مرافئ السكينة في جوامع الكلم (3)
«لن تُراعوا».. بلاغة الأمان النبوي وقت الفزع
نستأنف رحلتنا
مع سلسلة «مرافئ السكينة في جوامع الكلم» ونقف اليوم في محطةٍ جديدة تمنح النفس سكينة
الإقدام ويقين الطمأنينة التي تبدد روع القلوب، وهما أمران مهمان جدا في حياتنا
التي تشهد الكثير من التقلبات والفتن؛ التي تجعل الإنسان متحيرا بين القيام بدوره
في مواجهتها وطلب السلامة والأمان لنفسه بالنأي عنها، وفي هذه الظروف نكون أحوج ما
نكون للقدوة التي تضعنا على الطريق الصحيح، ولن نجد أفضل ولا أحكم ولا أشجع من
نبينا صلى الله عليه وسلم؛ فهيا بنا لنرى كيف واجه صلى الله عليه وسلم رياح الخوف
بكلماتٍ هي بمثابة المرفأ الآمن لكل فزع.
بين أيدينا نص
نبوي جليل، يرويه خادمه أنس بن مالك رضي الله عنه، يجمع فيه بين التقرير الوصفي والمشهد
التطبيقي؛ ليرسم صورة حية للكمال البشري في أبهى تجلياته.
فعن أنسٍ رضي
الله عنه قال: كان النبِيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ أحسنَ الناسِ وأَجْوَدَ
الناسِ وأَشْجَعَ الناسِ، ولقدْ فَزِعَ أهلُ المدينةِ ذاتَ ليلةٍ فانطلقَ الناسُ
قِبَلَ الصَّوْتِ فَاسْتَقْبَلهُمُ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ قد سَبَقَ
الناسَ إلى الصَّوْتِ وهوَ يقولُ: «لَنْ تُرَاعُوا لَنْ تُرَاعُوا»، وهوَ على
فَرَسٍ لِأَبي طلحةَ عُرْيٍ ما عليهِ سَرْجٌ في عُنُقِهِ سَيْفٌ فقال لقدْ
وجَدْتُهُ بَحْرًا أوْ إنَّهُ لَبَحْرٌ. (أخرجه البخاري).
يجمع هذا الحديث
بين جلال الخُلق وجمال الشجاعة في أوج صورها، من خلال مشهدٍ بديعٍ رسمه أنس رضي
الله عنه بريشة اللغة، فانتقلت القصة من واقعة تاريخية إلى لوحة بلاغية تُجسِّد
كمال النبي صلى الله عليه وسلم في ذاته وصفاته.
يبدأ الحديث
بصيغ التفضيل المطلقة: أحسنَ الناس، وأجودَ الناس، وأشجعَ الناس.
ومن الناحية
اللغوية، فإن إضافة اسم التفضيل إلى (الناس) تفيد استغراق الجنس؛ أي بلغ الذروة
التي لا يلحقه فيها بشر. وبلاغياً، هذا الترتيب ليس عفوياً؛ فالحسن يجذب القلوب، والجود
يأسر النفوس، والشجاعة تمنح الأمان. والسكينة الحقيقية لا تكتمل إلا بوجود هذا
المثلث: جمال في الروح، وسخاء في الكف، وبطولة في الموقف.
التحليل النحوي والتركيبي
جاءت الجملة
الأولى اسمية «كان النبي صلى الله عليه وسلم..»؛ لتفيد الثبوت والدوام، وتؤكد أن
صفات الحُسن والجود والشجاعة صفات راسخة مستقرة في النبي صلى الله عليه وسلم، لا
تتبدل مع الأحوال.
أما تكرار
الجملة ثلاث مرات مع اختلاف الخبر (أحسن / أجود / أشجع) فهو أسلوب التوكيد
بالتكرير الذي يُعمِّق المعنى في النفس، ويشيع نغمة إيقاعية تُحدث وقعًا موسيقيًا
يليق بالمقام النبوي.
البنية البلاغية في مشهد الفزع
قال أنس: «ولقد
فزع أهل المدينة ذات ليلةٍ..»؛ الفعل فزع يفيد الاضطراب المفاجئ المصحوب بالخوف،
وهو أبلغ من خاف؛ إذ يتضمن عنصر المفاجأة والاضطراب الجمعي، ثم جاء الظرف ذات ليلة
ليزيد المشهد رهبة؛ فالليل مظنة السكون، فإذا اضطرب فيه الناس اشتد الخوف، فدل على
أن الحدث كان عظيمًا.
