هدايات سورة «الحجرات» (4)

غضّ الصوت وامتحان القلوب

رقية محمد

02 أغسطس 2026

40

غضّ الصوت وامتحان القلوب

يستكمل هذا المقال التماس الهدايات من سورة الحجرات، فبعدما حذّرت الآية الثانية من رفع الصوت والجهر على النبي صلى الله عليه وسلم وربطت ذلك بحبوط الأعمال، جاءت الآية الثالثة لتُبشر الذين انقادوا لهذا الأدب، وتُخفف من وجل قلوبهم وخوفهم؛ فقد رُوي أنها نزلت في أبي بكر، وعمر، رضي الله عنهما، حين رفعا أصواتهما عند النبي صلى الله عليه وسلم، فلما سمعا النهي غَضّا من أصواتهما وأدّبا أنفسهما، فأنزل الله تعالى بشرى لهما ولكل من اقتدى بهما إلى يوم الدين، يقول الله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ" (الحجرات: 3).

فكيف تمتحن القلوب؟ وكيف تبين الآية الفرقَ بين من يتعامل مع الوحي كمنهج حياة، ومن يقرؤه لمحض البركة؟

الهدايات الإيمانية

1- مركزية الاهتداء بالقرآن والامتثال له:

إن امتثال الصحابة للتحذير الإلهي مباشرة، ومجاهدتهم لأنفسهم على تطبيقه، كل ذلك مما يبيّن أن مركزية الاهتداء بالوحي هي الفرق الجوهري بينهم وبين غيرهم، فقد تلقوا القرآن وكأنه ينزل عليهم خاصة، فكل منهم يفتش في نفسه ويربيها لتستقيم على مراد الله عز وجل، فلا يبحث عن تأويل يريحه فحسب، ولا ينتظر ظروفاً ملائمة لكل ينفذ الأمر، بل يبادر بالامتثال مهما كلفه ذلك.

ويصف القرآن تلك الحالة من الاستجابة فيقول: (إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا) (النور: 51)، فليدقق كل مسلم هل يتعامل مع القرآن بهذه الروح؟ أم يقرؤه وكأنه كتاب لا يخاطبه؟

2- امتحان القلوب:

من سُنة الله في خلقه اختبار قلوبهم، وهذا الاختبار ممتد طوال الحياة، ومن أمثلة تلك الاختبارات في الحياة امتحان القلب بالأوامر والنواهي، فمن استسلم وسمع وأطاع، نُقي قلبه وخلص من الشوائب والأمراض، ومن ذلك فتنة الشهوات كالمال والمنصب والأولاد، فكل معصية أو شهوة تمر بخاطر المسلم هي اختبار، فإما أن يستعصم بالله ويردها فيفوز، وإما أن يضعف ويذعن لها فيرسب بالاختبار وتزلّ قدمه، ومنها الامتحان بما يُعرض للعبد من شبهات، فإما أن يبحث عن عالم يُبيّنها له فينجو، أو يتبع هواه فيركن لها ويهلك.

فقلب العبد في كل لحظة يختبر ويمتحن، ويكفى في بيان نتيجة تلك الاختبارات على القلب ما جاء في حديث حذيفة بن اليمان رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «تُعرَضُ الفِتَنُ على القُلوبِ عَرْضَ الحَصِيرِ عُودًا عُودًا، فأيُّ قلبٍ أُشْرِبَها نُكِتَتْ فيه نُكتةٌ سَوداءُ، وأيُّ قلبٍ أنْكَرَها نُكِتَتْ فيه نُكتةٌ بيضاءُ، حتى يصِيرَ القلبُ أبيضَ مثلَ الصَّفا، لا تَضُرُّه فِتنةٌ ما دامَتِ السمواتُ والأرضُ، والآخَرُ أسودَ مُربَدًّا كالكُوزِ مُجَخِّيًا، لا يَعرِفُ مَعروفًا، ولا يُنكِرُ مُنكَرًا، إلا ما أُشْرِبَ من هَواه) (رواه مسلم، 231).

3- عمل بسيط وأجر جزيل:

يظن بعض الناس أن غض الصوت عملٌ بسيط لا يُذكر، ولكن جعل الله لهذا الأدب الظاهر -الذي قد يُستصغر- ثواباً عظيماً ومغفرةً من عنده، فالعبادة ليست بكثرة الجهد فقط، بل بما وافق محبة الله ودل على صدق تعظيمه في القلب وخشيته في السر والعلن.

فغض الصوت مع النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن مجرد سلوك عابر، بل كان انعكاساً لتقوى القلوب، وقد قال الله تعالى: (لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ) (الحج: 37)، مؤكداً أن معيار قبول الأعمال تقوى القلوب لا صورها الظاهرة فقط.

4- مواقف الصحابة دفعة إيمانية القلوب:

تكمن أهمية معرفة ما وقع للصحابة عموماً، ومجاهدتهم أنفسهم على غض الصوت خصوصاً، في أنها تشكل دفعة إيمانية قوية لكل مسلم، وتُسقط كل عذر قد يتذرع به من بيئة أو طبيعة بشرية، فالصحابة بشر يخطئون ويغفلون، وعاشوا في بيئة جاهلية مليئة بالعادات والتقاليد المخالفة للدين، ومع ذلك لما سمعوا الأمر الإلهي جاهدوا أنفسهم، وخالفوا عاداتهم، وامتثلوا فوراً، وقد أثنى الله تعالى على مجاهدة النفس والظروف في قوله: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ) (العنكبوت: 69).

الهدايات التربوية

1- احتياج النفوس للقدوة:

فطر الله النفوس على حاجتها إلى قدوة؛ لذا يجب أن يحرص المربي الحكيم على تقديم نماذج حقيقة من سير الأنبياء والصالحين للنشء منذ صغر ليقتدي بها، وإلا فإن الفطرة لن تظل فارغة، بل ستمتلئ بقدوات وهمية كالأبطال الخارقين والمشاهير الذين لا يُقتدى بهم التي تزخر بهم المنصات الإعلامية، فيتعلق بها النشء، ويتخذها نموذجاً له في حياته، فتفسد بوصلته التربوية، وينحرف سلوكه.

وتزداد هذه الحاجة إلحاحاً اليوم أكثر من أي وقت مضى، في ظل ما تفرضه وسائل التواصل الاجتماعي من ضغط على الأطفال والمراهقين لتوجيه أنظارهم نحو نماذج قد لا تكون صالحة للاقتداء، بل قد تكون مشوهة للقيم والأخلاق، فلْيسبِقِ المُرَبّي بتقديم القدوات الحقيقية، قبل أن تسبقه القدوات المزيفة وتستحوذ على قلوب أطفاله وعقولهم.

2- البشارة بعد التحذير:

مدحت الآية غض الصحابة لأصواتهم وبشرتهم بالثواب العظيم، ولم تذكرهم بخطئهم مرة أخرى، فتهدي المربي إلى الموازنة بين الترهيب والترغيب، فلا يُثقل على من يربيه بالتحذير دون أن يُبشره بالثواب، ولا يتركه في الأمن دون أن يُذكره بالعقاب.

ومن تمام الحكمة التربوية أن يُمدح المتربي على تصويبه لخطئه، ولا يُثقل عليه بتكرار تذكيره بأخطائه، فإن تكرار التذكير بالزلات يُحبط النفس، ويُشعرها بأن خطأها لا يُمحى، فيفقدها الدافع للتحسن.

3- الابتلاء كأداة للبناء لا للإرهاق:

تُنبِّه الآية إلى أن الابتلاء أداة تمحيص وتربية، هدفها إخراج أزكى ما في الإنسان، وتأهيله للمراتب العالية، وهذا يُعلّم المربي أن يكون همه الأكبر التزكية، لا تحقيق غاية شخصية كالظهور بمظهر المربي الناجح، أو إرهاق الأبناء بالاختبارات والأوامر دون غاية تربوية، فالاختبارات في يد المربي الحكيم جسر للعبور إلى الأفضل، وليست سوطاً يُرهق به النشء.

4- أهمية صياغة الذوق العام:

تبين الآية أهمية بناء الذوق العام لمن يربيهم، وأثر ذلك في ضبط سمته وانفعاله، فخفض الصوت عنوان الأدب والوقار، ورفعه عنوان الجفاء والخلل، والمربي بهذا التوجيه يُرسّخ في نفس من يربيه قيمة احترام المجالس، ومراعاة الآخرين، وضبط الانفعال والصوت معاً في المواقف المختلفة.

وهو أدبٌ يمتدّ اليوم ليتجاوز المجالس الحقيقية إلى الصخب الرقمي خلف الشاشات، ليغدو كفّ النفس عن الجدال والتطاحن اللفظي في التعليقات دليلاً على خشية الله في العلن والخلوات، وهو ما يصنع بيئة نفسية واجتماعية مريحة تنعم بالهدوء والاتزان.

فيجب الاستفادة من هدايات تلك الآية في السلوكيات اليومية، في البيوت وأماكن العمل والتواصلات الاجتماعية، فقد بينت أنّ غضّ الصوت برهانٌ على تقوى القلوب وسكينتها.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة