العنوان المجتمع التربوي
الكاتب د.عبدالحميد البلالي
تاريخ النشر الثلاثاء 01-فبراير-2000
مشاهدات 87
نشر في العدد 1386
نشر في الصفحة 54
الثلاثاء 01-فبراير-2000
أم هاجر
وقفة تربوية
لم يتجاوز عمرها الخامسة عشرة عندما مرت وهي عائدة من مدرستها، على أحد المساجد القديمة ذات النمط العثماني في إحدى عواصم البلقان، وإذا بها تسمع الأذان بصوت المؤذن الندي على الطريقة التركية.
تسمرت في مكانها، وداخلتها قشعريرة لا تعرف سببًا لها، سوى ذلك الأذان الذي هز مشاعرها دون أن تفهم منه كلمة واحدة.
ما هذه الكلمات والعبارات؟
تساءلت ثم أجابت: لقد سمعت الكثير من الأغاني بأجمل الأصوات، ولكن لماذا أراني منجذبة إلى هذا الصوت، وإلى تلك الكلمات التي لا أفهم معناها؟ ولكنني لم أجد راحة في حياتي لسماع شيء مثلها؟
اتصلت بأمها وأقنعتها بأن المقرر العملي في الدراسة لم ينته بعد وأنها مضطرة لأن تبقى في العاصمة لإكمال دراسته لمدة غير محددة.
ذهبت وقضت ليلتها عند إحدى صديقاتها، ثم عادت إلى المسجد في وقت الظهر لا لشيء إلا لتسمع الأذان وتكرر ذلك منها ثلاثة أيام، لا تستريح إلا لسماع هذه الكلمات، لكنها في اليوم الثالث لم تتمالك نفسها، وبلغ الشوق مداه، فوقع بصرها على سيدة محجبة تنتظر زوجها خارج المسجد.
اقتربت منها، وسألتها بلغة ذلك البلد من البلقان فلم تفهم، ثم حدثتها بالإنجليزية فلم تفهم كذلك.
لقد كانت سيدة عربية جاءت للتو إلى البلد الذي يعمل فيه زوجها العربي، خرج الزوج ورآها تتحدث مع زوجته، فسألته مباشرة عن معنى الأذان والمسجد، والإسلام، فأجابها إجابات مختصرة، ثم أخذها إلى أحد الإخوة المهاجرين من العرب في تلك الديار ممن يملكون علمًا شرعيًّا ولغة قوية فكلمها ذلك الأخ عن الإسلام بالتفصيل، ثم أخذها إلى إحدى الأخوات الداعيات فعلمتها الإسلام وأجابتها عن تساؤلاتها، فقررت الدخول في الإسلام، ثم أخذتها إلى دار الإفتاء وهناك أعلنت إسلامها وارتدت الحجاب في الحال، دون أن يرغمها أحد، فقد أحبت الحجاب وكل شيء في هذا الدين العظيم.
يتبع
أبو خلاد
النظريتان التربوية والدعوية في ضوء التجارب والمستجدات
يجب أن تنتقل النظرية في تطبيقها من تربية الشريحة إلى تربية الأمة
بقلم: د. فتحي يكن
إنفاذًا لقاعدة أن لكل مرحلة فقهها النظري والعملي، وأن لكل زمن وسائله وأساليبه، وأن لكل دور منهجيته وآليته، أسمح لنفسي بتقديم مقترح للساحة الإسلامية يتمحور حول ضرورة إعادة النظر في النظريتين التربوية والدعوية، في ضوء التجارب السابقة والمستجدات اللاحقة والتوقعات المستقبلية، بما يحقق الجدوى الحقيقية من العملية التربوية والدعوية الإسلامية.
وحتى لا يكون المقترح عالمًا أو عامًا، أو عرضة للتفسيرات والتأويلات الشتى فإنني أقصد بالنظرية «التربوية والدعوية» التصور التربوي والتصور الدعوي - منهجية وآلية - ليكون في مستوى العصر، وفي حجم الأهداف الكبيرة التي يسعى المشروع الإسلامي إلى تحقيقها، داخل الساحة الإسلامية وخارجها، وداخل الأقطار الإسلامية وخارجها، وعلى امتداد العالم تحقيقًا لعالمية المشروع الإسلامي، وامتلاكًا لمقومات صموده في مواجهة العولمة الثقافية المضادة، ومشاريع التطبيع المختلفة.
التطور من سنن البقاء والعطاء:
مما تجب ملاحظته بين يدي الكلام عن النظريتين التربوية والدعوية أن التطور سنة فطرية وحاجة حياتية، وفريضة شرعية، وضرورة بشرية.
فالنظرية التربوية أو الدعوية في الأربعينيات والخمسينيات يجب أن تكون غيرها في التسعينيات؛ ففي الأربعينيات والخمسينيات كانت النظرية التربوية والدعوية بحجم طاقات الحركة الإسلامية وإمكاناتها، ومساحة المواقع التي تحتلها، كما كانت بحجم قابلية العصر إنسانًا ودولًا ومؤسسات، إضافة إلى تحديات ومشكلات المرحلة.
وكانت النظرية التربوية في مرحلة سابقة لا تتعدى دائرة التكوين الشخصي صلاحًا وإصلاحًا.. وكانت المحاضن التربوية في مثل هذا الحجم.
كذلك كانت العملية التربوية تركز على الجانبين الروحي والفقهي دون أن تلامس الجوانب التربوية الأخرى.. كالجانب الاجتماعي، والسياسي، والدعوي، والحركي، والإداري، والإعلامي.. وغيرها.
ولم تكن الحركة الإسلامية في تلك الفترة قد أوغلت في مؤسسات المجتمع الأهلي والرسمي.. كما لم تكن ممثلة في موقع نيابي أو وزاري فضلًا عن مواقع القرار الأولى.
تطوير النظرية التربوية:
هذه الاعتبارات الموضوعية وغيرها تفرض على الحركة الإسلامية أن تعمل على إعادة النظر في نظريتها التربوية وتعمد إلى تطويرها بما يتكافأ والدور الموكول إليها.
إن النظرية التربوية للمشروع الإسلامي يجب أن ترتقي من إطار تربية الشريحة إلى مساحة تربية الأمة، وإلى نظرية تصلح لأن تبنى عليها السياسات التربوية في المؤسسات الأهلية والرسمية على حد سواء.
تعميم النظرية الدعوية:
وما يقال عن إعادة النظر في النظرية التربوية يجب أن يقال كذلك في النظرية الدعوية تربية وخطابًا وأداء ونهجًا ووسائل واليات.
فلم يعد جائزًا بقاء الدور الدعوي محصورًا في خطبة الجمعة والمناسبات التاريخية على كبير أهميتها وقيمتها، فالمجتمع من حيث المساحة يتعدى مساحة المسجد، والقاعة والمنتدى، والدعوة يجب أن تصل إلى كل موقع وتبلغ كل قطاع ليتحقق الشهود العام على الناس، أفرادًا ومؤسسات ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ (النساء: ١٦٥).
والنظرية الدعوية - منهجية ومادة - غير محصورة بطبقة معينة من الناس؛ فهي ليست وظيفة علماء الشريعة وحدهم - على سبيل المثال- وإنما هي وظيفة الجميع في مواقعهم، واختصاصاتهم، ومنابرهم، ومن خلال هذا التصور يبقى المسجد منبرًا دعويًّا رئيسًا، مضافًا إلى المنبر التعليمي «المدرسي والجامعي»، والمنبر الإعلامي، والمنبر الاجتماعي الخيري، والمنبر النيابي والسياسي، وسائر المنابر الأخرى.
وهكذا فإن النظرية التربوية والدور الدعوي يجب أن يتجاوزا حدود الشريحة الإسلامية الواحدة ليبلغا آفاق الأمة الإسلامية، فضلًا عن آفاق العالم أجمع تحقيقًا لعالمية الخطاب القرآني الدعوي ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ۖ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ۚ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ (المائدة: 67).
(*) كاتب لبناني
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل