الهدايات التربوية في سورة «الحجرات» (1)

الأدب مع الله ورسوله

رقية محمد

21 يونيو 2026

42

الأدب مع الله ورسوله

يبحث كثير من الناس الآن عن علاج للفساد الأخلاقي الذي يستشري في كل نواحي الحياة، وهذا العلاج قد وصَّفه وعالجه الشافي سبحانه في سورة «الحجرات».

لماذا سورة «الحجرات»؟

المجتمع الإسلامي محكوم بشريعة الله تعالى، وهذه الخصوصية تفرض أن تكون السلوكيات والمعاملات قائمة على هذه الشريعة، ولقد تناولت السورة الكريمة الآداب والأخلاق على كافة مستوى العلاقات في المجتمع، مثل علاقة المسلم بالسلطة التشريعية، وعلاقته بأخيه المسلم، وعلاقة المجتمع المسلم بغيره من المجتمعات، ومنظومة المجتمع الأخلاقية، وأهمية تصحيح الأفكار، كما أنها احتوت على وسائل تربوية كثيرة لتزكية النفس وتعديل السلوك.

وقد افتتحت هذه السورة الكريمة بآيات تناولت أرفع الآداب مع الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وهي أسمى الآداب على الإطلاق، وهذا ما سيتم بسطه في هذا المقال، ليكون أول حلقات سلسلة «الهدايات التربوية في سورة الحجرات».

قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) (الحجرات: 1).

أولًا: مركزية التأدب مع الشريعة:

ترتكز السورة عند بدايتها على أساس جليل هو تنبيه المسلمين إلى مركزية الأدب مع الشريعة الإسلامية ووجوب الوقوف عند حدودها، حيث لا يقدمون رأياً على شرع الله عز وجل، ولا يتقدمون بمشورة دون إذن من رسوله صلى الله عليه وسلم، وهذا الأدب الخطوة الأولى نحو التزكية، ومن دونه يسقط المرء في شرك أهوائه، ثم ينتقل ذلك إلى المجتمع فتعمه الفوضى التي لا يضبطها ضابط؛ لذا كان ولا بد من بيانه وتثبيته كحجر أساس لأي بناء تربوي آخر، ويشتمل هذا الأدب من خلال تلك الآية الكريمة على 3 أركان، هي:

1- وجوب اتباع القرآن والسُّنة: الإسلام معناه الاستسلام لله عز وجل، وما يتضمنه من طاعة الأمر واجتناب النهي، ودائما ما يربط القرآن بين حقيقة الإيمان وهذا الاستسلام، مثل الذي جاء في قوله تعالى: (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) (النساء: 65).

2- وجوب تقوى الله: التقوى سبب قبول الهدايات؛ (ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ) (البقرة: 2)، وهي المانع بين العبد وبين محارم الله خشية العقوبة؛ (وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ) (المجادلة: 9)، وهي ما يدفع إليها العقل ضرورةً؛ فإن الخوف المقلق مانع من معصية القادر على العقاب، لذا دعا الله عز وجل إليها أصحاب العقول، فقال تعالى: (وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ) (البقرة: 197)، وهي التي ينال المرء بها غايته الكبرى؛ (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلَالٍ وَعُيُونٍ {41} وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ {42} كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ {43} إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنينَ) (المرسلات).

3- وجوب العلم عن الله عز وجل: وبيَّن الله تعالى وجوب العلم به وعن أسمائه وصفاته من خلال ذكره اسميه تعالى: السميع والعليم في ختام الآية، كدلالة على أهمية معرفة هذه الصفات وأثرها العميق في سلوك العبد وتصرفاته تجاه ما ذكر من هدايات في هذه الآية.

فحينما يعلم العبد أن الله يسمعه؛ يخشى أن ينطق بحكم لا يرضاه، وحينما يتذكر أنه عليم بنواياه؛ يجتهد في ضبطها وتطهيرها، فكلما ازداد معرفة بربه؛ ازداد خوفه منه ورجاءه له، وكلما غفل عن هذه المعرفة؛ استسهل ارتكاب محارمه.

ثانيًا: صور التقدم بين يدي الله ورسوله:

وإن للتقدم بين يدي الله ورسوله صورًا عدة ذكرتها كتب التفسير والسُّنة، ويهمنا أن ندرك أن تلك الصور لم تكن حكمًا خاصًا متعلقًا بمن عاصر النبي صلى الله عليه وسلم في حياته كمن نادَوه من وراه الحجرات أو من علت أصواتهم بين يديه فحسب، بل إن تلك التقدمة حادثة في الواقع المعاصر في صور عدة، وهذه بعضها:

1- تقديم العادات أو الآراء العصرية على الدين:

فكم عادةٍ مجتمعية أصبحت مقدسة عند البعض، بينما هي تخالف النص المقدس أو الحُكم الشرعي المحكم! وكم من موضة فكرية أو سلوكية انتشرت في وسائل التواصل الافتراضية فانجرّ خلفها البعض دون أن يسأل عن حكمها الشرعي أو يلتزمه بعد أن عرفه فضلًا عن أن يُزينه في أعين الناس!

فمثلاً ترى اليوم من يستسهل الاختلاط المحرم بين الجنسين، أو الدخول في علاقات عاطفية بحجة أنها نمط الحياة العصرية، أو بدعوى أن الجميع يفعل ذلك، ويتجاهل قول الله تعالى: (قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ) (النور: 30)، بل يصل الأمر ببعضهم إلى اعتبار التمسك بالضوابط الشرعية تخلفاً وانغلاقاً، وهل هناك تقدّم أشد وضوحًا من جعل آراء البشر والصيحات التي يصطنعها البعض هي المُقدَّمة على شرع الخالق والمتخطية لحدوده بلا عائق؟!

2- تقديم المصالح الشخصية على اتباع الشريعة:

من أشد صور التقدم بين يدي الله عز وجل أن يغلب الإنسان خوفه من الناس على خوفه من الجبار، فيقدم رضاهم على رضا الله، كمن يكون في بيئة عمل أو دراسة وتطلب منه مخالفة شرعية، فيخشى الخسارة المادية أو الاعتبارية؛ فيُفرِّط في التمسك بدينه، أو يكون في موقف يتوجب عليه فيه قول كلمة الحق؛ فيسكت خوفًا من النبذ والإقصاء.

فمن أسوأ التقدم بين يدي الله أن يرجو العبد رضا مخلوق ضعيف، ويغضب ربّ العالمين، قال تعالى: (أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ) (التوبة: 13).

3- التساهل في إطلاق الأحكام دون الوقوف على حكم الله:

من أعظم آفات العصر الاستسهال في إطلاق الأحكام وبذل الآراء الشخصية فيما لله عز وجل فيه حكم واضح، فتجد البعض يُحلّل ويُحرّم، أو يُكفّر ويُفسّق، دون أن يسأل عن حكم الله ورسوله، ودون أن يرجِع إلى العلماء الراسخين في العلم، وربما تسبّب بكلمة واحدة في قطيعة رحم، أو هدم بيت، أو تشويه سمعة، ولا يدري أن هذه الكلمة أمانة سيُسأل عنها يوم القيامة، قال الله تعالى: (وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا) (الإسراء: 36).

4- مخالفة حكم الله ورسوله بتأويل فاسد:

وهي من أخطر الصور وأشدها مخالفةً، لأن صاحبها يعلم الحق ثم يتعمد مخالفته، فيحتال على نفسه بتأويلات فاسدة، أو يبحث عن فتوى شاذة تبرر له شهوته، وهل هناك أشدّ سوءًا من أن العلم بحكم الله ثم البحث عن مخرج ليُضل المرء نفسه أو يُضل غيرَه؟! وهل هناك أظلم من الكذب على الله وتكذيب الحق بعد بلوغه؟! قال الله تعالى: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ) (العنكبوت: 68).

هذه الصور الأربع أمثلة يسيرة للتقدم بين يدي الله ورسوله في الواقع المعاصر، وليست حصراً لجميع الصور بالطبع، فكل منا يحتاج بعد هذا البيان القرآني أن يتأمل أفعاله ثم يسأل نفسَه: هل يزنها بميزان الشرع أم بميزان آخر؟

ثالثاً: الأساليب التربوية التي تضمنتها الآية الأولى من «الحجرات»:

لم تحتوِ الآية الكريمة على الأمر والنهي فحسب، بل حوت أساليب تربوية راقية تخاطب النفس البشرية بطرق متنوعة، ومن أبرزها:

1- توضيح المنهي عنه بوضوح: فيجب أن يضع يعلم المربي حدودًا واضحة لا تحتمل التأويل، وألا يترك مجالاً للغموض فيما لا يحتمل الخطأ، والحسم في إنفاذ الأمر، وهذا مما يُفهم من قوله تعالى: (لا تُقدِّمُوا).

2- تنمية المراقبة الذاتية: فلا بد للمربي من الاهتمام بغرس المراقبة الذاتية من خلال تزويد النفس بما يوقظ هذا الوازع بغرس مفهوم تقوى الله والعلم عنه واستحضار أسمائه وصفاته، وهذا مما يُفهم من قوله تعالى: (وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ).

3- الإيجاز مع عمق التأثير: فينتبه المربي لأهمية الحديث المركز القصير ذي الأثر الفعال، خاصة في مقام التوجيه والإرشاد، فالنفس تمل من الأحاديث الطويلة التي تشتت الهدف، وليهتدِ بما استُفيد من أمور كثيرة كل منها يستحق التفصيل في كتب ومحاضرات احتوتها تلك الآية الكريمة فحسب.

4- التحفيز بذكر الخيرية: فإن نداءه الله تعالى للمأمورين بـ(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) يتضمن تشجيعًا لهم بأنهم أهلٌ للخطاب الرباني، وذلك ليحثهم على فعل ما يليق بهذه الهوية، وحينما يتبع المربي هذا الأسلوب التشجيعي يتفادى بذلك تحطيم الصورة السيئة التي قد يستبطنها من يربيه عن نفسه حال الأمر، ويتفادى الضيق الذي قد يكون فيه عند اللوم المباشر، بل يوقظ فيه الشعور بقيمته، وذلك مما يدفعه إلى فعل ما ينبغي مختارًا له بمحض إرادته.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة