بهما يقطع من طرق الآخرة كل عقبة كؤود، فلا يقود إلى قرب الرحمن إلا أزمة الرجاء، ولا يصد عن نار الجحيم إلا سياط التخويف» (موعظة المؤمنين)

إن الإنسان في هذه الدنيا إذا فقد الرجاء بما عند الله يئس وقنط من رحمته ﴿لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ (يوسف: ٨٧)، وإذا فقد الخوف تمادى في الذنوب والمعاصي، في القلب في سيره إلى الله عز وجل – بمنزلة الطائر_ فالمحبة رأسه والخوف والرجاء جناحاه فمتي سلم الرأس والجناحان فالطائر جيد الطيران، ومتى قطع الرأس مات الطائر، ومتى فقد الجناحان فهو عرضة لكل صائد وكاسره (تهذيب المدارج)

ويعتبر تعظيم الله هو مبعث الخوف لأن المرء إذا عظم شيئًا ها به وخاف منه، ولا يعظم الله إلا من عرفه حق المعرفة في أسمائه وصفاته، فالذي يعلم علما يقينيًا أن الله يراه في كل مكان سرًا وعلانيةً ويسمع كلامه ويعرف خطرات قلبه ويراقب لحظات عينيه يكف عما حرم الله لأنه يعلم علمًا يقينيًا أن الله على كل شيء قدير، والله قد توعد مقترف المعاصي بالعذاب الأليم، فالله قادر على ذلك فيخاف العبد فيمتنع يقول إبراهيم ابن سفيان: «إذا سكن الخوف القلوب أحرق مواضع الشهوات منها، وطرد الدنيا عنها والمؤمن إذا خاف من شيء هرب منه وإذا خاف من الله هرب إليه، فتحرق الشهوات بالخوف، وتتأدب الجوارح ويحصل في القلب الذبول والخشوع والاستكانة، ويفارقه الكبر والحقد والحسد، ولا يكون له شغل إلا المراقبة والمحاسبة والمجاهدة والضنة بالأنفاس واللحظات، ومؤاخذة النفس بالخطرات والخطوات والكلمات» (موعظة المؤمنين).

 وكذلك تعتبر معرفة سعة رحمة الله وعظيم غفرانه لعباده في رائد الرجاء الأول، فالمسلم عندما يقرأ قوله تعالي ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ (غافر: ٧) يحسن الظن بربه وبعظيم مغفرته ويعمل لإرضاء مولاه ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَآءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدَا﴾ (الكهف: ١١٠) ولذلك يوجهنا النبي الله لذلك فيقول: « لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بربه»، (صحیح مسلم) .

عبد اللطيف الصريخ

أثر العبادات في صياغة الشخصية الإسلامية 

بقلم: نبيل حامد المعاز

جاء في بعض كتب السنة:

عن سهل بن سعد رضي الله عنه قال: جاء جبريل إلى النبي صلّى اللَّه عليه وسلم فقال: «يا محمد عش ما شئت فإنك ميت، واعمل ما شئت فإنك مجزي به، وأحبب من شئت فإنك مفارقه، واعلم أن شرف المؤمن قيام الليل وعزه استغناؤه عن الناس» (1).

ولقد تدبرت هذا الحديث وسألت نفسي: ما علاقة قيام الليل بالاستغناء عن الناس؟ ما سر هذا التجاور بين الأمرين في حديث الذي أوتي جوامع الكلم صلى الله عليه وسلم فهديت إلى الأمور الآتية:

 1- أن هذا الحديث إشارة لطيفة تقول للمسلم: إنه لا يجوز لك أن تذهل بالعبادة عن أمر الدنيا فتفتقر إلى الناس – وخصوصاً أهل الكفر – وإذا كان قيام الليل لك شرفًا فلتعلم أن عزك في استغنائك عن الناس.

الخضوع ينافي الذلة للناس

٢- وفيه إشارة أخرى إلى وجوب أن يكون للعبادة أثر حي وملموس في نفس المسلم وسلوكه فقيام الليل استلهام للقوة الروحية والجسدية التي تدفع المسلم للعمل الجاد بالنهار.

٣- والأهم من ذلك أن يوقن المسلم أنه لا معنى لأن يكون قيامه وخضوعه وخشوعه لله في الليل، فإذا ما طلعت عليه الشمس قام خاضعًا خاشعًا ذليلًا للناس، فشتان بين الحالتين، وعجبا لمن يرضى لنفسه ولأمته أن يجمع بينهما!

ولا يقف الدليل بنا عند هذا الاستنباط وهذه الإشارات، ولكن القضية من الخطورة بمكان جعل لها حظًا عظيمًا من النصوص وقدرًا كبيرًا من الاعتبار عند الصحابة ومن تبعهم بإحسان، فيقول النبي صلى الله عليه وسلم «استغنوا عن الناس ولو بشوص السواك» (۲).

وعن ثوبان رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من يكفل لي أن لا يسأل الناس شيئًا أتكفل له بالجنة، فقلت أنا، فكان لا يسأل أحدًا شيئًا» (۳).

وفي حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنه قال صلى الله عليه وسلم: «ومن يستعفف يعفه الله ومن يستغن يغنه الله، ومن يتصبر يصبره الله، وما أعطي أحد عطاء خيرًا وأوسع من الصبر» (٤).

ولعل في الترغيب الأخير في الصبر معتبرًا لأولئك الذين يهرعون إلى الاستدانة أو الحرام فالنبي صلى الله عليه وسلم ينبههم إلى أن الصبر - على مرارته - أحلى من غيره - على يسره وسهولته - ونعرف موقف عبد الرحمن بن عوف من سعد بن الربيع - رضي الله عنهما - لما عرض عليه سعد نصف ماله وإحدى زوجتيه، بل إن بعضهم كان يسقط منه سوطه وهو على راحلته فلا يطلب من أحد أن يناوله إياه ويقول: لقد عاهدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا نسأل أحدا شيئًا، فإذا كان هذا موقفهم من المؤمنين فما بالنا بغير المسلمين؟ 

وكان قيس بن الحارث يقول: ما أسوأ حال من إذا أصبح مد عنقه إلى قرص من يد غیره (٥)

إنتاج الأمة ما تحتاج إليه

ومن باب التوازن أقول إن الدعوة إلى الاستغناء عن الناس لا تعني العزلة أو الانغلاق، فهذا لا يقبل عقلًا، كما أنه لم يحدث في تاريخ علاقة الدولة الإسلامية بغيرها، ولكنها الدعوة إلى العزة الإسلامية في مجالها الاقتصادي بحيث ينتج المسلمون ما يحتاجون إليه وما يحفظون به ماء وجوههم ويصونون به دينهم، ثم لا مانع بعد ذلك من حدوث التبادل الاقتصادي مع غيرهم في حدود المصلحة الدينية والدنيوية.

كما أحب أن ألفت الأنظار إلى أن هذه الدعوة إلى الاستغناء عن الناس لا يفهم منها مجرد كف الوجوه والأيدي عن ذل السؤال، بل يجب أن تفهم أولًا على أنها دعوة للسعي الجاد لتحقيق الغنى - على اختلاف مظاهره - الذي يحمينا من اللجوء إلى الناس لأنه لن يكون استغناء عن الناس مع فقر وعوز، ولعل هذا قريب مما قرره ابن حجر - رحمه الله - عند شرحه لحديث «اللهم إني أعوذ بك من المآثم والمغرم، حيث قال: ويحتمل أن يراد بالاستعاذة من الدين الاستعاذة من الاحتياج إليه حتى لا يقع في هذه الغوائل» (٦).