ثم قال: «فانطلق
الناس قبل الصوت»؛ أي خرجوا متوجهين إلى مصدره؛ أي أن وجهتهم كانت أهم ما في
الموقف. ثم نجد المفارقة البلاغية العظمى في قوله: فاستقبلهم النبي صلى الله عليه
وسلم قد سبق الناس إلى الصوت؛ فبينما كان الناس يهرعون نحو الخطر، كان هو –صلى
الله عليه وسلم- عائداً منه بعد أن احتواه. فلا شك أن هذه المفارقة الحركية تمنح
السامع سكينة فورية؛ فالفزع يتبدد بمجرد رؤية القائد عائدا بهدوء.. إنه مرفأ متحرك
استقبل القلوب الوجلة قبل أن تصل إلى مصدر فزعها، كما أن الفعل سبق يفيد المسارعة
والمبادرة، وفي هذا تصوير حيّ للنبي -صلى الله عليه وسلم- وهو يتقدّم الناس شجاعةً
ويقينًا، لا ينتظر استنفارهم، بل يسبقهم إلى موضع الخطر.
من التصوير البلاغي في تفاصيل المشهد
يقول أنس: وهو
يقول: «لن تراعوا، لن تراعوا..»، إنها كلمات يسيرة في مبناها، عظيمة في معناها،
فالتكرار هنا أسلوب تأكيد يعمّق الأثر في النفوس، ويحول الخوف إلى أمن، والفزع إلى
طمأنينة، بالإضافة إلى اختيار الجملة الفعلية المنفية بـلن الدالة على الاستقبال
والنفي المؤكد، وكأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لا خوف عليكم في الحاضر ولا
في المستقبل القريب».
ثم قوله: وهو
على فرسٍ لأبي طلحة عُريّ ما عليه سرج، جمع بين السرعة والتجرد؛ إذ لم ينتظر سرج
الفرس، بل امتطاه عُريًا، وهو دليل على شجاعة مفرطة وطمأنينة قلبٍ راسخ.
أما قوله: «في
عنقه سيف»، فالجار والمجرور يرسم مشهد الجاهزية الدفاعية؛ فهو لم يخرج بغير سلاح،
إنما خرج مستعدًا للحماية، وكان الجمع بين فرس بلا سرج وفي عنقه سيف مزيجًا دقيقًا
من التوكل والأخذ بالأسباب.
في قولـه: «لقد
وجدته بحرًا، أو إنه لبحر»؛ هذا ختام الحديث، وهو من أرفع مواضع البلاغة فيه.
فاللفظ بحر هنا
استعارة تصريحية؛ إذ شبَّه النبي صلى الله عليه وسلم الفرس بالبحر في السرعة
والسَّعة والانطلاق، وشبهه بالبحر تحديد لأن البحر لا يُدرك قعره ولا يُحاط بسعته،
فكذلك هذا الفرس في سرعته وجودته.
ولفظ وجدته يوحي
بالتجربة الشخصية، وهو ما يضفي حرارة ذاتية على الوصف ويؤكد الواقعية.
أما حرف التوكيد
لقد فقد جيء به لتثبيت المعنى في نفوس السامعين، وكأن النبي صلى الله عليه وسلم
يخبرهم بطمأنينة ورضا: الأمر تحت السيطرة، والفرس بحر، لا خوف.
جمال السرد وتكامل القيم
يجمع الحديث بين
الإيجاز والإعجاز؛ فهو في بضع عبارات يصور:
- كمال خُلق
النبي صلى الله عليه وسلم (أحسن الناس).
- فضله وسخاءه
صلى الله عليه وسلم (أجود الناس).
- شجاعته
واستبساله (أشجع الناس).
- مبادرته
وإغاثته للناس.
- طمأنينته
وثقته بربه.
وهذا اجتماعٌ
نادر للصفات في مشهد واحد، جعل الحديث مرآة جامعة لشخصية النبي صلى الله عليه
وسلم، كما وصفها القرآن: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ
أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ) (الأحزاب: 21).
وفي النهاية،
فإن هذا الحديث يعيد صياغة مفهومنا للسكينة؛ فهي ليست في الركود، بل هي ثبات القلب
وسط الزلزال. لقد كان النبي صلى الله عليه وسلم قدوة في الهدوء والطمأنينة في وقت
الفزع والهلع والخوف، ومن كلماته لن تُراعوا نستمد اليوم يقيننا بأن مع العسر
يسراً.
إن مرفأنا اليوم
يعلمنا أن سكينة القلوب تُستمد من صدق التوكل المقرون بـسرعة المبادرة؛ فكلما
تلاطمت أمواج الفزع في حياتك، تذكر ذاك الفارس الذي ركب البحر ليقول لأمته: «لن
تُراعوا.. لن تُراعوا».
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً