; المجتمع التربوي- العدد (1313) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع التربوي- العدد (1313)

الكاتب د.عبدالحميد البلالي

تاريخ النشر الثلاثاء 18-أغسطس-1998

مشاهدات 69

نشر في العدد 1313

نشر في الصفحة 56

الثلاثاء 18-أغسطس-1998

تخلص من الكوابح

أحد أهم الأسباب في الإخفاق هو المشاعر السلبية، والتي تعتبر الكوابح التي تمنع الإنسان من التقدم والارتقاء، بل تجعله في أحسن حالاته، متسمرًا في مكانه دون تقدم، ولكنها في الغالب تزيد من انحداره حتى تغرقه في بحر من اليأس والقنوط المؤدي إلى الفشل في جميع مناحي الحياة. 

والمشاعر السلبية -كما يقول عالم النفس الإداري بريان تريسي-: تتغذى بغذاءين: ١- التبرير. ٢- انخفاض النفسية. 

بمعنى أننا عندما نجابه بمصائب الحياة ومشاكلها، أو نتعرض لأذى الآخرين فإننا نلجأ حالًا لإلقاء اللوم عليهم، وسلوك منهج التبرير للخطأ، وننسى إلقاء أي من اللوم على أنفسنا، والأمر الآخر أنه عندما نتعرض لهذا الأذى والمشاكل من الآخرين فإننا نتأثر وينعكس ذلك على نفسيتنا، مما يؤدي إلى وضع فرملة في طريق التقدم والارتقاء، وحتى ننجح في الانخلاع من هذه المشاعر السلبية لا بد من أن نتحمل المسؤولية، ومعنى تحمل المسؤولية هو باختصار عدم إلقاء اللوم على الآخرين، حتى وإن كانوا مخطئين بحقنا والتحكم في نفسيتنا فلا ندع لأحد أي مجال لإحزاننا وإغضابنا، ويكون التحكم في أيدينا نحن نفرح متى ما نريد الفرح، ونحزن متى ما أردنا الحزن.

لقد أدرك هذا الأمر ذلك الرجل الصالح من الجيل الأول الذي سبه أحدهم وقبل أن يرد عليه استدار وصلى لله ركعتين، وقال في سجوده اللهم اغفر لي الذنب الذي سلطت بسببه هذا على فقد تحمل المسؤولية للتخلص من المشاعر السلبية حتى لا تعوقه عن الانطلاق في علاقته مع الآخرين، وتربيته لنفسه. 

وكذلك ما حدث لعمر بن عبد العزيز عندما كان خليفة فتعرض له أحد السفهاء بالسب فرد عليه: «إنما أردت أن يستفزني الشيطان بعزة السلطان، فأنال منك اليوم ما مني غدًا، انصرف إن شئت»، فهو الذي يقرر كيف يتحكم في نفسيته، ولا يدع للآخرين هذا الأمر، لذلك كان ابن عبد العزيز من أبرز الناجحين في التاريخ. 

أبو خلاد

نظرات في طفولة الرسول -صلى الله عليه وسلم-

بقلم: د. عبد الباري محمد الطاهر 

الطفل حبة القلب، وبهجة النفس ونور العين وزينة الحياة الدنيا، وعلامة على تواصل الأجيال، وحفظ السلالات وآية من آيات الله في خلقه، ورزق كريم طيب. 

ومن يرزقه الله طفلًا، فيسعى إلى تربيته، ويبذل وسعه في تهيئته، ويحسن تنشئته يجني ثمار ذلك حين يشب ولده، ويبدو في الوجود أثره. 

هذا عن الطفل الذي ينشأ تحت رعاية والده، ولا تكاد تبتعد عنه عيناه، فما بالكم بطفل ينشأ على عين الله؟! هو سبحانه الذي يتولاه ويرعاه!! ويفتح له سبل الحياة أو ينزل البركة في أي موقع تحل فيه قدماه، ويسدد منذ الطفولة خطاها ويجعل لسان حال كل من يراه، يلهج قائلًا: جل من رباه!!، أو ليس هذا الطفل بأسعد أطفال الدنيا؟ بلى.

لقد ولد هذا الطفل المبارك وكان وصفه قد سبق إلى الوجود قبله، فهذه أمه ترى في منامها كأن نورًا يخرج منها، فيضيء مشارق الأرض ومغاربها، فلا تبكي على أبيه الذي لم يره، ولا تحزن أن يولد طفلها يتيمًا، لأنها أدركت من هذه الرؤيا التي وصفته -صلى الله عليه وسلم- بالنور، أنه سيكون في مستقبل الزمان ذا شأن في هذه الدنيا. 

ويتلقف الرضيع ثدي أمه عدة أيام، تعطيه فيها خلاصة الحب، وخلاصة الغذاء، ثم يشترك مع عمه حمزة بن عبد المطلب، ومع أبي سلمة على ثدي ثويبة جارية أبي لهب ثم ينتقل إلى حليمة بنت أبي ذؤيب من بني سعد بن بكر، التي تنقله إلى ديارها، ولنقف مع أمه حليمة نستمع إليها وهي تحكي قصة حصولها على هذا الطفل الميمون، حيث خرجت من بلدها مع زوجها وابن لها صغير، ترضعه في نسوة من بني سعد، تلتمس الرضعاء.

سنة جدباء

قالت: وذلك في سنة شهباء -أي مجدبة لا خضرة فيها ولا مطر- لم تبق لنا شيئًا -كناية عن الفقر-، قالت فخرجت على أتان -أي حمارة- لي قمراء أي بيضاء، ومعنا شارف -أي ناقة مسنة- لنا والله ما تبض -أي ما تعطي القليل- بقطرة وما ننام ليلنا أجمع من صبينا الذي معنا من بكائه من الجوع، ما في ثديي ما يغنيه، وما في شارفنا ما يغذيه، ولكنا كنا نرجو الغيث والفرج، فخرجت على أتاني تلك، فلقد أدمت بالركب -أي جعلت الركب يسير على سيرها البطيء- حتى شق ذلك عليهم ضعفًا وعجفًا، حتى قدمنا مكة نلتمس الرضعاء، فما من امرأة إلا وقد عرض عليها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فتأباه إذا قيل لها إنه يتيم، وذلك أنا إنما كنا نرجو المعروف من أبي الصبي فكنا نقول يتيم! وما عسى أن تصنع أمه وجده؟! فكنا نكرهه لذلك، فما بقيت امرأة معي إلا أخذت رضيعًا غيري فلما أجمعنا الانطلاق -أي قررنا الرحيل- قلت لصاحبي -تعنى زوجها-: والله إني لأكره أن أرجع من بين صواحبي ولم أخذ رضيعًا، والله لأذهبن إلى ذلك اليتيم، فلآخذنه، قال: لا عليك أن تفعلي عسى الله أن يجعل لنا فيه بركة. 

قالت: فذهبت إليه فأخذته، وما حملني على أخذه إلا إني لم أجد غيره، قالت: فلما أخذته رجعت به إلى رحلي فلما وضعته في حجري أقبل عليه ثدياي بما شاء من لبن، فشرب حتى روي، وشرب معه أخوه حتى روي ثم ناما وما كنا ننام من قبل ذلك، وقام زوجي إلى شارفنا تلك، فإذا إنها لحافل -أي مليء ضرعها باللبن- فطلب منها ما شرب وشربت معه حتى انتهينا ريًا وشبعًا، فبتنا بخير ليلة.

نسمة مباركة

قالت: يقول صاحبي حين أصحبنا تعلمي -والله يا حليمة- لقد أخذت نسمة مباركة.

قالت: فقلت: والله إني لأرجو ذلك.

قالت: ثم خرجنا، وركبت أنا أتاني وحملته عليها معي فوالله لقطعت بالركب ما يقدر عليها شيء من حمرهم، حتى إن صواحبي ليقلن لي يا ابنة أبي ذؤيب ويحك!! اربعي علينا!! أليست هذه أتانك التي كنت خرجت عليها؟! فأقول لهن: بلى والله إنها هي فيقلن: والله إن لها لشأنا. 

قالت: ثم قدمنا منازلنا من بلاد بني سعد، وما أعلم أرضًا من أرض الله أجدب منها، فكانت غنمي تروح -حين قدمنا به معنا- شباعًا لبنًا، فنحلب ونشرب، وما يحلب إنسان قطرة لبن، ولا يجدها في ضرع، حتى كان الحاضرون من قومنا يقولون لرعيانهم: ويلكم!! اسرحوا حيث يسرح راعي بنت أبي ذؤيب فتروح أغنامهم جياعًا، ما تبض بقطرة لبن، وتروح غنمي شباعًا لبنًا، فلم نزل نتعرف من الله الزيادة والخير، حتى مضت سنتاه، وفصلته وكان يشب شبابًا لا يشبه الغلمان، فلم يبلغ سنتيه حتى كان غلامًا جفرًا- أي قويًا عظيمًا-. 

قالت: فقدمنا به على أمه، ونحن أحرص شيء على مكثه فينا لما كان من بركته، فكلمنا أمه وقلت لها: لو تركت بني عندي حتى يغلظ -أي يشتد عوده- فإني أخشى عليه وباء مكة قالت: فلم نزل بها حتى ردته معنا.

قالت: فرجعنا به.

وهكذا كان الرضاع في الصحراء عند بني سعد من تدبير الله سبحانه لرسوله -صلى الله عليه وسلم-، وهو نوع من الاصطفاء الإلهي لأن هذا المكان جعل منه -صلى الله عليه وسلم- رجلًا فصيح اللسان، فقد حدث أبو بكر -رضي الله عنه- الرسول ﷺ قائلًا: يا رسول الله: ما رأيت أفصح منك!! فقال: «وما يمنعني وأنا من قريش، وأرضعت في بني سعد»، إن هذه الرضاعة صقلت لسان الرسول الخاتم، ليحمل إلى البشرية أفصح كتاب في أنصع بيان.

وإذا رجعنا إلى السيدة حليمة وما كانت تفعله مع رضيعها الحبيب الذي جلب عليها الخير والبركة والنماء... كيف كانت تعامله؟!! 

نجدها كانت تداعبه وتناغيه، فمن ذلك قولها له وهي تفعل معه مثلما تفعل الأمهات مع الأبناء: 

يا رب إذ أعطيته فأبقه

وأعله إلى العلا ورقه

وادحض أباطيل العدا بحقه

وكانت الشيماء أخته من الرضاعة تقول:

هذا أخ لي لم تلده أمي *** وليس من نسل أبي وعمي
فديته من مخول معمي  *** فأنمه اللهم فيما تنمي

ومخول معمي أي كريم الأخوال والأعمام. 

وكانت تقول أيضًا:

يا رب أبق أخي مــحــمــدًا  *** حتى أراه يافعًا وأمردًا

ثم أراه سيدًا مسودًا *** وأكبت أعاديه معًا والحسدا

وأعطه عزًا يدوم أبدًا

وقد كان -صلى الله عليه وسلم- أعرف الناس بالجميل وأشدهم مكافأة عليه، وقد قدم عليه -بعد أن أظهر الله الإسلام- أبواه من الرضاع فأكرمهما، وبسط لهما رداءه، ووصلهما، وكانت الشيماء وقعت في سبايا هوازن، فلما عرفها قال لها: «إن أحببت... فعندي محببة مكرمة، وإن أحببت أن أمتعك، وترجعي إلى قومك فعلت»؟ فقالت: بل تمتعني وتردني إلى قومي فوصلها، وأكرمها، وردها إلى قومها، ويقال: إنه أعطاها غلامًا وجارية، فزوجتهما، وتناسلا. 

وإذا كانت الرضاعة في الصحراء -كما يقول الشيخ أبو بكر الجزائري- قد جعلت الطفل المبارك فصيح اللسان، فإنها كذلك حفظته -بحفظ الله تعالى- من وباء مكة، وقوت جنانه، ورققت مشاعره -صلى الله عليه وسلم-.

ولقد كانت البركة في مقدم محمد -صلى الله عليه وسلم- مع حليمة ليسترضع عندها، يقول الشيخ محمد الغزالي -رحمه الله-: «كانت سنواتها عجافًا من قبله، فأمتن الله عليها بخير مضاعف درت الضروع بعد جفاف، ولان العيش، وأخصب وشعرت حليمة وزوجها وولدها بأن أوبتهم من مكة كانت باليمن والغنم، لا بالفقر واليتم مما زاد تعلقهم بالطفل وإعزازهم له.

وتنشئة الأولاد في البادية، ليمرحوا في كنف الطبيعة، ويستمتعوا بجوها الطلق وشعاعها المرسل، أدنى إلى تزكية الفطرة، وإنماء الأعضاء والمشاعر، وإطلاق الأفكار والعواطف، ثم يقول رحمه الله:

إنها لتعاسة أن يعيش أولادنا في شقق ضيقة من بيوت متلاصقة، كأنها علب أغلقت على من فيها، وحرمتهم لذة التنفس العميق والهواء المنعش. 

ولا شك في أن اضطراب أعصاب الذي قارن الحضارة الحديثة يعود -فيما يعود إليه- إلى البعد عن الطبيعة، والإغراق في التصنع، ونحن نقدر لأهل مكة اتجاههم إلى البادية لتكون عرصاتها الفساح مدارج طفولتهم، وكثير من علماء التربية يود لو تكون الطبيعة هي المعهد الأول للطفل حتى تتسق مداركه مع حقائق الكون الذي وجد فيه، ويبدو أن هذا حلم عسر التحقيق. 

ويقول د. محمد القلعجي: ونحن لا نشك في أن خبر محمد -صلى الله عليه وسلم- وخبر ما حل في البيت الذي هو فيه من البركة قد انتشر في أنحاء البادية، وسارت به الركبان، ويؤكد لنا شيوع هذا الخبر أن الناس يقولون لغلمانهم: ارعوا أنعامكم حيث ترعى أنعام حليمة، ولما تعود أنعامهم كما ذهبت وتعود أنعام حليمة وقد امتلأت لا بد من أن يثور في نفوسهم ألف سؤال بحثًا عن السر ولا تغيير في أمر حليمة إلا دخول هذا الطفل «محمد» بيتها. 

كل هذا كان له أثره في توجيه أنظار أهل البادية إلى محمد -صلى الله عليه وسلم- في وقت مبكر، ليكون مهوى القلوب، ومجمع الزنود المفتولة، عندما يتسلم قيادة هذه الأمة، فيقول الناس هذا الذي عرفنا بركته صغيرًا، فما الذي يمنعنا أن نكون معه كبيرًا، لعله يحقق لنا الخير الذي عجزنا عن تحقيقه؟ 

ويقول الدكتور محمد أبو شهبة عن الاسترضاع في البادية إنه: «أنجب للولد، وأصح للبدن، وأصفي للذهن، وأبعد عن الوخم والكسل وكانوا يقولون إن المربى في المدن يكون كليل الذهن فاتر العزيمة ضعيف البنية، هذا إلى ما في نشأتهم بين الأعراب من استقامة اللسان بالفصيح من الكلام والسلامة من اللحن، والبراءة من الهجنة». ونختم حديثنا هذا بقول الدكتور مصطفى السباعي تعليقًا على الاسترضاع في البادية: «كلما عاش الداعية في جو أقرب إلى الفطرة، وأبعد عن الحياة المعقدة، كان ذلك أدعى إلى صفاء ذهنه، وقوة عقله وجسمه ونفسه وسلامة منطقه وتفكيره، ولذلك لم يختر الله العرب لأداء رسالة الإسلام صدفة، ولا عبثًا، بل لأنهم كانوا بالنسبة إلى من يجاورهم من الأمم المتمدنة أصفى نفوسًا، وأسلم تفكيرًا، وأقوم أخلاقًا، وأكثر احتمالًا لمكاره الحروب في سبيل دعوة الله ونشر رسالته في أنحاء العالم. 

وأخيرًا.. صدق الله العظيم القائل: «أَلَمۡ یَجِدۡكَ یَتِیمࣰا فَـَٔاوَىٰ»، (الضحى: 6).

مدرسة الليل

عن سليمان بن يسار قال: قال أبو أسيد -رضي الله عنه-: «نمت البارحة عن وردي حتى أصبحت، فلما أصبحت استرجعت، وكان وردي سورة البقرة، فرأيت في المنام كأن بقرة تنطحني» رواه ابن أبي داود 

وروى ابن أبي الدنيا عن بعض حفاظ القرآن، أنه نام ليلة عن حزبه فأري في منامه كأن قائلًا يقول له:

عجبت من جسم ومن صحة *** ومن فتى نام إلى الفجر 

والموت لا يؤمن خطفاته *** في ظلم الليل إذا يسري 

إن عبادة الليل لها وقع خاص في نفوس الصالحين والدعاة السابقين، فترة لا يشاركهم فيها العامة من الناس إلا ما رحم الله بالليل تحيا قلوبهم وتسمو أرواحهم، وترتفع عن الأرض أبدانهم، وتعاف عن الشهوات والغرائز البهيمية نفوسهم، كيف لا وهم يقرأون: «إن العبد ليفتتح سورة، فتصلي عليه الملائكة حتى يفرغ منها». 

عبادة الليل أفرغ وقتًا للدعاة للانشغال بالليل ذكرًا واستغفارًا وصلاة وأصفى ذهنًا من متاعب كسب الرزق وحركات الإصلاح في المجتمع ومعالجات مسارب السلوك عند الناس.. وأحن أوبًا إلى الله تعالى وكان سيدنا عمر بن عبد العزيز -رضي الله عنه- يتمثل هذه الأبيات:

نهارك يا مغرور سهو وغفلة *** وليلك نوم والردى لك لازم
يغرك ما يفنى وتفرح بالمنى *** كما غر باللذات في النوم حالم 
وشغلك فيما سوف تكره غبه *** كذلك في الدنيا تعيش البهائم 

فالليل الليل نعم الزاد إن استغل.. والنوم النوم بئس الزاد إن استمر إلى الفجر أو بعده.

عدنان القاضي

كلمة إلى الدعاة

استدلالات تربوية

بينما رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بين أصحابه، إذ جاء إليه شاب وقال: «يا نبي الله أتأذن لي بالزني؟ فصاح بها الصحابة وأرادوا به ما أرادوا فأسكتهم الرسول -صلى الله عليه وسلم-، وقال لهم: «قربوه قربوه، ادن، فدنا حتى جلس بين يديه فقال -صلى الله عليه وسلم-: «أتحبه لأمك، قال: جعلني الله فداك يا رسول الله وكيف أحبه لأمي؟ قال: كذلك الناس لا يحبونه لأمهاتهم، أتحبه لابنتك؟، قال: جعلني الله فداك يا رسول الله، وكيف أحبه لابنتي؟ قال: وكذلك الناس لا يحبونه لبناتهم، أتحبه لأختك؟ ...»، وما إن انتهى من الكلام حتى وضع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يده الشريفة على صدر الشاب وقال: «اللهم طهر قلبه، واغفر ذنبه، وحصن فرجه، فلم يكن شيء أبغض إليه منه- يعني الزنى.

ولنا في تلك الحادثة وقفات نستفيد منها في العملية التربوية:

١- مصارحة التلميذ للمربي في حالة وقوعه في خطأ لا يستطيع علاجه فلا يحرج مهما عظمت المسألة، فإنه من المؤكد أنه سوف يجد -إن شاء الله- الجواب الكافي ليساعده على حل معضلته، وكما قيل: «في الصراحة راحة».

٢- تهدئة الرسول الله -صلى الله عليه وسلم- لروع الصحابة، فلا ينبغي أن تؤخذ كل مشكلة بالاستنكار الكبير الذي حصل وكأن القيامة قد قامت لكن لا بد من أن نعلم أنه مهما عظمت المسألة، فإن لكل مشكلة حلا، وأن نكون عونًا لأخينا على شيطانه لا العكس، ونمد له يد العون. 

٣- سرية المشاكل الخاصة وعدم إفشائها، والحرص على كتمانها من قبل المربي، وذلك عندما قال الرسول -صلى الله عليه وسلم- له الشاب: «قربوه، قربوه ادن».

٤- على المربي -في علاج بعض المشاكل- أن يخاطب الفطرة والعقل، كما فعل رسولنا الكريم حين قال: «أتحبه لأمك؟».

5- بعد سماع المشكلة لا بد من أن يجتهد المربي في أن يحل المشكلة لكي يكسب ثقة تلميذه، ولا يكون دوره فقط الاستماع من غير إعطاء علاج.

٦- الاستعانة بالدعاء لحل المشاكل، وهذا ما فعله الرسول -صلى الله عليه وسلم- عندما مسح على صدره ودعا له، وكما قال رسولنا الكريم: لو كان شيئًا رادًا للقضاء لكان الدعاء.

7- متابعة المربي للعلاج، والتأكد من سيره السليم، وذلك واضح من قول الراوي: فلم يكن شيء أبغض إليه منه- يعني الزنى.

خالد علي الملا

إلى رحمة الله

ناجي الطنطاوي

بقلم: زهير الشاويش

انتقل إلى رحمة الله تعالى في بلدة دوما يوم الجمعة ٧ ربيع الثاني ١٤١٩هـ- 31/ 7/ 1998م، عن عمر أربعة وثمانين عامًا، المربي الفاضل والقاضي النزيه والعالم المتقن والشاعر المجيد الشيخ ناجي الطنطاوي، وكان مولده عام ١٣٣٢هـ- ١٩١٤م. 

عرفت الفقيد بعد سنوات من صلتي بأخيه: الأكبر أستاذنا العلامة الشيخ علي الطنطاوي -حفظه الله- وبارك في عمره وعمله.

توثقت صلتي به بعد انتخابات ١٩٤٧م التي لم ينجح فيها الشيخ علي بفعل التزوير البشع الذي قامت به حكومة ذاك العهد.

فقام الشيخ ناجي بعقد جلسات نتدارس فيها الأمور العامة، وتضم بعض من تعاون معه في تأييد أخيه في تلك الانتخابات، ومنهم الأستاذ: الشاعر محمد الكنجي، والأستاذ عصام العطار، والشيخ سعيد أبو شعر والأخ كامل حتاحت، والأستاذ راتب النفاخ وغيرهم. 

ووجدنا من الشيخ ناجي عقلًا وفهمًا وعلمًا غير إن هذه الجلسات لم تدم طويلًا، ولكن بقيت الصلة مع الشيخ ناجي قوية مستمرة. 

وقد ساعدنا الشيخ ناجي في الإعداد للجهاد -حيث جرت يومها التجمعات لمنع تقسيم فلسطين- وفي غيرها من الأعمال العامة، واستمرت حتى وفاته رحمه الله.

وكان الشيخ ناجي غاية في التواضع والسمت الحسن، مع علمه الغزير، وعقله الكبير، بعيدًا عن الظهور، بل كان مغمورًا في الأوساط العامة، ولهذا سبب واضح، فإنه الشقيق الأصغر لشيخنا علي الطنطاوي، الذي سبقه بالولادة بسبع سنوات، ولكن سبقه بالحضور العام على أوسع نطاق، بل وسبق غيره ممن عاصروا مطالع القرن. 

والشيخ علي يذكر ذلك دائمًا، وفي ذكرياته مواطن كثيرة تحدث فيها عن أخيه الشيخ ناجي قال في ذكرياته 8/ 346 بتصرف: 

أخي ناجي وأخواه عبد الغني وسعيد كلهم أنبغ مني، ولكني خطفت الأضواء منهم -كما يقولون في التعبير الحديث- دخلت حلبة المصارعة، وما الحياة إلا مصارعة بطبل وزمر وضجة وصحب، نشرت سنة ١٣٤٨هـ رسائل الإصلاح... إلخ، لقد عرفت الشهرة وذاع إسمي وأنا ابن إحدى وعشرين سنة نبهت الناس إلي، فظلمت إخوتي الذين هم أنبغ مني.

ذلك لتعلموا أن الشهرة ليست مقياس العظمة، ولا المدار عليها في تقدير قيم الرجال.

أخي ناجي شاعر وفقيه ولا تعجبوا أن يجمع رجل بين الفقه والفتوى والقضاء، وبين الشعر منظومًا ومترجمًا عن لغة أخرى.

أخي ناجي نظم الشعر وكان تلميذًا في المدرسة الثانوية، ونظم بعدها ما لا يحصى من القصائد.

وناجي أحد الذين يجري الشعر على ألسنتهم كما يجري الماء، ينظمونه عفوًا ويرتجلونه ارتجالًا... إلخ.

وعندما ذكر الشعراء الكبار ذكر أبو سلمى الكرمي، وزكي المحاسني، وجميل سلطان، وأمجد الطرابلسي، وعمر أبو ريشة، وبدر الدين الحامد وناجي الطنطاوي (ذكريات ۳۱/۲، ۱۱۲، ۲۸۵). 

وكان الشيخ علي يعتمد كثيرًا على أخيه الشيخ ناجي، وقد حدثتني الخالة أم عنان زوج الشيخ علي وهي تبكي بقولها:

والله كان الشيخ ناجي لي ولأولادي كالوالد، ولو كان لي أخ ما كان عطفه أحسن من عطفه لما وجدناه منه، تغمده الله برحمته.

والشيخ علي كان يرى في أعمال ناجي امتدادًا له، فقد كان مربيًا مثله، وقاضيًا كذلك، وأديبًا وفقيها، ولكن له الأناة والتروي وبعض النظر المختلف عما عند شيخنا حفظه الله. 

بل كان يفتخر ببعض أعمال الشيخ ناجي (2/ 103) ذكر أنه في إحدى معارك الحرية التي كان يقودها ضد الحكم التابع للمستعمر وتعطيل الانتخابات المزورة، اقتحم مصلى صغيرًا في دوما مما أدى إلى هدمه واستغفر الله من ذلك، وأردف يقول:

على أنني أحمد الله أن أخي ناجي خلفني في قضاء دوما، فألهمه الله العمل على إنشاء المساجد، ووفق في ذلك، وتم على يديه، وبنفقة المحسنين بناء أكثر من عشرين مسجدًا كبيرًا، فعوض الله على أهل دوما المصلى الذي انهدم.

وكان الشيخ علي يعتمد على أخيه حضور بعض الاجتماعات الأولية، وبعدها قد يتابعها بنفسه، ومن ذلك ما ذكره عن اللقاء الذي تم مع سماحة الحاج أمين الحسيني وبعض المعترضين عليه، وملخصه كما ذكره في (5/ 75) وتابعه في (۱۳/۵)، قال: 

ومثل الحاج أمين لا يعرف به في مقالة، لأنه أعرف من أن يعرف ولكنني أذكر واقعة واحدة لعلها أدل عليه من المقالات لما كثر المتكلمون على الحاج أمين بعد ضياع فلسطين واتهموه -بالحق أو بالباطل- بأنه والهيئة العربية العليا كانوا بتقصيرهم من أسباب هذا الضياع شخصيات إخوته وكان عندي الأستاذ محمد كمال الخطيب، أراد أن يلقى الحاج أمين، فأخذت له ولمن معه موعدًا من الحاج أمين على أن يسمع منهم كل ما يقال عنه، وأن يسمعوا منه ما يجيب به، وكان الاجتماع في دار الشيخ موسى الطويل، وذهب معه الأستاذ زهير الشاويش وأخي ناجي. 

أقول إنهم ذهبوا إليهم ولم أذهب معهم واسمعوه كل ما يقال عنه، وما يوجه من تهم إليه، صرحوا به تصريحًا، ما لوحوا تلويحًا ولا لمحوا تلميحًا، وهو صامت لا تتحرك في وجهه عضلة مصغ إليهم ما أعرض عنهم، ولا ضاق بهم، وكأنهم يقصون عليه دمشق قصة من قصص الأولين، فهو يستمع إليها بلا انفعال ولا غضب.

حتى إذا انتهوا قال: هل بقي شيء؟ قالوا: لا، وماذا بقي وهم ما أبقوا عليه؟ قال:

اسمعوا وطفق يعيد التهم كما أوردوها، ويرد عليها واحدة واحدة، ردًا منطقيًا هادئًا، مؤيدًا بالبرهان مقوى بالدليل.

فخرجوا وهم يحملون العجب منه، والإعجاب به وصاروا بعد ذلك معه، وكانوا من قبل عليه. 

وكلف الشيخ علي أخاه ناجيًا -رحمه الله- مرة أن يجمع سيرة ابن إسحاق التي شاع أنها مفقودة من تاريخ الطبري، وهذا عمل عظيم لا يستطيعه غير الشيخ ناجي العالم المحقق المدقق، وكذلك عمل مع أخيه ناجي في كتابه «أخبار عمر» بعد أن كان عمل به باسم «عمر بن الخطاب». 

والحق أن الطريق الذي سلكه الشيخ على طريق آخر يختلف عن طريق الشيخ ناجي مع اشتراكهما في الأدب، والفقه، والتعليم، والقضاء. 

فالشيخ علي في الأدب صاحب مدرسة هو الذي يشق لها الطريق، ويقول للناس اتبعوا ما رسمت لكم. 

فيما الأستاذ ناجي مشى على ما كان عليه الأسبقون من الطريق المعبد، وكان له العلامات المميزة، ولكنها على جوانب الطريق المعبد من قبل.

وأما فقه الشيخ على فقد كان التقاطًا من أمهات المسائل، وعمل عقله وفكره فيها، وخرج على الناس بفقه لم يكن فيه مقلدًا، وإن ادعى التقليد، بل كان مجتهدًا مع دعواه العجز عنه، وأخذ الناس ما ذهب إليه وقلدوه في أكثر ما وصل إليه علمه وفهمه.

وأما الشيخ ناجي فقد استمر مقلدًا لمذهبه «الحنفي»، مع حسن العرض، وتقريب الحكم للناس ليكون معقولًا مقبولًا. 

وفي التعليم كانت أيضًا طريقة الشيخ على الخروج على المناهج واختراع مناهج جديدة نفعت الناس، ولكن لم يوافق على أكثرها رجالات التربية الذين اعتادوا تطبيق ما ثبت تجربته وطبق المرة تلو المرة.

وانظر مقاله العظيم في مجلة الرسالة المصرية العدد ٦٥٥ سنة ١٩٤٦م، والذي انتقد فيه ما كان يفعله ساطع الحصري، وكان لهذا المقال الأثر الذي أذهب مناهج ساطع الحصري من سورية. 

أما الأستاذ ناجي، فقد نفع طلابه بتدريسهم المناهج المعتمدة مع حسن العرض.

وفي القضاء، فكذلك عمل الشيخ علي من اليوم الأول على دخوله القضاء، قام بإثارة المشاكل على القوانين حتى كان أن عين في وزارة العدل بسورية المسؤول عن إعداد القوانين، وذهب بعدها إلى مصر، وانتقد ما فعل المصريون وعلى رأسهم الدكتور السنهوري، ولم يجد أستاذنا الشيخ مصطفى الزرقا إلا اتباعه على ما اجتهد فيه، وأخيرًا جرى تعديل القوانين بمصر، والكثير من القانون السوري، ومنها اعتماد الوصية الواجبة واعتماد أقوال شيخ الإسلام ابن تيمية بجمع شؤون الطلاق، وأخرج كلام العامة وعادات الأسواق من أحكام الطلاق التي كانت تهدم البيوت، وتفرق الرجل عن زوجته وأولاده، كما هي حال أهل الوسوسة من الجهال.

وأما أستاذنا ناجي، فكان يطبق ما أخذ عليه فيه العهد بتطبيق القانون مع محاولة العدل، وقد سمعت منه أنه يخرج عن بعض ذلك اتباعًا لما عنده من مرسوم ويلزم المفتي الحكم بالراجح من مذهب أبي حنيفة -رحمه الله-، فكان يقدم الأقوال الأخرى، ثم يختم كلامه بالراجح، وكأنه يومئ للمراجع أو المحامي بالحجة والدليل.

وأذكر أن سبب انتقاله من التعليم إلى القضاء أنه أصيب بمرض في حنجرته جعل كلامه متعثرًا فانتقل للقضاء الشرعي في دوما والنبك والقنيطرة ثم ذهب إلى المملكة العربية السعودية، وكان المستشار الأول في وزارة الحج والأوقاف لمدة زادت على العشرين سنة. 

إن الحديث عن الشيخ ناجي يطول ولا يمل منه، بل ولا ينتهي.

اللهم ارحم الشيخ ناجي الطنطاوي وعوضه الجنة ولله ما أخذ ولله ما أعطى وكل شيء عنده بأجر ومقدار.

وأحسن الله عزاء أستاذنا الشيخ علي وأخويه الدكتور عبد الغني والأستاذ سعيد، وأبناء الفقيد وعوض المسلمين خيرًا، وإنا لله وإنا إليه راجعون.

تعال نؤمن ساعة

هذا الذي أوردني الموارد

عندما يستعرض الإنسان يومه وليلته، ويحاسب نفسه يجد أنه قد وقع منه الكثير من الزلل والخطأ، إما بسبب قول، أو حديث، أو همز، أو لمز، أو نقل كلام وما شابهه، إذ مجمل القول كله أن السبب الرئيس في هذا الخلل هو لسان المرء نفسه، وهو الذي استفسر عنه الصحابي الجليل معاذ ابن جبل فيقول: وإنا لمأخذون بما نتكلم به يا رسول الله؟ فقال الرسول -صلى الله عليه وسلم-: ثكلتك أمك يا معاذ وهل يكب الناس على مناخرهم أو قال على وجوههم- يوم القيامة إلا حصائد ألسنتهم؟!». وهو الذي حذرنا منه الإمام الشافعي -رحمه الله-: 

احفظ لسانك أيها الإنسان *** لا يلدغنك إنه ثعبان
كم في المقابر من قتيل لسانه *** كانت تهاب لقاءه الأقران 

وكان ابن عباس يقول: ما من شيء يحتاج إلى طول سجن من لساني، والخليفة أبو بكر الصديق كان يضع حجرًا في فمه، ولما سئل في ذلك قال: حتى قبل أن تخرج الكلمة أزنها، أفي حق أم في باطل.

هؤلاء هم سلفنا الصالح، وها هي سماتهم وهم من هم.. القرن الأول، والذي يقول فيه خير البرية إنه خير القرون.

يقول الشاعر: 

لسانك لا تذكر به عورة امرئ *** فكلك عورات وللناس ألسن

فإلى من كان ديدنهم القيل والقال والطعن والكلام في أعراض العلماء.. نهدي إليكم هذه الكلمات.. فيا ليت قومي يعلمون.

خالد حسن مال الله

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 1157

73

الثلاثاء 11-يوليو-1995

المجتمع التربوي (1157)

نشر في العدد 1159

91

الثلاثاء 25-يوليو-1995

المجتمع التربوي(1159)

نشر في العدد 1160

66

الثلاثاء 01-أغسطس-1995

المجتمع التربوي (1160)