ألا ما أعظمها من معان جاءتنا من الرحمة المهداة صلى الله عليه وسلم، وتلقاها عنه بفهم مستنير ووعي ثاقب أصحابه الأخيار ومن تبعهم بإحسان، ثم ها نحن ننساها - أفرادًا ودولًا - فتكون النتيجة طول الوقوف بالأبواب، وذل السؤال، وتحكم الأعداء، جاء في «بروتوكولات حكماء صهيون».

خبث اليهود ومكرهم

«والحكام الأمميون (غير اليهود) من جراء إهمالهم أو بسبب فساد وزرائهم أو جهلهم قد جروا بلادهم إلى الاستدانة من بنوكنا حتى إنهم لا يستطيعون تأدية هذه الديون ويجب أن تدركوا ما كان يتحتم علينا أن نعانيه من الآلام لكي تتهيأ الأمور على هذه الصورة» (۷).

 وجاء فيه أيضًا «ويكفي للتدليل على فراغ عقول الأمميين المطلقة البهيمية حقًا أنهم حينما اقترضوا المال منا بفائدة خابوا في إدراك أن كل مبلغ مقترض هكذا مضافًا إليه فائدته لا مفر من أن يخرج من موارد البلاد، وكان أيسر لهم لو أنهم أخذوا المال من شعبهم مباشرة دون حاجة إلى دفع فائدة، وهذا يبرهن على عبقريتنا» (۸).

ويؤكدون على عظمة مكاسبهم من وراء سذاجتنا وغفلتنا - وليس عبقريتهم – فيقولون في البروتوكول الحادي والعشرين:

 «لقد استغللنا فساد الإداريين وإهمال الحاكمين الأمميين لكي نجني ضعفي المال الذي قدمناه قرضًا إلى حكوماتهم، أو نجني ثلاثة أضعافه مع أنها لم تكن في الحقيقة بحاجة إليه قط» (۹).

ورحم الله الشيخ محمد عبده الذي قال مخاطبًا الدول الأجنبية في لندن (١٨٨٤م): «لا تحاولوا منحنا المزيد من المعونات فقد آذتنا معوناتكم بالفعل إيذاء بالغًا» حتى لقد أعجب بهذه الكلمة أحد كتاب العلاقات الاقتصادية الدولية فوضعها في صدر فصل لكتاب له (۱۰).

 وأخيرًا يا ليتنا نربي أنفسنا وأسرنا على هذه المعاني لعل الله سبحانه يرحم ضعفنا ويخرجنا من وهدتنا، إنه أكرم مسئول وأعظم مأمول وهو حسبنا ونعم الوكيل.

الهوامش

١- رواه الطبراني في الأوسط بإسناد جيد وصححه الحاكم وأقره الذهبي (كشف الخفاء 2/12 ومختصر الترغيب والترهيب - انتقاء ابن حجر ٥٧ والمغني عن حمل الأسفار للعراقي 3/٢٣٧).

٢- رواه البزار والطبراني والعسكري والقضاعي بسند رجاله ثقات عن ابن عباس رفعه (كشف الخفاء ١/١٣٥) وشوص السواك هو ما يتفتت منه عند التسوك.

٣- انظر «حياة الصحابة»، للكاندهلوي ٢/٢٤١.

٤- فتح الباري ٣/٣٩٢، والموطأ ۳۱۹.

٥- «إصلاح المال»، لابن أبي الدنيا ۳۷۸ والقرص هو الرغيف وهو مجاز عن الطعام والمؤنة كلها.

٦ - فتح الباري ٥/٧٤.

٧- الخطر اليهودي «بروتوكولات حكماء صهيون» ترجمة محمد خليفة التونسي ص ۲۲۲.

٨- السابق ص ۲۲۳.

٩- نفسه ص ٢٢٤ ٢٢٥.

۱۰- مجلة الأزهر عدد ربيع الأول ١٤١٠هـ ص ٢٤٢.

  دمعة بمحراب

في دلجة من الليل ووطأة من هدوء وسكون رأيت سراجا ينير

 كان بمحرابه!!

 رفع يديه متضرعا يسأل الرحمن مغفرة ورحمة فلقد أرق هم الآخرة منامه فقام يرجو ربه ويدعوه عساه أن يغفر له ويرحمه. ورفع الكف واهتزت الجوانح وخشعت النفس، فكانت كأنها تعاين العذاب تراه وتشاهده

 وتملكه خوف من سوء العاقبة، فما ارتاح ولا سكن وتذكر سؤال أولئك النفر للحسن البصري ما لنا نراك كثير البكاء؟

 فقال: (أخشى أن يلقى بي في النار ولا يبالي) فارتعدت فرائصه واحمرت مآقيه وسالت على الخد دمعة فها تفوته وقالت:

 هنيئا لك أيها الصالح قيامك وحسن تهجدك فلقد جفت مآقي الكثيرين من دموع الخلوات فالقلوب منهم قاسية – والنفوس عاتية لاهية ساهية، وحتى من رمة الصلاح فيه ما عاد الليل يقومه.

 ويحي وما بالهم؟! أو استكثروا عملهم وغرهم أملهم أو نسوا رسولهم؟! إن كان النبي الله ليقوم ليصلي حتى تتورم قدماه فيكلم في ذلك، فيقول: «أفلا أكون عبدا شكورا» أما راموا أن يكونوا عبادا للرحمن حقا؟! والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما أو ليسوا بمؤمنين؟ وبالأسحار هم يستغفرون، أو ما راموا الجنان الخالدة؟ والنعيم السرمدي فحتى متى التقصير؟

 ذاك عمر الفاروق من بشر بالجنة يخاف ويبكي حتى للخد منه خطان أسودان من الدمع، وهذا عبد الله – ابنه – ما نام منذ أوصاه -صلى الله عليه وسلم- بالقيام – إلا قليلا – «نعم الرجل عبد الله لو كان يصلي من الليل، فكان بعد لا ينام من الليل إلا قليلا»، ويخلفهم أتباعا!! الخير وجهتهم والأجر بغيتهم حتى ليقول قائلهم (أو حسب أن يستأثر أصحاب محمد بمحمد والله لنسابقنهم عليه) وذلك محمد بن سيرين كان إذا كان النهار ضاحك الناس فإذا جن الليل فكأنه في مناحة!! وذلك صلة ابن أشيم- من أصبعه في الجيش خير من ألف مقاتل – يخرج ذات ليلة من الجيش ويتلمس طريقه في الغابة يبحث عن مكان يختلي فيه مناجيًا الله تعالى ويأتيه الأسد فلا يأبه، بل لذة المناجاة تنسي!! هم أخيار ولا ريب ولم؟! إنها مواطن الأجر لا تفوتهم – سألت ابنة أباها وكانوا جيرانًا لابن معتمر: أبتي أين تلك الخشبة التي كنت أراها كل ليلة؟! قال: إنها ليست بخشبة، ولكنه منصور بن معتمر يقوم الليل، وهذا قليل من كثير والعبرة بالاعتبار لا بالعلم وهذه هي الجادة فأين السالك؟!

هر هتافها القلب وأثار الشجون فهل لنا أن نحرص على نوم مبكر وحرص وتواص ودعاء لله تعالى على أن يعيننا ومن حرص جد واجتهد ولتكن فائزًا !!

فاز من سبح والناس هجوع                  يدفن الرغبة ما بين الضلوع

ويغشيه خضوع وخشوع                     سوف يغدو ذلك الدمع شموع

وتنير الدرب يوم المحشر                    سجدة الله عند السحر

ولله الحمد مبدؤنا ومنتهانا

عبد الله السعد

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 1157

73

الثلاثاء 11-يوليو-1995

المجتمع التربوي (1157)

نشر في العدد 1159

91

الثلاثاء 25-يوليو-1995

المجتمع التربوي(1159)

نشر في العدد 1160

66

الثلاثاء 01-أغسطس-1995

المجتمع التربوي (1160)