مرافئ السكينة في جوامع الكلم (4)
مرفأ حيازة الدنيا.. بلاغة الطمأنينة وبيان السكينة
بعد أن وقفنا في محطاتنا الثلاث الأولى
من هذه السلسة المباركة على شواطئ اليقين ومرافئ السكينة؛ إذ وقفنا في الحلقة
الأولى على مرفأ الحفظ الإلهي من خلال وصية النبي صلى الله عليه وسلم العظيمة لابن
عباس: «احفظ الله يحفظك»، وتأملنا في حلقتنا الثانية كيف تتبدل أحوال المؤمن كلها
إلى خير في مرفأ: «عجبًا لأمر المؤمن»، ثم تذوقنا حلاوة الطمأنينة النفسية
والسكينة وقت الخطوب في مأمن: «لن تراعوا».. نصل اليوم إلى محطتنا الرابعة، وفي
أيدينا مفتاح نبوي جديد يضبط لنا ميزان الحياة اليومية، ويبدد قلق المستقبل
والرزق؛ لنكتشف أين تكمن مرافئ السكينة الحقيقية في مواجهة تقلبات الأيام وضغوطها.
ففي زمنٍ تُقاس فيه السعادة بما يُملَك
لا بما يُعاش، ويقبع فيه الإنسان تحت وطأة "السعار المادي" والقلق
الوجودي المستمر، يضعنا الرسول الأكرم -صلى الله عليه وسلم- أمام حقيقة الوجود،
ويعيد صياغة مفهوم "النجاح" و"الاستقرار" بميزانٍ يفوق مقاييس
الأرض المادية، وذلك في الحديث الذي رواه الإمام الترمذي في سننه من حديث عبيدالله
بن محصن الخطمي أنه صلى الله عليه وسلم قال: "مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ
مُعَافَى فِي جَسَدِهِ، آمِنًا فِي سِرْبِهِ، عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ،
فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا بِحَذَافِيرِهَا" (حسنه الألباني في
صحيح سنن الترمذي، 2/ 274).
في هذا الحديث الشريف يضبط الرسول صلى
الله عليه وسلم تصوراتنا عن الغنى الحقيقي في الحياة؛ فيقيمها على ثلاث دعائم كبرى
هي: العافية، والأمن، والكفاية.
تفكيك دلالات الألفاظ
يبدأ الإعجاز اللغوي في الحديث من اختيار
الأفعال والأسماء بدقة كبيرة لتغطية أركان الوجود الإنساني الثلاثة: الذات،
والمحيط، والمستقبل، ويظهر ذلك جليًا في تفكيك ألفاظه على النحو التالي:
1- "مَنْ أَصْبَحَ": يفتتح
الحديث بأسلوب الشرط الذي يفتح الباب لكل أحد بلا تمييز؛ فلا يخص غنيًّا ولا
قويًّا، بل يجعل الأمر متاحا للجميع (منكم). واختيار التوقيت (الصباح) يحمل دلالة
نفسية عميقة؛ فالصباح هو بداية الحراك والوعي، واللحظة التي يستيقظ فيها قلق
الإنسان الباطن حول يومه. وربطُ النعمة بلفظ "أصبح" يوحي ببدء نهار جديد
كعمر مستقل، ويعلم المؤمن أن يستفتح يومه بتفاؤل وإقبال على الحياة.
2- "مُعَافَى فِي جَسَدِهِ":
اختار صلى الله عليه وسلم "معافى" دون "صحيحا" أو
"سليما"؛ لأن العافية في اللغة تفيد السلامة الشاملة من الأسقام الظاهرة
والباطنة، إذ تشمل سكون النفس كما تشمل سلامة البدن. وجاء التعبير بـ"فِي
جَسَدِهِ" بالظرفية "في" للدلالة على تمكن العافية وإحاطتها
بالإنسان من داخله وخارجه؛ فالجسد هو وعاء الروح الذي إن سَلِم من الألم، صَفَا
العقل لإنتاج السكينة.
3- "آمِنًا فِي سِرْبِهِ": لفظ
"السِّرْب" من مأثور لغة العرب الذي يضم ظلالًا بيانية مدهشة؛ فهو يطلق
على النفس (آمِنًا في قلبه)، وعلى الجماعة والأهل (آمِنًا على بيته وعياله)، وعلى
الموضع والمسلك الذي يأوي إليه المرء مطمئنًا.. هذا الاتساع يمنح اللفظ بعدًا
نفسيًا يغطي الأمن الداخلي والخارجي معًا، فلا قيمة لنعيم إن فُقد الأمن.
4- "عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ":
لم يقل قوت سنته ولا شهره، بل "قوت اليوم" وهو ما يمسك الرمق ويكفي
الحاجة الأساسية. وفي هذا تقزيم لغوي مقصود وتهذيب خفي لشهوة التكديس والتكثير
التي تستنزف أعمار الناس، ليثمر ذلك تعليمًا عمليًا على العيش في حدود اليوم الحاضر
دون الانتحار النفسي في قلق الغد.
الإعجاز البياني والبلاغي
ينتقل بنا الحديث من دقة الألفاظ إلى
عبقرية التركيب البياني، حيث تبرز الصياغة النبوية بأدوات بلاغية تهز الوجدان:
1- التدرج من الأخص إلى الأعم:
رتب النبي صلى الله عليه وسلم النعم ترتيبًا
دقيقًا يبدأ من الأخص إلى الأعم، ومن الداخل إلى الخارج: (الجسد، ثم السرب، ثم
القوت). فالإنسان يحتاج أولًا إلى سلامة نفسه (العافية)، ثم إلى أمن محيطه الذي
يعيش فيه (الأمن)، ثم إلى ما يقيم حياته (الطعام). وهذا الترتيب يمثل "الهرم
النفسي" للحاجات الإنسانية قبل أن ينظر لها علم النفس الحديث بقرون؛ إذ لا
معنى للطعام مع خوف يهدد الروح، ولا قيمة للأمن مع جسد ينهكه المرض.
2- التشبيه التمثيلي وذروة البلاغة النبوية:
تتجلى ذروة البيان والبلاغة النبوية في
جواب الشرط: "فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا بِحَذَافِيرِهَا".
استخدم الحديث أداة التشبيه
"فَكَأَنَّمَا" ليصنع انقلابًا شعوريًّا يلحق المتخيل بالواقع، كأن
الأمر حقيقة ملموسة. وجاء الفعل "حِيزَتْ" مبنيًا للمجهول من
"الحيازة" وهي الجمع والضم والامتلاك التام، ليشير إلى أن الدنيا جاءت
مسوقةً إليه بيسر وسهولة كأنما هناك قوة خفية جمعتها له. ثم خُتمت بلفظ
"بِحَذَافِيرِهَا" (وهي أعالي الشيء وأصوله وتماماته) لتمثل المبالغة
البيانية المقبولة لبيان الشمول؛ أي لم يفته من الدنيا وملذاتها وملوكها شيء، بل
ملك صفوها ولبّها.
3- المرفأ النفسي والإعلامي:
إن الرسالة الإعلامية في هذا المرفأ
النبوي هي "تحرير مفهوم الثروة"؛ إذ يأتي هذا الحديث ليمارس عملية
"تصفير لعداد القلق"، ليخبرنا أن ملكية الدنيا الحقيقية ليست في صكوك
العقارات ورصيد البنك، بل في ثلاثة أصول غير ملموسة: (صحة، وأمان، وكفاية).
إن هذا البيان يعيد الإنسان إلى نقطة
الاتزان التي يبددها صخب العصر، ويؤكد أن السعادة ليست مشروعًا مؤجلًا وراء مزيد
من المال والمظاهر، بل هي حاضرة ومتاحة.
فإذا أصبحتَ اليوم بجسدٍ لا يؤلمك، وأهلك
في أمان، ولديك وجبة يومك.. فاخلع عن كاهلك قلق الغد، واعلم أنك لا تبدأ يومك
فقيرًا كما تظن، بل تبدؤه ملكًا تربع على عرش السكينة، وحيزت له الدنيا بحذافيرها
وإن خلا جيبه مما يتهافت عليه الناس!
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً