سورة «الحجرات».. الخارطة الأمثل لإصلاح المجتمع

محمد الحداد

25 مايو 2026

104

سورة «الحجرات».. الخارطة الأمثل لإصلاح المجتمع

كم نحتاج إلى تعامل مع القرآن لا يقتصر على ما يفعله الكثيرون من محض التبرك به، بل تعامل يجعله حيًا في الحياة يُسمع ويُرى ويُحسّ، وقد نزل لذلك كما أفادت آياته في أيما موضع منه، وتمثل ذلك سيد الخلق محمد صلى الله عليه وسلم الذي كان قرآنًا يمشي على الأرض فأصلح به أحوال الناس.

وسورة «الحجرات» التي حوت جميع ما يضمن صلاح المجتمع حقيق بأهل الإسلام أن يجعلوها دستورًا لهم في حركتهم الواقعية، لا سيما مع ما نراه من حاجتنا إلى ذلك، وهذه كلمات فيما احتوت عليه تلك السورة من فوائد.

اسم السورة وسبب نزولها ومناسبتها لما قبلها

سميت سورة «الحجرات» -توقيفًا- بهذا الاسم لذكرها اسم حجرات بيت النبي صلى الله عليه وسلم، ولم تُذكر اللفظة في القرآن في غيرها من السور، والحجرة من البيت؛ أي المُسوَّرة المحوطة التي تمنع ما بداخلها عن السلب، وسماها بعض المفسرين سورة «الآداب»، لاحتوائها على الآداب التي يجب على المؤمنين تمثلها في حياتهم فتحميهم من سلب الإيمان عنهم.

وعن سبب نزولها، فقد رويت عدة آثار في ذلك، منها ما قد أخرجه أَحْمد، وَابْن جرير، وَأَبُو الْقَاسِم الْبَغَوِيّ، وَابْن مرْدَوَيْه، وَالطَّبَرَانِيّ بِسَنَد صَحِيح من طَرِيق أبي سَلمَة بن عبدالرَّحْمَن عَن الْأَقْرَع بن حَابِس أَنه أَتَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ: يَا مُحَمَّد أخرج إِلَيْنَا فَلم يجبهُ فَقَالَ: يَا مُحَمَّد إِن حمدي زين وَإِن ذمِّي شين، فَقَالَ: «ذَاك الله»، فَأنْزل الله (إِن الَّذين يُنَادُونَك من وَرَاء الحجرات) (الدر المنثور في التفسير بالمأثور 552/ 7).

ومناسبتها لما قبلها وهي سورة «الفتح» أنهما قد افتُتِحا بذكر المقام الشريف لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وكلتاهما حوت الكلام عن الأعراب، واختتمت آيات «الفتح» بقول الله تعالى في مدح النبي صلى الله عليه وسلم: (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ) (الفتح: 29)، وابتدأت الحجرات بعدها بقول الله عز وجل في بيان حقوقه ووجوب تبجيله: (يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُقَدِّمُواْ بَيۡنَ يَدَيِ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ) (الحجرات: 1).

أصل الآداب الأدب مع الله ورسوله

قال الله عز وجل في فاتحة سورة «الحجرات»: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ {1} يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ {2} إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ) (الحجرات)، فافتُتِحت بمخاطبة أهل الإيمان بوجوب الأدب مع الله ورسوله، فإن ذلك أصل جميع الآداب الواجبة تجاه النفس وبقية أفراد المجتمع، فإن التقدم بين يدي الله ورسوله بالرأي أو القول أو الفعل لن يقوم معه قبول للتشريع الإلهي الذي أتى بتلك الآداب المذكورة في بقية السورة.

ولذا؛ فلا تُتَصوَّر وِجهة عقلية مجردة للأخلاق عند من يرفض الدين، بل الأخلاق فرع عن الإيمان، وذلك ظاهر غاية الظهور في تلك الآيات التي خوَّفت من حبوط أعمال من يرفع صوته فوق صوت النبي صلى الله عليه وسلم ومدحت من غضَّ صوته عنده ووعدته المغفرة والأجر العظيم.

أخلاق المؤمنين في مجتمعهم

ذكرت السورة آداب الاستئذان (إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَاء الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ {4}‏ وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) (الحجرات)، ووجوب التثبت في الأخبار (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ) (الحجرات: 6).

ووجوب الإصلاح بين المؤمنين حتى ولو وصل الأمر إلى القتال الذي يؤدي إلى الإصلاح والفيء إلى أمر الله؛ (وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) (الحجرات: 9).

وحرمة السخرية واللمز والتنابز بالألقاب بين المؤمنين؛ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْراً مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاء مِّن نِّسَاء عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْراً مِّنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) (الحجرات: 11)، وحرمة كثير من الظن والنهي عن التجسس والغيبة ووجوب تقوى الله باجتناب ذلك؛ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ) (الحجرات: 12).

فهم القدر الكوني وفعل الإرادة الشرعية

وتلك الأخلاق العظيمة التي ذكرتها السورة لن يكون لها موقع تتحقق فيه إن كان جميع الناس على درجة واحدة متفقين في جنسهم ونسبهم يتساوون جميعًا في مواقعهم في مجتمعاتهم، لكن قدر الله الكوني أن خلق الناس شعوبًا وقبائل عدة تختلف أنسابهم ومواقعهم في مجتمعهم، ولكنهم مُعبَّدون له سبحانه مفتقرون إلى معرفة الآداب منه هو وحده سبحانه، وهنا جاء الاختبار؛ هل يلتزمون بتلك الأخلاق ويفعلون الإرادة الشرعية التي أوجبها الله ويتقونه ويُكرمون عنده أم لا.

فلا يحتجن أحد بالقدر الكوني الذي قدر الله به شرف النسب أو سعة المال أو القوة البدنية على ترك الإرادة الشرعية من وجوب التزام تلك الأخلاق، قال الله عز وجل: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) (الحجرات: 13).

الأعراب والسقوط في اختبار الإيمان

والأعراب الذين انتحلوا الإسلام ظاهرًا ولكن لم يدخل الإيمان في قلوبهم باطنًا؛ لم يلتزموا تلك الآداب، أما المؤمنون فإنهم لما انتحلوا الإيمان في باطنهم أثَّر ذلك على ظاهرهم؛ فلم يشكوا فيه وبذلوا أموالهم وأنفسهم دلالةً على صدق إيمانهم، فأيُّ إساءة عند من ادعى الإيمان الباطن والذي يعلم ما في السماوات والأرض ينفيه! وأي منة يدَّعوها بإسلامهم الظاهر مع أن الهداية للإيمان منة من الله عز وجل وحده!

فهو سبحانه عالم الغيب، وهو البصير بجميع العمل، قال الله تعالى في نهاية السورة: (قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِن تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُم مِّنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ {14} إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ {15} قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ {16} يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُل لَّا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُم بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ {17} إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) (الحجرات).

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة