العنوان الانتفاضة.. جدلية المقاومة أو التسوية
الكاتب إبراهيم أبو الهيجا
تاريخ النشر السبت 10-نوفمبر-2001
مشاهدات 75
نشر في العدد 1476
نشر في الصفحة 43
السبت 10-نوفمبر-2001
لماذا أصبحت مدرسة المقاومة الفلسطينية هي الخيار الواقعي والعملي لتحرير الأرض الفلسطينية، ولماذا بالمقابل أصبحت مدرسة التسوية وآلياتها شكلًا من أشكال الطوباوية والمثالية؟
من المهم ونحن نتجاوز العام من انطلاق الانتفاضة أن نناقش أولئك الذين مازالوا يتمسكون بالتسوية السلمية وظلوا ردحاً من الزمن يعتبرونها الخيار الواقعي، بينما اعتبروا - حينًا - أصحاب نظرية المقاومة تارة مثاليين وتارة مجانين، ولابد هنا أن نشير إلى أن رفض الانسحاب الصهيوني من الأراضي المحتلة ينبع من عدة أسباب أو أبعاد أهمها:
1- البعد الديني المؤسس على الأوهام التوراتية بالأحقية في أرض اللبن والعسل وبالحق من النيل إلى الفرات، وفي ضوء الخوف على هوية الدولة اليهودية بامتلاك ما تستطيع، ولصعوبة تحقيق حلم من النيل إلى الفرات فقد تراجع الحلم من وهم السيطرة على الجغرافيا لصالح وهم الهيمنة على الجغرافيا (أي من خلال بناء نفوذ وهيمنة اقتصادية تؤسس لتغلل فكري أمني واجتماعي) أو ضمن فلسفة ما تسمى الشرق الأوسطية.
2- البعد الأمني والعسكري وهو عقيدة عسكرية صهيونية متولدة ومتراكمة مفادها أنه لا يمكن حماية وجود أو سيادة الكيان دون وجود مجالات حيوية في عمق الضفة وعلى أطراف الضفة وغزة أو دون وجود موانع قوة وسيطرة عسكرية تستطيع منع الأخطار القادمة من الدول العربية المهددة للكيان.
3- البعد الجمعي الداخلي: فثمة إجماع صهيوني متراكم تاريخيًا ومتأصل دينيًا ومتغذٍ عسكريًا في القطاعات الحزبية الكبيرة يدور فلكه على أسس أهمها:
- الاحتفاظ بالكتل الاستيطانية الكبيرة
- الاحتفاظ بوجود حدودي وقوة ردع أو وسائل تقنية تحافظ على ذلك.
- عودة اللاجئين ضمن القدرة الاستيعابية الدولة فلسطين الناشئة مع قبول عودة رمزية الأرض١٩٤٨ م
- القبول بدولة فلسطينية غير مسلحة أو لا تصل إلى قوة الدول وسيادتها
ويمكن قياس ذلك بشواهد كثيرة أهمها استعراض مجمل الخرائط الصهيونية الجديدة التي تعرف بأسماء رؤساء الوزراء (شارون نتنياهو باراك رابين ....) والتي دار مجملها في فلك خطة الون زائد أو ناقص وهو أحد قيادات حزب العمل وكان قد طرح خطته بعد (١٩٦٧م) والتي تقوم على أساس الاحتفاظ بغور الأردن أحزمة استيطانية أهمها حول القدس، حكم ذاتي للسكان وليس للأرض).
آخر خطة صهيونية تمت الموافقة عليها. واعتبرت الحد الأقصى الذي من الممكن أن يقدمه اليسار الصهيوني هي ما أطلق عليه خطة (كلينتون)، وقد جاءت على خلفية محادثات كامب ديفيد الثانية، ومازالت قيادات اليسار تردد التمسك بها وتعتبرها المخرج الوحيد للصراع، وهي تقوم علي
1- دولة فلسطينية منزوعة السلاح مع السماح بعودة بعض اللاجئين إلى أرض ١٩٤٨م. والسماح بعودة لاجئين إلى تلك الدولة مقيداً بقدرتها الاستيعابية جغرافيًا وديمغرافيًا.
2- تقسيم القدس إلى شطرين مع سيادة للطرف الصهيوني على ما تحت القدس أو الحرم وتحديدًا في قضايا الحفريات.
3- ضمان الاحتفاظ بقوة ما في غور الأردن ضمن القوات الدولية ولمدة ست سنوات
4- الاحتفاظ بثلاث محطات إنذار قابلة للنقاش كل عشر سنوات.
5- تخصيص ٩٥% من الضفة للدولة الفلسطينية، مع تبادل أراض بنسبة ١-3 لصالح تل أبيب، مع بقاء ٨% من المستوطنين في الضفة.
لكن مقابل ما سبق نستطيع تلمس ثلاثة عوامل أخرى تلعب لصالح إمكانية الانسحاب.
أولًا: الأسباب الوجودية: وهي تلك المتعلقة بيهودية الدولة والحفاظ عليها، فثمة حديث دائر عن فصل سياسي نتيجة "اتفاق" أو بدونه بمعنى انسحاب الصهاينة إلى نقاط معينة وإبقاء السيطرة فيها مع السماح لأشكال متعددة من التنفس والحركة وخاصة على الصعيد الاقتصادي (أي الحركة من وإلى الكيان الصهيوني ومن خلال عازل الفصل). ويفترض هذا الفصل استمرار التفاوض الرسم معالم التسوية النهائية.
ثانيًا: الأسباب الأمنية: بمعنى بقاء سيطرة الصهاينة على ما يسيطرون عليه، مع إقامة أحزمة أمنية على الحدود الفاصلة ضمن قواطع عرضية وطولية وتحت تسميات خطة أو منطقة التماس أو العازلة..
ثالثًا: جدل الأولويات: أي لمن الأولوية لحفظ النفس والحياة أم للاحتفاظ بالأرض.
ضمن هذه الرؤية الجدلية نستطيع أن نلمس فكراً يمينيًا غالبًا يؤيد التنازل عن الأرض حفاظًا على حياة الإنسان الإسرائيلي (حافظوا على حياتكم). وللعلم فإن هذه الرؤية اليمينية متبناة من قبل شاس ثالث أكبر الاتجاهات السياسية وأكبر الاتجاهات الدينية وعموما فإن جدلية الحفاظ أو الاحتفاظ الأرض أم الإنسان، برزت أثناء تصويت شاس على الانسحابات الصهيونية والتي بررها حاخامات الحركة بجواز التضحية بالأرض حفاظًا على حياة الصهاينة، وتقابلها رؤية (المفدال) الذي يغلب أولوية الحفاظ على الأرض معتبرًا أن ذلك بعد حفاظًا على الإنسان.
لكن وكما هو ملاحظ فإن أعمال المقاومة واشتداد وتيرتها تعد اللاعب المركزي لصالح الانسحاب من الأرض الفلسطينية الضفة وغزة سواء بسبب الخشية على الهوية أو بسبب المخاوف الأمنية من استمرار الاستنزاف، وكل ذلك تغطيه فلسفة دينية مستعدة لتتراجع عن الاحتفاظ بالأرض الصالح الحفاظ على حياة الشعب.
وعلى العموم فإن اشتداد أعمال المقاومة يؤدي إلى تفاعل الأمور في ثلاث دوائر
1- تكبيد الخسائر يولد الإحساس بصعوبة دفع الثمن.
2- دائرة تشكيل رأي عام نتيجة ذلك، وقد ثبت في التجربة اللبنانية أن الصهاينة ضعفاء أمام الخسائر البشرية، ويؤثرون الانسحاب من الأرض على القتل.
3- الرأي العام كان ناجحًا في تشكيل قرار مؤسسي ضاغط داخل الحكومة، فمثلًا كان برنامج باراك الذي فاز بسببه هو الانسحاب الأحادي من لبنان، ونرى أن الائتلاف الإسرائيلي المؤيد للفصل السياسي أو الأمني وتأييد ذلك من قبل نخب وقطاعات كبيرة من الشعب الصهيوني - وعكسته استطلاعات الرأي - يعبر عن الهزيمة بشكل أو بأخر، ولكنه محاولة صهيونية للانسحاب من الضفة بلغة المنتصر، ولذا برزت الخشية اليمينية بأن تكون حدود الفصل مقدمة لفتح الشهية الفلسطينية نحو ممارسة مزيد من المقاومة، وبالتالي إضعاف أكثر المعنويات الصهاينة واضطرار القيادة الصهيونية للانسحاب بشكل انهزامي وخسران كل الميزات التي من الممكن أن تحصل عليها نتيجة عقد تسويات تبقى القليل من هيمنتها وقوتها ومناعتها.