; أحمد ديدات.. كيف أصبح من أشهر مناظري القرن العشرين؟ | مجلة المجتمع

العنوان أحمد ديدات.. كيف أصبح من أشهر مناظري القرن العشرين؟

الكاتب شعبان عبد الرحمن

تاريخ النشر السبت 13-أغسطس-2005

مشاهدات 56

نشر في العدد 1664

نشر في الصفحة 38

السبت 13-أغسطس-2005

الاثنين الماضي (٣من رجب ١٤٢٦ هجرية الموافق 8/8/2005م).. رحل الداعية الكبير الشيخ أحمد ديدات بأحد مستشفيات مدينة ديربان بجنوب إفريقيا... بعد صراع طويل مع المرض عانى خلاله من الشلل الدماغي منذ ١٩٩٦م.. وبهذا يفقد العالم الإسلامي والدعوة الإسلامية بموته واحدًا من أشهر مناظري القرن العشرين الذي ملأ الأرض بحججه القوية المفحمة لكل من ناظروه واجتذب الآلاف من متابعيه وسامعيه من أصحاب الديانات الأخرى إلى الهداية إلى الإسلام.

ولا نقول جديدًا إذا ذكرنا في هذه المناسبة أن الرجل عليه رحمات الله ورضوانه. قد أحدث زلزالًا في الغرب بمناظراته الشهيرة التي ذاع صيتها في منتصف السبعينيات ومازال دويها يتردد حتى اليوم.. فقد هزت تلك المناظرات ثوابت كثيرة لدى الكنيسة بكل طوائفها، وكشفت عن تناقضات بين أناجيلها، كما سلطت الضوء على مواضع مليئة بالزيف والتضليل.. وهو ما وضع الكنيسة في مأزق ودفع -في نفس الوقت- بعشرات الآلاف من أبنائها للتوجه نحو الإسلام واعتناقه.. الأمر الذي دفع الكنيسة ومراكز الدراسات التابعة لها والعديد من الجامعات في الغرب لتخصيص قسم خاص من مكتباتها لمناظرات ديدات وكتبه وإخضاعها للبحث والدراسة سعيًا لإبطال مفعولها.

وفي العام ١٩٩٦م سقط الرجل مشلولًا شللًا تامًا في كل جسده (عدا رأسه وعينيه) لكنه لم يتوقف عن الدعوة إلى الله من فوق سرير المرض... فسيل الرسائل المتدفق عليه يوميًا من جميع أنحاء العالم لم ينقطع حتى يوم وفاته، والتي كان يصل متوسطها إلى ٥٠٠ رسالة بالهاتف أو الفاكس أو عبر الإنترنت والبريد. 

وربما يعلم الناس الكثير عن مناظراته الدعوية بل ربما يحفظ البعض مقاطع كثيرة منها، وذلك في الحقيقة هو المهم – لكن قد يبدو غريبًا أن الكثيرين لا يعلمون شيئًا عن أحمد ديدات نفسه.. نشأته.. وعائلته الصغيرة. الظروف الاجتماعية والسياسية التي نشأ فيها والبيئة التي تربى في كنفها.. وكيف أصبح مناظرًا فذًا بهذا الشكل الفريد رغم أن حظه من التعليم كان بسيطًا..

وبالنسبة لي فأنا واحد من الذين شغفوا بمتابعة مناظراته وأخباره وتحركاته بل ومرضه... وقد انشغلت منذ ثماني سنوات بالبحث في جذور الرجل ونشأته وتفاصيل حياته والعوامل والمقومات التي وضعته في أعلى قمة الدعوة إلى الله، وذات مرة التقيت الأستاذ إبراهيم محمد جادات (٥٢عامًا) هو أحد المقربين من الشيخ ديدات وأحد تلامذته، وهو من رجال الأعمال المسلمين في جنوب إفريقيا.. وهو الذي أوصاه الشيخ بعد مرضه بمواصلة مشاريعه الدعوية... واستمعت منه طوال ليلة كاملة امتدت من الثامنة مساًء حتى الخامسة صباحًا استمعت خلالها إلى قصة الرجل كما اطلعت على أوراق الشيخ وسيرته وجهاده في سبيل الدعوة. 

ولعل اليوم مناسب لإعادة ذكر حصيلة ما خرجت به من ذلك اللقاء عن الشيخ أحمد يرحمه الله رحمة واسعة، وهي على النحو التالي:

سنوات الحياة الأولى

ولد الشيخ أحمد حسين ديدات في مدينة سيرات بالهند عام ۱۹۱۸م، وهاجر والده إلى دولة جنوب إفريقيا بعد وقت قصير من ولادته. 

كان والدة يعمل ترزيًا.. وكانت الحياة يومها قاسية، فجنوب إفريقيا تعيش أتعس وأصعب أوقاتها مع محنة الفصل العنصري، وكغيره من أبناء الوطن كان يكتوي كل يوم عشرات المرات بنيران العنصرية.

وفي هذه البيئة المعتمة أخذ يسلك حياته.. أكمل تعليمه في المرحلة الابتدائية، لكنه عند نهاية السنة الثانية من المرحلة المتوسطة (الإعدادية)، توقف عن التعليم واضطرته ظروف الحياة إلى البحث عن عمل لكسب قوته ومساعدة أسرته، فلم يجد سوى ذلك الحانوت الصغير ليعمل به نظير أجر شهري وقطع ديدات صلته تمامًا بالمدرسة وانهمك في عمله، ولم يكن يدري أن ذلك الحانوت الصغير سيكون بمثابة جامعة كبرى لا تقل عن أكبر الجامعات التي تخرج كبار المفكرين...

نواة المناظرة مع الخصوم

ففيه تولدت لدى الفتى الصغير كل معاني التحدي والإصرار على التعليم بل والتبحر في العلم لهزيمة كل المنظرين باسم الكنيسة.. كان الحانوت على مقربة من جامعة اللاهوت الكاثوليكية، وفي الطريق إليها غدوًا ورواحًا كان الدارسون والمدرسون بالجامعة يمرون بالحانوت فيهزأون من الصبي الصغير (أحمد) ويسخرون من دينه (الإسلام) ويخوفونه - وسط سيل من السباب اليومي – من (الجحيم).. أنت مسلم؟!.. دينك باطل.. ونبيك باطل.. وكتابك باطل... مصيرك إلى جهنم! هذه الكلمات أدخلت الحزن في البداية إلى قلب الصبي لكنها سرعان ما تحولت مع تكرارها اليومي إلى نار ألهبت حماسه للبحث عن الحقيقة.. حقيقة هذا الدين الباطل والنبي الباطل والكتاب الباطل- كما يزعم هؤلاء المتخرصون – بل امتد حماسه للبحث في حقيقة ديانة أولئك الذين يروجون هذا الكلام ويلقونه على مسامعه صباح مساء.. فأخذ يوفر من (أجره) الشهري ليشتري كتبًا تتحدث عن الإسلام.. ووقعت يده على كتاب ثمين هو كتاب (إظهار الحق) لأحد علماء الهند الذي قابل مؤلفه ما قابله ديدات من اتهامات للإسلام، وفيه يرد الكتاب على كل الدعاوى والأكاذيب التي تروجها الكنيسة ضد الإسلام، وفيه أيضًا يجيب الكاتب عن كل التساؤلات الواردة إليه من نصارى هنود بطريقة منطقية قائمة على الأدلة الشرعية. 

يقول ديدات: «لقد تعلمت كثيرًا من هذا الكتاب وحصلت منه على إجابات مهمة لكثير من الأسئلة المطروحة».. ثم بدأ في شراء نسخ من الأناجيل المتنوعة وانهمك في قراءتها ثم المقارنة بين ما جاء فيها فاكتشف تناقضات غريبة وأخذ.. يسأل نفسه أي من الأناجيل هذه أصح؟!

وواصل وضع يده على التناقضات وتسجيلها لطرحها أمام أولئك الذين يناقشونه بحدة كل يوم في الحانوت.

رفاق على طريق الدعوة

كان ديدات قد كبر وأصبح شابًا يافعًا وكبر – معه عقله واتسعت ثقافته ونضج فكره وواصل تعليم نفسه.. وأدرك يومًا أن خير وسيلة هي (الهجوم) للدفاع عن الإسلام أمام هؤلاء الكذبة - الذين لا يكفون عن مهاجمته، وذات يوم تعرف ديدات على صديق عمره الأول (غلام حسن فنكا) من جنوب إفريقيا الحاصل على الليسانس في القانون والذي يمتلك مصنعًا كبيرًا للأحذية، وقد جمعت بين الرجلين صفات عديدة الأخلاق الرفيعة... رقة المشاعر.. والاهتمام بقضية الإسلام والاتهامات التي تروج ضده على أوسع نطاق.

تزامل غلام حسين فنكا مع ديدات في رحلة البحث والدراسة والقراءة المتعمقة في مقارنات الأديان، وساعده كثيرًا في التحصيل العلمي – وكان بمثابة السند الأقوى بعد الله سبحانه وتعالى، الذي عضده ووقف إلى جواره طوال مسيرته العلمية...

في تلك الآونة كانت ملكة المناظرة قد نضجت لدى أحمد ديدات من خلال مناقشاته – اليومية التي تطورت إلى مناظرات ضيقة ثم تنظيمها بينه وبين العديد من القساوسة في مدن – وقرى صغيرة داخل البلاد (جنوب إفريقيا) وأصبحت الدعوة تملك على السيد حسن غلام كل وقته، فقرر التفرغ تمامًا ليكون إلى جوار – ديدات عام ١٩٥٦م، واتفق الرجلان في نفس العام على تأسيس مكتب الدعوة، في شقة متواضعة بمدينة ديريان ومنه انطلقا إلى الكنائس والمدارس المسيحية وإلى القرى والمدن داخل جنوب إفريقيا حيث قام أحمد ديدات بمناظراته المبهرة والمفحمة.

لقد جاب البلاد بطولها وعرضها ومعه رفيق دربه حسين غلام وأحدث انقلابًا في الوسط المسيحي داخل الكنائس والمدارس والمجتمع كله وهز مفاهيم ومعتقدات راسخة ومقدسة واستطاع تغييرها، وأحدث ثغرة كبيرة داخل الكنيسة بعد أن تحول المئات بإرادتهم إلى الإسلام إثر حضور مناظراته أو بعد زيارته في مكتبه الذي تحول إلى منتدى للزائرين والوافدين من كل مكان. 

ثم تعرف ديدات بعد ذلك على صالح محمد وهو من كبار رجال الأعمال المسلمين في مدينة كيب تاون حيث يمتلك سلسلة من المحلات التجارية في المدينة.

ومدينة كيب تاون هي من المدن التي تتميز بكثافة سكانية عالية من المسلمين وبها أغلبية قوية ومنظمة جدًا من النصارى، وهي مدينة ذات موقع مهم ولها جاذبيتها وأهميتها التجارية والسياسية.

وقد كانت أوضاع المسلمين متواضعة قبل أن يزورها أحمد ديدات وعندما دعاه صديقه الجديد صالح محمد لزيارة المدينة تغير الحال هناك... لقد رتب صالح محمد لديدات أكثر من مناظرة مع قادة النصارى في المدينة، وأصبحت إقامة ديدات فيها. من كثرة المناظرات – شبه دائمة، وتمكن ديدات من خلال مناظراته من تبوؤ مكانة كبيرة بين سكانها جميعًا الذين تدفقوا على مناظراته حتى أصبح يطلق على (كيب تاون) مدينة أحمد ديدات. 

أسرته على طريق دعوته: لم يكن علمه الغزير الذي امتلكه ولا رفيقاه المخلصان اللذان عضداه على طول الخط، لم يكن ذلك فقط هو العامل الوحيد في نجاحه الكبير، وإنما كان لزوجته السيدة حواء (۷۹سنة) التي وقفت إلى جواره منذ اللحظة الأولى لسلوك طريق الدعوة. دور أيضًا فقد قامت هذه السيدة على رعاية بيته البسيط أيما رعاية، كما قامت على تربية الأبناء تربية إسلامية صالحة حتى أصبحوا ذوي شأن... فإبراهيم الابن الأكبر (٥٥ سنة) أصبح مهندسًا للكهرباء، ويوسف (٤٨) سنة أصبح رجل أعمال ناجحًا، أما زهرة الابنة الوحيدة فقد توفيت عن أربعين عامًا (عام ١٩٩٣م).

ورغم اشتغال ولديه بمهن مدنية إلا أنهما مهتمان كثيرًا بالإسلام والدعوة الإسلامية... ورغم تقدم زوجته في السن إلا أنها ومنذ مرضه عام ١٩٩٦م ظلت تلازمه ملازمة تامة حيث تقوم على رعاية كل شؤونه دون كلل.

وربما يقودنا هذا إلى الحديث عن عائلة ديدات الكبيرة في سطور.. فأخوه عبد الله (٦٠عامًا) أرسله والده إلى مصر عام ١٩٥٦م للدراسة في الأزهر الشريف وهناك تعرف على الحركة الإسلامية وعاد إلى جنوب إفريقيا ليؤسس مع إخوة له (حركة الشباب المسلمين) المعروفة في جنوب إفريقيا.

الشقيق الثاني.. قاسم (٥٨ سنة) هو رجل أعمال معروف في جوهانسبرج.. أما شقيقه الثالث.. عمر (٥٣ عامًا) فهو حاصل على الثانوية العامة ويعمل في مجال استيراد الماكينات من الخارج جميعًا بأعمالهم الخاصة إلا أنهم أيضًا منشغلون بالدعوة والعمل الإسلامي.

وهكذا صنعت أسرته الصغيرة وعائلته الكبيرة بيئة إسلامية خصبة، أمدته بعوامل النجاح في أداء رسالته.

وقد تضافرت هذه العوامل الشخصية والبيئية المحيطة به مع إخلاص ووفاء أصدقائه الذين جردوا أنفسهم للوقوف وراءه في رحلته الدعوية.. تضافرت في صياغته وإنضاجه وجعلت منه نموذجًا للداعية المسلم، ولذلك فإنه قبل أن يخرج إلى العالم في أول مناظرة عالمية عام ۱۹۷۷م بقاعة لندن الكبرى (ألبرت هول) كانت جنوب إفريقيا كلها تعرفه جيدًا بعد أن عاينت فيه مناظرًا من طراز فريد.. حينها كان صديقيه غلام حسن فنكا وصالح محمد قد توفيا إلى رحمة الله، غلام أولًا ثم تبعه بسنوات صالح محمد لكن تلامذته كانوا قد تكاثروا وصاروا بالعشرات.. وانطلق الرجل إلى العالمية يصدح بالإسلام حتى أصيب بمرضه الأخير.

نسأل الله له الرحمة وحسن الجزاء.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 839

117

الثلاثاء 20-أكتوبر-1987

ثقافة : العدد 839

نشر في العدد 839

85

الثلاثاء 20-أكتوبر-1987

بريد القراء: العدد (839)

نشر في العدد 1479

71

السبت 01-ديسمبر-2001

المجتمع التربوي .. العدد 1479