; معالم على الطريق.. الديمقراطية العربية التي تلاحقنا | مجلة المجتمع

العنوان معالم على الطريق.. الديمقراطية العربية التي تلاحقنا

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر الثلاثاء 17-يونيو-1997

مشاهدات 64

نشر في العدد 1254

نشر في الصفحة 51

الثلاثاء 17-يونيو-1997

كلما أنعم الله على الناس بنسيان انتخابات عربية إذ بنا تلاحقنا انتخابات عربية أخرى تحملنا الهموم والمواجع، ولله در القائل: 

ولو كان همًّا واحدًا لاحتملته                                             ولكنه همٌ وثانٍ وثالثُ

ففي كل انتخابات تجرى في وطننا العربي ترى ما لا يراه الناظرون، وتدرك العجب العجاب، وتشم ما يفجر الأنوف حتى تتوارى تلك الجيفة الانتخابية في ضمائر قاتليها، وبطون مدبريها: 

﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلا بِأَنْفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ (الأنعام، آية: 123).

والحقيقة التي لا مراء فيها أننا في أوطاننا هذه نتمتع بصفوة في السلطات لا توجد في أي بقعة في العالم، ولا مثيل ولا نظير لعقلها وإخلاصها ونبوغها وإبداعها في الأمم والشعوب لا في الحاضر ولا في الماضي ولا في المستقبل، بدليل أن الشعوب تتمسك بها طول الحياة، وتزكيها طول العمر، وتنتخبها على مدار المجالس النيابية والشورية، وتهتف لها دائمًا «بالروح بالدم نفديك» وتفوض لها كل شيء لتفعل ما بدا لها وما تشاء، ولا تسأل عما تفعل أو تحاسب على ما تقترف، وهذه الصفوة العبقرية المبدعة، ما عرف عنها قبل ذلك علم أو تخصص أو نظريات إصلاحية، فلا هي سياسية، ولا اقتصادية، ولا اجتماعية، ولا تربوية، أو عهد عنها شيء يؤهلها لقيادة أو ريادة أو فلسفة في العمران، أو خبرة في حلول المشاكل ورفع المعاناة، أو جهاد وطني وتحرر فكري، وإنما قد أصبحت بقدرة قادر تمتلك كل هذه المؤهلات بل وتعلمها وتقود بها وتحمل الناس عليها من غير مشورة من أحد، أو معونة من علان او ترتان، وشأنهم في ذلك شأن المثل العامي القائل «جت له الولاية صبح سيده يبوس إيده».

وهم لهذا تؤيدهم الشعوب بجنون، ويحصدون المقاعد في المجالس والمجامع باكتساح منقطع النظير، لذلك قد شجعتهم تلك المؤهلات المباغتة، والعبقريات المفاجئة، وجراهم حب الجماهير القسري وتأييد الشعوب الجبري على محاربة هوية الأمة، وتغيير ثقافتها، وتبديل توجهها وإرادتها، لمعرفتهم بمصالحها، وحرصهم على منافعها. 

ولكن مادامت الشعوب على هذا الولاء الطاغي، وهذا الحب الواله لهذه السلطات، فلم المحاولات المتكررة لإقامة هذه الانتخابات المرهقة؟ وإجراء هذا الاقتراع المكلف؟ الذي لا يغني ولا يسمن من جوع، أو يقدم شيئًا أو يؤخره، اللهم إلا إذا أريد به كيد الحساد، أو الفخر على الأعداء، والناظر الفاحص إلى أمتنا اليوم يراها تهزل في أخطر الأشياء وأولاها بالجد، لقد بلغت أزمة الديمقراطية في الوطن العربي حدًّا لم يعد يحتمل الانتظار، فالإنسان العربي الذي يرزح اليوم تحت وطأة التخلف والاستغلال والقهر والإقامة الجبرية ضمن حدودة الإقليمية المفروضة من القوى الخارجية والتابعة لها في الداخل، لم يعد يطيق الهموم الجديدة الثقيلة غير المحتملة من القهر السياسي، وحجر الرأي، ومصادرة الحقوق الأساسية.

إن مفهوم الديمقراطية الذي يقدم اليوم في إطار المسرحيات التي تقام على الساحة العربية لم يعد يخدع أحدًا، وقد أصاب الجميع بالامتعاض والتمرد والاستهتار، ولم يعد كثير من السلطات اليوم تجد حتى المبررات الواهية لستر العورات، وقد استهلكت كثيرًا من المسميات علها تجد فيها الغناء دون جدوى، واحترقت في يدها العديد من الشعارات دون فائدة، مثل: «قوى الشعب العاملة» «تحالف العمال والفلاحين» «إرادة الأمة»، وأخيرًا «التعددية الحزبية الديمقراطية» «الليبرالية» «تعدد السلطات» «الحرية السياسية» «النظام الدستوري»، «سيادة القانون»، إلى غير ذلك من الشعارات والأسماء التي ما أنزل الله بها من سلطان، وقد أدى ذلك إلى عزوف الإنسان العربي بشكل عام عن المساهمة الإيجابية في كثير من الأحداث المصيرية التي يمر بها الوطن العربي والإسلامي اليوم، وتسببت في امتناعه عن اتخاذ المواقف اللازمة التي تتطلبها الأحداث، والغريب أن هذه السلبية ترضي الكثير من أصحاب السلطات لأنهم يريدون الأمة مدجنة، وهذا البرود الجماهيري إن دل على شيء فإنما يدل على ذهاب ريح الشعوب وقوتها، وعدم استعدادها للتضحية لحماية هذا العبث الذي يجري على الساحة اليوم، وما الإذلال العربي اليوم الذي تمارسه إسرائيل، وسكوت الأمة عليه إلا نتيجة هذه التراكماتاللا مسؤولة التي تتزاحم على الساحة اليوم.

لقد نظرت الجماهير العربية إلى أمتها المترامية التي تبلغ اليوم في منطقة الشرق الأوسط حوالي ثلاثمائة مليون، فوجدتها تركع كل يوم أمام انتصارات إسرائيل المتتالية وعربدتها فوق أي بقعة عربية تختارها دون مقاومة أو دفاع عن النفس، ووجدتها تنظر إلى إسرائيل وديمقراطيتها وحرية الفرد فيها وانطلاقه واختياره لممثليه، وتنظر في المقابل إلى الغش والسقوط العربي، والتزوير والتمسك بالفساد، والضرب بإرادة الأمة عرض الحائط، ووجدتها تنظر إلى حالتها العلمية والاقتصادية والتكنولوجية والحضارية بحسرة لأنها تكتسب كل يوم إدبارًا وانحدارًا وتدهورًا، كل ذلك ورث الناس فجيعة نفسية وإحساسًا زائدًا بالأزمة التي تعانيها الأمم في قضية الديمقراطية مضمونًا وشكلًا، والخطورة كل الخطورة اليوم هي في:

  1. سلبية الشعوب التي تكاد من قوة القهر ان تستسلم للواقع الأليم. 
  2. ملاحقة الفاعلين في الشعوب ومحاولة التخلص منهم حتى تعمق النومة وتستمر الهجعة.
  3. التدخلات الخارجية الحامية لهذا الفساد الديمقراطي والمباركة له. 
  4. محاولة حمايته داخليًّا والتعاون على إقراره وإعطائه الشرعية العربية وتجريم الخارجين عليه. 
  5.  مباركة الإعلام وعدم كشفه للحقائق على مساحة الوطن العربي كله بدعوى الشأن الداخلي أو الحفاظ على الوحدة العربية التي لا وجود لها، بل هذا الفساد هو المعوق الأساسي لها. 
  6. أصبحت فاتورة النضال الديمقراطي والكفاح في سبيل الحرية مكلفة كثيرًا في ظل هذه الظروف والملابسات الصعبة، وقد لا يستطاع القيام بها في الوقت الراهن إلا بحبل من الله وحبل من أولي العزم.

وبعد.. فليس لنا اليوم إلا أن نبذل الجهد في الإقناع، والعمل على إصلاح الخلل وإشهاد الله ثم الأمة، وهل رأيت أمة نهضت أو غيرت ما بها بغير جهد أو عمل؟ وهذه سنة من سنن الحضارات، فهل ترانا ننهض كما نهضوا، ونتبع نفس السنن، نسأل الله ذلك.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 166

85

الثلاثاء 04-سبتمبر-1973

أكثر من موضوع (العدد 166)

نشر في العدد 712

103

الثلاثاء 09-أبريل-1985

الطائفية لعبة يهودية