; المجتمع التربوي- العدد (1385) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع التربوي- العدد (1385)

الكاتب د.عبدالحميد البلالي

تاريخ النشر الثلاثاء 25-يناير-2000

مشاهدات 72

نشر في العدد 1385

نشر في الصفحة 54

الثلاثاء 25-يناير-2000

وقفة تربوية

خطاب الحركة الإسلامية

دخل الإمام الزاهد مالك بن دينار- رحمه الله- على أمير البصرة فقال له:

«قرأت في بعض الكتب من أحمق من السلطان، ومن أجهل ممن عصاني، ومن أعز ممن اعتز بي؟

وأضاف: أيها الراعي السوء، دفعت إليك غنمًا سمانًا صحاحًا، فأكلت اللحم ولبست الصوف، وتركتها عظامًا تقعقع.

فقال الأمير: أتدري ما الذي يجرؤك علينا، ويجنبنا عنك؟ قال: لا.

قال: قلة الطمع إلينا، وترك الإمساك عما في أيدينا».

إن أعداء وخصوم الحركة الإسلامية في كل مكان يضعون ضمن مخططاتهم في صراعهم مع الحركة الإسلامية إيصال وإقناع أصحاب القرار في جميع دول العالم، وخاصة في العالم الإسلامي، بأن للحركة الإسلامية مطامع في الحكم والاستيلاء عليه، مما يجعل الحكومات في حالة استنفار دائم، وتوجس مستمر، وتضييق متواصل، وعداء تجاه أفراد وقيادات الحركة الإسلامية بسبب هذا الوهم، الذي صنعه أعداء الحركة لأصحاب القرار.

وحتى تنجح الحركة الإسلامية في عملها وتصل لتحقيق أهدافها المتمثلة في تحكيم شرع الله وصبغ المجتمع بالصبغة الإسلامية، فلابد من طمأنة أصحاب القرار باستمرار إلى عدم الطمع في الحكم، وأن الاهتمام منصب على تنفيذ المشروع الإسلامي على يد كائن من كان ما دام الهدف سيتحقق.

وهكذا.. إذا ما نجحت الحركة الإسلامية في إيصال هذه الطمأنينة لأصحاب القرار، وهدم ذلك الخوف والوهم الذي تحول إلى ما يشبه اليقين، فإن أصحاب القرار سيقولون للحركة الإسلامية ما قاله أمير البصرة لمالك بن دينار.

أبو خلاد

كيف نستثمر المساجد في تربية الأجيال وتوجيهها إيمانيًا؟

ظلت المساجد على مدار قرون عدة منذ بزوغ نور الإسلام مركزًا للإشعاع الإيماني ووسيلة تربوية تصنع الرجال، وتصوغ الأجيال.. لكن هذا الدور خبا في القرون الأخيرة.

فما مكانة المسجد التربوية عبر التاريخ؟ وكيف نسترد هذه المكانة؟

الدكتور مصطفى عبد القادر زيادة - أستاذ أصول التربية بكلية التربية بجامعة عين شمس المصرية - يجيب عن هذين السؤالين بقوله:

المسجد هو بيت الله الذي حث سبحانه وتعالى الناس على عمارته، والتردد عليه دون انقطاع لأداء الشعائر الدينية، خاصة إقامة الصلاة، كما بين سبحانه وتعالى مكانته في هداية الناس، وغرس بذور التقوى في قلوبهم لكي ينالوا خير جزاء الدنيا وحسين ثواب الآخرة، فقال الحق تبارك وتعالى ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ ٱللَّهُ أَن تُرۡفَعَ وَيُذۡكَرَ فِيهَا ٱسۡمُهُۥ يُسَبِّحُ لَهُۥ فِيهَا بِٱلۡغُدُوِّ وَٱلۡأٓصَالِ﴾ (سورة النور: آية 36).

ويطالعنا تاريخ السيرة النبوية بأن المصطفى صلى الله عليه وسلم قد بنى المسجد بالمدينة المنورة لتقام عليه أسس الدولة الناشئة ومقوماتها، وجعله المقر الرسمي الذي يلتقي فيه الصحابة وأهل الرأي من المهاجرين والأنصار، بل ومن المسلمين عامة، ويشاورهم ويباحثهم في أمور الدين والدنيا، كذلك جعل الرسول صلى الله عليه وسلم في مسجده مكانًا معينًا عرف بأسطوانة الوفود، يلتقي فيه وفود القبائل العربية وغيرهم من السفراء والمبعوثين إليه، لأي أمر من الأمور كطلب عهد أو تجديده، أو تقديم الجزية، وأموال الصدقة وغيرها من الأموال المستحقة لبيت مال المسلمين، أو للدخول في الدين الجديد، وإعلان الطاعة والولاء للسلطة المركزية في المدينة المنورة، إلى غير ذلك مما يتعلق بأمور الدولة، وسياساتها.

يقول إبن تيمية في وصف مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم: «كان فيه الصلاة، والقراءة، والذكر، وتعليم العلم، والخطب، وفيه السياسة، وعقد الألوية والرايات، وتأمير الأمراء، وتعريف العرفاء، وفيه يجتمع المسلمون عنده لما أهمهم من أمر دينهم ودنياهم».

بؤرة للنشاط

ويضيف أستاذ أصول التربية: وسيرًا على سنة الرسول صلى الله عليه وسلم لا بد من جعل المسجد بؤرة النشاط والاهتمام وبخاصة فيما يخص تعليم العلم الديني، فقد سار الخلفاء وعموم المسلمين من بعدهم على هذه السنة، فهذا عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -  يخصص ركنًا في المسجد لتعليم الصبية قراءة القرآن، فكان ذلك إيذانًا بتعزيز جوانب الدور التربوي المنوط بالمسجد، واهتم المسلمون بعد ذلك بتخطيط المدن الإسلامية ووضع المسجد في القلب منها، حدث هذا في البصرة والكوفة والفسطاط والقيروان، وأطلق على المسجد في كل منها المسجد الجامع تعبيرًا

عن اشتمال دوره على معالجة جوانب الدين والدنيا معًا، واستيعابه جموع المسلمين.

وهذا بخلاف المساجد العادية - غير الجامعة - التي عم بناؤها عالم الإسلام كله، وأصبحت رمزًا لنمط الحياة الاجتماعية حتى في قصور ومنازل الحكام والفقهاء والأمراء، بل وصل الأمر في بعض الأحيان إلى تخصيص قاعة أو غرفة عادية بالمنزل كمصلى، بالإضافة إلى القاعات التي خصصت للصلاة في الكتاتيب وكذلك الإيوانات في المدارس بعد ظهورها.

ويستطرد: ولعل انتشار المساجد على هذا النحو يأتي موافقًا لتوجيه الرسول صلى الله عليه وسلم ببناء المساجد في الدور، ففيما ورد عن السيدة عائشة - رضي الله عنها - أنها قالت: «أمر الرسول صلى الله عليه وسلم ببناء المساجد في الدور وأن تنظف وتطيب».

لذلك انتشرت هذه «المصليات» في القصور والدور والمساكن، وتحدثنا النصوص عن اضطلاع المساجد بنصيب وافر في عملية التربية والتعليم، ليس فقط في أمور تخص العبادات وعلوم الدين، ولكن أكثر من ذلك دورها في التربية الاجتماعية والخلقية والفروسية، كما تحدثنا النصوص أيضًا عن أن بعضًا من كبار الفقهاء من أهل العلم والفقه جلس بنفسه في مساجد دورهم وقصورهم لتنوير الناس وحل مشكلاتهم، وعلى سبيل المثال الدور التربوي المؤثر للجامع الأزهر، الذي تجاوز نطاق المحلية إلى تخريج أجيال من الأئمة والدعاة في بقاع العالم الإسلامي كافة، بل إن كثيرًا من طرق التعليم الأزهري وأساليبه قد انتقلت إلى جامعات أوروبا، وأخذت بها في مناهجها التعليمية.

التربية التعويضية

ويضيف د. مصطفى: يرى التربويون أهمية دور المسجد كوسيط تربوي، حتى إن البعض عده مؤسسة فريدة في التربية غير المدرسية والتعويضية، وخاصة بعد أن ضعف الأداء المدرسي وأخفقت المدرسة الحديثة في الاستجابة لكثير من التحديات التي تواجهها، فهناك وظائف أضيفت إلى المسجد في إطار مفهوم التعليم المستمر، وتعليم الكبار ومحو الأمية، وفي التنوير الثقافي عمومًا، ثم دوره في الارتقاء بالمستوى الصحي والأجتماعي للأفراد.

ويعزز هذه الأدوار كافة ما يتمتع به المسجد من جاذبية ومكانة في نفوس المسلمين على اختلاف مستوياتهم وأعمارهم.

ويؤكد أنه مما يزيد من فاعلية دور المسجد كوسيط تربوي إمكان استخدام طرق وأساليب مؤثرة ينفرد بها المسجد مثل القدوة، والمحاكاة، والاستمالة، والعاطفية، والإقناع بالحجة والدليل والبرهان، والوعظ والإرشاد والتوجيه، وغيرها من الطرق التي تصل برسالة المسجد إلى الأشخاص كافة بغض النظر عن الفروق الفردية بينهم.

 مركز الإعلام العربي - مصـر

مكارم الأخلاق.. رزق من الأرزاق

الحمد لله الذي جعل مكارم الأخلاق رزقًا من الأرزاق وصدق القائل:

الناس هذا حظه مال وذا    علم وذاك مكارم الأخلاق

فإذا رزقت خليقة محمودة     فقد اصطفاك مقسم الأرزاق

إن الأخلاق الطيبة أساس الحياة الطيبة، وهي مما يحض عليه الدين ويحث عليه، فإذا أنت صادقت ذا خلق طيب وجدته محسنًا إلى أبناء مجتمعه، مرشدًا لهم إلى الغايات النبيلة، والمثل العليا.. قال الشاعر:

أكرم بذي الأخلاق من الناس     شبهته في الناس بالنبراس

به يستضاء إذا ظلام دامس     ساد الوجوه فذاك خير الناس

وإذا سعى فالخير مقصود له    وإذا دعا فالحق خير أساس

قال بعضهم: «علامة حسن الخلق عشر خصال: قلة الخلاف، وحسن الإنصاف، وترك طلب العثرات، وتحسين ما يبدو من السيئات، والتماس المعذرة، واحتمال الأذى، والرجوع بالملامة على النفس، والتفرد بمعرفة عيوب نفسه دون عيوب غيره، وطلاقة الوجه للصغير والكبير، ولطف الكلام لمن دونه ومن فوقه».

ولئن بحثنا عن شخصية يتمثل فيها حسن الخلق كي نقتدي بها، فلن نجد خيرًا من نبي الإسلام محمد عليه الصلاة والسلام، فقد كان مثلًا أعلى في ذلك كله، إذ كان حليمًا يحسن التعامل مع الناس، ويتحمل إساءاتهم، وكان واسع الصدر لين الجانب، سهل الخلق، لا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح ولا يزيد مع كثرة الأذى إلا صبرًا، وما غضب إلا لله، وما انتقم إلا أن تنتهك حرمة من حرمات الله، والشواهد على ذلك كثيرة.

لقد كان أول المسلمين وسيدهم، ولذلك كانت فيه كل علامات المسلم كما قال الحسن بن علي- رضي الله عنه-: «قوة في دين، وحزم في لين، وإيمان في يقين، وعلم في حلم، وكيس في رفق، وإغضاء في حق، وقصد في غنى، وتجمل في فاقة، وإحسان في قدرة، وصبر في شدة، لا يغلبه الغضب، ولا تجمح به الحمية، ولا تغلبه الشهوة، ولا يفضحه بطنه، ولا يستخفه حرصه، ولا تقصر به نيته، ينتصر للمظلوم، ويرحم الضعيف، لا يبخل، ولا يبذر، ولا يسرف ولا يقتر، يغفر إذا ظُلم، ويعفو عن الجاهل، نفسه منه في عناء، والناس منه في رخاء».

تلك هي الأخلاق الفاضلة التي إن كانت قد وُجدت بعضها قبل الإسلام فإن الإسلام قد صبغها بصبغته، وطبعها بطبعه، فقد كان الكرم في الجاهلية منبعثًا عن رغبة الجاهلي في حسن الثناء عليه ككرم حاتم الطائي، فجاء الإسلام فجعل الكرم طمعًا في مرضاة الله، وكانت الشجاعة عند الشجعان بهدف أن يخلد ذكرهم ويحوزوا إعجاب الناس من حولهم كشجاعة عنترة العبسي، فجعلها الإسلام إنصافًا للحق، وجهادًا في سبيل الله، وهكذا بقية الأخلاق صارت في الإسلام إيثارًا للخير، وابتغاءً لوجه الله.

صالح أحمد الترابي - السعودية

السعيد من تعب في الدنيا ثم استراح في الآخرة

هل خطر على قلب بشر أن يكون الله سبحانه جل في علاه قد خلق الخلق، ورفع السماء، وأضاء السماء وبسط الأرض، وزرع الزرع، وأجرى الماء، هكذا هزلًا بغير سبب وجيه، أو هدف عظيم؟ كما يقول التائهون الضائعون: لماذا خلقنا؟ وإلى أين المسير؟ لا ندري!

هذه الحيرة، وهذا الضياع عصم منه الله عباه الصالحين المؤمنين، فتجدهم لا يعيشون في تيه عن جادة الطريق، ويعلمون المغزى من هذه الحياة الدنيا، وهذه الابتلاءات - بالسراء والضراء - التي يتعرضون لها في أي وقت وفي أي مكان.

إن حياة من أجل إرضاء الشهوات، وفي تحصيل الشهوات والانغماس في الشهوات - مثل حياة البهائم - إنها لحياة كئيبة.. مظلمة.. موحشة.. خير منها البقاء في باطن الأرض.

أول ما ينبغي أن يعرفه المرء.. ربه الله «جل وعلا» وتوحيده، وتنزيهه، معرفة تتحقق بإدراك وتفكر وتدبر، في مخلوقاته وما أكثرها.. وأولها جسدك الذي يحملك.. وكبر معك منذ كنت صغيرًا رضيعًا لا تعلم شيئًا، فمدك سبحانه- بغير موهبتك أو قدرتك- بالطعام المناسب لسنك والرعاية الواجبة تجاهك، حتى صرت يافعًا أو شابًا أو رجلًا أو شيخًا كبيرًا، وبعد ذلك تتذكر لأفضاله ونعمه وتحاربه؟ إن الإنسان لظلوم كفارً!

أما عباد الله المخلصون - لمعرفتهم بالله - فإنهم يحيون حياة طيبة.. مستقرة.. لا يعكر صفوها كدر الدنيا أو مصائبها وتراهم صامدين كالجبال أو أشد صمودًا فيصبرون على الضراء، ويشكرون على النعماء، ولا يجزعون عند المصائب والمحن، لأنهم يعيشون في جو مختلف، وفي عالم علوي لا يدركه إلا العالمون العاملون المخلصون.

ومن هؤلاء- مثلًا- الإمام ابن تيمية، فعندما ابتلي في القرن الثامن الهجري بالسجن قال وهو يدخله: «ماذا يفعل أعدائي بي: إن جنتي في صدري، وسجني خلوة، ونفيي سياحة، وقتلي شهادة».

ومن النساء المؤمنات رابعة العدوية – مثلًا - التي هامت بعبادة ربها فلم يشغلها عن ذكره شاغل.. تقول:

فليتك تحلو والحياة مريرة     وليتك ترضى والأنام غضاب

وليت الذي بيني وبينك عامر     وبيني وبين العالمين خراب

والأمر هكذا، علينا مجاهدة النفس في السير على الطريق المستقيم، وذلك بتجويد أداء العبادات، والإكثار منها كالصلوات، وقراءة القرآن، ودفع الصدقات، والاستغفار، وطلب الصفح والغفران من خالق الأنام، فشمروا السواعد، وشدوا من المآذر، فالسعيد من اجتهد وتعب في الدنيا، ثم استراح في الآخرة.

حاتم حسن مبروك - السودان

مشروع برنامج تربوي لإصلاح النفس

القاهرة: محمود خليل

سيظل ركن التزكية من أهم أركان البناء الإسلامي التي تمثل الشخصية المسلمة المتوازنة أساسه وجوهره، ومن ثم فإن أدبيات الفكر الإسلامي المعاصر، وهي تنشد إعادة تشكيل العقل المسلم، وتجتهد في ترتيب أولويات الحركة، وتحديد خطوات الصف الراشد.. ينبغي ألا تتجاهل أو تتغافل عن ركن التزكية تحت وهم الانشغال بما هو أهم وأوجب، فليس أهم ولا أوجب من بناء النفس المسلمة.

وإذا كنا ننشد أخًا مسلمًا قوي الجسم، متين الخلق، مثقف الفكر، قادرًا على الكسب، سليم العقيدة صحيح العبادة، مجاهدًا لنفسه، حريصًا على وقته، منظمًا في شؤونه، نافعًا لغيره، فقد أصاب الإمام حسن البنا - رحمه الله - حينما جعل أولى هذه المراتب إصلاح النفس.. ذلك لأن تزكية النفس مدخل كل خير.. وعلى النفس مدار النجاة أو الهلاك عند الله عز وجل.

 والذي يحدث أن تزكية الأنفس يصيبها الضعف في الجيل بعد الجيل، مما يقتضي تجديدًا مستمرًا لها، فكما أنه في كل يوم توجد في هذه الأمة أنفس جديدة، فالتزكية ينبغي أن تطول هذه الأنفس كما أشار إلى ذلك علماء التربية.

مدخل المشروع

للوصول إلى نجاح الإنسان في الانتصار على نفسه، وإنقاذها من أوحال شهواتها، بل إلى إصلاحها.. يقول الدكتور عبد الحي الفرماوي - أستاذ التفسير وعلوم القرآن بجامعة الأزهر: نقدم مشروع هذا «البرنامج التربوي الإسلامي لإصلاح النفس» المستمد من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وسيرة السلف الصالح رضوان الله عليه، وهذا المشروع يمكن أن يطبقه الإنسان بمفرده، كما يمكن للأسرة مجتمعة تطبيقه، وعلى مستوى الجماعة كذلك، بل على مستوى الدولة - إن أرادت أي دولة - والأمة أيضًا.

كذلك فهو يصلح ليوم بيوم، ومن أسبوع لأسبوع كما يمكن أن يكون نطاقه المشاهرة، أو النظام السنوي.

شروط النجاح

 وللنجاح في هذا المشروع شروط عدة منها: 

- أن نعطيه العناية التي نعطيها لميزانياتنا ومشاريعنا المادية.

  • أن نستمر فيه فلا يصيبنا الكسل بعد البدء.

  • ألا يصيبنا الغرور عند أي مرحلة من مراحل توفيق الله لنا فيه بنقاطه.

  • أن نخلص لله القصد في تطبيقه والالتزام بنقاطه.

  •  أن يكون سيرنا فيه وتنفيذنا له، خاضعًا لكتاب الله وسنة رسوله دونما إفراط أو تفريط.

خطوات المشروع

 يحدد الدكتور الفرماوي خطوات المشروع بست نقاط هي المكاشفة والمعاهدة والمراقبة والمحاسبة والمعاقبة والمجاهدة. 

  • وتبدأ المكاشفة.. بمكاشفة النفس بعيوبها وميزاتها عن وعي لذلك وصراحة فيه، حيث لا تخلو نفس - أي نفس - من عيوب ومميزات.. ومفتاح هذه الخطوة الصراحة مع النفس، حيث لن يعاونك في مكاشفتك لنفسك، إلا نفسك ذاتها، فلا تضغط على نفسك لتعترف لك إكراها وقسرًا، فتفر منك وتتكبر أمامك، ولتكن دقيقًا في تصنيف هذه العيوب والميزات.. ولتجعل لكل عيب أو ميزة خانة خاصة، ولا بأس بجداول تعدها لنفسك لتكون لك بمثابة دليل أخلاقي وسلوكي.. ولا تفزع من كثرة العيوب مهما كانت. 

  • والمعاهدة: مشارطة على نفسك بالالتزام ومبايعة لله سبحانه بالوفاء بما التزمت به وعاهدت عليه نفسك وربك ﴿وَمَنْ أَوْفَىٰ بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (سورة الفتح: آية 10).

  •  والمراقبة: متابعة لتنفيذ هذا البرنامج تفصيلًا وإجمالًا.. في كل خطوة على حدة.. وفي الخطوات جميعًا.. مستعينًا في ذلك بتدبر الخطى والأنفاس، مستنهضًا همم الجوارح في المراقبة والتسجيل والإحصاء، محسنًا صحبة الملائكة الكرام البررة الذين يتحملون صحبتنا على ما في أنفسنا من صنوف الأذى والتقصير.

  • المحاسبة: ونعني بها حساب النفس في نهاية كل مدة زمنية، وعقيب كل مجموعة من العمليات، لمعرفة الأرباح والخسائر.. حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا.. والجولة مع النفس تجارة.. وعباد الله يرجون أبدًا تجارة لن تبور.

ويمكننا ذلك عن طريق وضع عدد من الأسئلة.. والإجابة عنها بكل صدق وأمانة، ووضع الدرجات لكل جانب من جوانب هذا الاختبار.

  • المعاقبة: وهي الجزاء والمكافأة للنفس بعد المحاسبة والمراقبة.. والجزاء من جنس العمل.. وأوفى جزاء للنفس يكون بالإنعام عليها بمزيد من الطاعة ومساعدتها على السباحة في بحار الرحمات والفضائل ومكارم الأخلاق.. والمعاقبة إنما تكون بالتذكير والتأنيب الذي يسلم إلى العجز أو اليأس.. إنما يكون دافعًا للمراجعة، ورادعًا عن المعصية.. ولا بأس من فرض عقوبات مشروعة على النفس.. فقد كان سلفنا الصالح يربطون أنفسهم في سواري المسجد لتقصير ما.. في حق ربهم عز وجل.

  • المجاهدة: أما المجاهدة فهي زاد الطريق.. وبذل غاية الاستطاعة في الوصول إلى إصلاح حال النفس، وتخليصها من عيوبها.. فمن خاف أدلج ومن أدلج بلغ المنزل.. إلا إن سلعة الله غالية.. ألا إن سلعة الله الجنة ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (سورة العنكبوت: آية 69). 

لقد أحسن الدكتور الفرماوي وأوجز في وضع هذا البرنامج التربوي الإسلامي الرقيق الرفيق الذي تدعو إليه حاجتنا الفردية، ودعوتنا الحركية، وأزمتنا الأخلاقية الراهنة.

التحاسد بين الصالحين ورجال الآخرة!

كاتبان شهيران، وخطیبان بارزان، وقارئان مرتلان، وواعظان مؤثران، وإداريان ناجحان، ومعلمان بارعان، قل أن يسلم أحدهما من حسد على أخيه، إذ إنهما في سن متقاربة، وبينهما صلة ومعرفة على وجه الخصوص. 

ولأن الله سبحانه وتعالى فضل بعض الناس على بعض فقد تبرز جوانب من المواهب والإبداعات عند بعض الناس دون غيره، وهذا من فضل الله على العبد: قال سبحانه: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ (سورة النساء: آية 54).

 ولأن الشخصيات الآنفة الذكر يكثر الحديث عنها في المجالس والأوساط العامة بين الناس، فإن أحدهم يحب أن يُسمع عنه كل كلام يرضيه، وكل مدح يدفعه في جانب ما يتميز ويعرف به، إذا ما ذكر ند له بارع في مجاله ينتقصه، وقلل من تأثيره- بغير حق- ولا ينجو من هذا البلاء إلا القليل، كما قال الإمام الذهبي- رحمه الله: «وما ينجو من كلام الأقران، وما ينتج عن ذلك من الحاسد إلا من عصم الله، وما علمت أن عصرًا من العصور سلم منه أهله من ذلك سوى الأنبياء والصديقين».

 والحسد بين الأقران هم وغم، وسوء صنيعة، وقلة فهم، ومدخله غريب، وأثره عجيب!

 يصلح أحدهم نفسه للناس ليتميز، ويبين إبداعه، وكثرة من يشكره، ويثني عليه من الناس كلهم يعرفون قدره فيمدحوه، وقد ينتقص من أخيه في موقف أو زلة بكلمة، وهذا من لعب الشیطان به.

ولأن هذا الحاسد لم يجد إلا هذه الكلمة الانتقاصية على لسانه ظانًا بذلك أنه يريد إظهار الحق، وبيان الصواب، بينما السبب في ذلك هو مرض في النفوس، وعدم تربية لها، وكذلك عدم خوف من الله على نفسه وعباده.

وأخطر ما يكون هذا التحاسد بين الصالحين، ورجال الآخرة، وليس هذا بغريب فهم بشر كغيرهم، لكن العجب هو استمرار هذا التحاسد المذموم، والعمل المرذول، الذي لا يقدم لهم شيئًا.

وثمة خطأ يقع فيه بعض الصالحين كذلك هو المدح الكبير والثناء العريض على كتابة كاتب، أو خطبة خطيب، أو جمال قارئ، أو إبداع معلم، أو إتقان مدرب.. بأوصاف لهم أمام غيرهم ممن عرفوا بذلك التميز في أحد الفنون السابقة، وهذا أمر لا ينبغي أن يحدث حتى لا يتسلل الشيطان إلى النفوس فيضعفها، والمرء مأمور بالثناء الجميل، وأحسن كلمة يقولها: «جزاك الله خيرًا»، فقد أبلغ بالثناء كما قال صلى الله عليه وسلم.

والمؤمن الحق، والداعية الرباني، هو الذي تصفو نفسه عند ذكر غيره من أقرانه، فيدعو له بأن يفتح الله على يديه قلوب الناس في: كلماته، وكتاباته، وإنتاجاته، وسيرد له الملك ذلك بالمثل إن هذه المواعظ لا تستقر إلا في قلوب المؤمنين الذين ظهرت قلوبهم، وتنبهوا لمداخل الشيطان على نفوسهم، وكانوا شديدي المحاسبة لها. 

فأنت أنت بما أوتيت من مواهب وملكات، إذا لاقت عرضًا حسنًا، وقلبًا نظيفًا، أما من علق نجاحه على المقارنة الدائمة بالآخرين - من غير هدف سوى  الحسد- فقد ضل السبيل، وهو يحسب أنه يحسن صنعًا.

علي بن حمزة العمري

الأدب مع الله

هناك صنف من النخبة الصالحة يتسم بالأدب والحياء في كل لحظة، وسكنة.. ومن هؤلاءإ براهيم عليه السلام إذ ضرب أروع الأمثلة في الحياء والأدب مع الله، فقد قال: ﴿وإذا مَرِضْتُ فَهو يَشْفِينِ﴾ (سورة الشعراء: آية 80).

 إبراهيم نبي الله ورسوله ملأ فؤاده حبًا لله، فحصل بذلك الإيمان الوافر، فعرف مقدار الخالق في نفسه، فأجله، وعظمه، وتذلل بين يديه تذللا لعبد الضعيف، فاقتضى ذلك الإدراك أن للخالق قدرًا، وشأوًا، ومنة على عباده تقتضي الشكر والحمد والعبودية الخالصة والتذلل، والانكسار بين يديه حتى إن الكلمة لا تخرج إلا بعدما تمر على محطات: الإيمان، والمعرفة، والإدراك، ثم التلفظ.. فتكون قد نُقيت، وجردت من الشوائب، وبدت جميلة بهية صادقة، كأنما رتبت حروفها شهورًا حتى تتجلى بهذا المظهر، والبريق الحقيقي.

 يقول ابن القيم معلقًا على ذلك: «إن نبي الله إبراهيم صاغ كلماته بأسلوب عجيب، فنسب مباشرة الرزق من خلق، وطعام، وشراب، وهداية كلها إلى الله عز وجل.. فهو الخالق الرازق المحيي المميت المعطي الهادي.. ثم نسب بكل أدب وتذلل حصول المرض إلى نفسه حياء من الله أن يتوجه إليه الخطاب بمحض المرض.. فهو مسبب الأسباب.. مقدر الأقدار كل خير وشر منه خير وهو الشافي المعافي سبحانه».

 فيا دعاة الله.. من لي ببذرة في القلوب لمعنى الأدب مع الله الذي يرانا في كل غدوة وروحة؟

رائد محمد الغامدي 

ألعوبة الاستدراج

 بقلم: د. علي الحمادي

 بعض الفرقاء يطربهم أن يوقعوا بالخصم، وأن يستدرجوه إلى الزلل، وأن يستثيروا أعصابه حتى يفقدها، وعندها يقع في ما لا تحمد عقباه، فيتكلم بما لا يعي، ويتصرف بما لا يدرك، وربما يزل في أخطاء قاتلة، فيصبح في موقف لا يحسد عليه.

 إن من الناس من يتصيد الأخطاء، ويصطاد في الماء العكر، ويستغل الفرص كالذبابة التي لا تقع إلا على المواطن النتنة، فتكون النتيجة أن الناس تنفض عمن لا يستطيع أن يضبط نفسه، وتبتعد عمن يكون ألعوبة بيد الآخرين، بل وتزداد تصديقًا وقناعة وإيمانًا بمبادئ وحجج خصومه، إذ إنه قد استقر في نفوس الناس أن صاحب الحق قوي واثق من نفسه لا يستثار ولا يستدرج.

 لذا يحسن بك أيها العاقل أن تحذر من أن تستدرج إلى ما يفقدك السيطرة على عاطفتك أو أمانتك العلمية، فهناك بعض الناس لا يبحثون عن حقيقة، ولا يجادلون إلا بالباطل، تدربوا على فن المناظرة والاستثارة والاستفزاز والجدل والإيقاع بالآخرين، لا يتقون الله فيما يقولونه، ولا يتورعون عن سوق الأفكار المضللة، وقد يعمدون إلى الكذب الرخيص بغية إحراج من يناظرون من العلماء أو المفكرين أو الدعاة أو أصحاب المبادئ. 

والسيطرة على النفس أمر ليس سهلًا، فهو يحتاج إلى تدريب نفسي طويل، ومن أنجح وسائله محادثة النفس في أوقات الهدوء، وإقناعها أن الانفعال الذي يخرج بها عن حدودها فيه أذى لها والفكرة التي تحملها، لذا كن هادئ النفس، منبسط الأسارير، وابتسم إن استطعت.

والنفس كالطفل إن تهمله شب على                                       حب الرضاع وإن تفطمه ينفطم

 إن المتتبع لأحوال عدد من الصالحين يجد التشنج واضحًا في بعض تصرفاتهم، والاستثارة جلية في شيء من ردود أفعالهم، حتى إنه ليخشى أن أحدهم قد يصاب بالضغط والسكري وأمراض القلب وهو في ريعان شبابه. 

إن الأمر لا يستدعي كل ذلك، لا سيما إذا فقهنا أن اتهام الصالحين والدعاة وإيذاءهم والتربص بهم أمر طبيعي عبر التاريخ، ولم ينج من ذلك حتى الأنبياء والمرسلون، فعلام كل ذلك؟ 

وصدق الشاعر حينما قال:

 صبرت على الأيام حتى تولت                                                     وألزمت نفسي صبرها فاستمرت 

وما النفس إلا حيث يجعلها الفتى                                          فإن أطعمت تاقت وإلا تسلّت

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 1157

73

الثلاثاء 11-يوليو-1995

المجتمع التربوي (1157)

نشر في العدد 1159

91

الثلاثاء 25-يوليو-1995

المجتمع التربوي(1159)

نشر في العدد 1160

66

الثلاثاء 01-أغسطس-1995

المجتمع التربوي (1160)