مرافئ السكينة في جوامع الكلم (1)
من أسرار البيان النبوي في «احفظ اللهَ يحفظك»
لا تخلو حياة
الإنسان من بعض الأحداث التي تكدر عليه صفوه، وتنغص معيشته، وتقلق نفسه؛ فيكون
أحوج ما يكون إلى مرفأ آمن يلقي فيه همومه ويبث فيه أحزانه؛ ليربت على قلبه ويهدئ
من روعه وينقله من حال الهلع إلى السكينة ومن الفزع إلى الطمأنينة، وفي هذه الحالة
يعود الإنسان إلى عقيدته ويعود إلى ربه لإدراكه أنه هو القادر على إنقاذه وأن حبال
الوحي هي العروة الوثقى التي لا تنفصم.
وفي هذه السلسلة
سنعيش مع بعض التوجيهات النبوية التي تمثل لكل مسلم مرافئ اليقين والأمان
والطمأنينة؛ لنرى كيف صاغ لنا الرسول صلى الله عليه وسلم من الحروف ملاذاً، ومن
البيان أماناً، ومن دقة اللغة دستوراً للثبات في زمن الفتن.
ونبدأ أولى
حلقات هذه السلسلة مع هذا التوجيهات النبوية التي لا يسع أي مسلم الغفلة عنها أو
البحث عن الأمن والأمان بعيداً عن مرافئها.
عن عبدالله بن
عباس قال: كُنْتُ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
يَوْمًا، فَقَالَ: «يَا غُلَامُ إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ، احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ،
احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّهَ، وَإِذَا
اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ الأُمَّةَ لَوْ اجْتَمَعَتْ
عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ
اللَّهُ لَكَ، وَلَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ
إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتِ الأَقْلَامُ وَجَفَّتْ
الصُّحُفُ» (أخرجه الترمذي).
علق ابن حجر على
هذا الحديث قائلاً: «وهذا الحديث يتضمن وصايا عظيمةً، وقواعد كلية من أهم أمور
الدين وأجلِّها، حتى قال بعض العلماء وهو ابن الجوزي: تدبرت هذا الحديث، فأدهشني
وكدت أطيش، فواأسفا من الجهل بهذا الحديث، وقلة التفهم لمعناه» (جامع العلوم
والحكم، 1/ 361).
وفي هذه السطور
سنقف مع بعض هذه الوصايا العظيمة التي أشار إليها ابن رجب لنأخذ منها العظة
والعبرة:
براعة الاستهلال.. استمالة القلب قبل بذر الكلمات
لم يلقِ النبي صلى
الله عليه وسلم هذه القواعد العظيمة إلقاءً عابراً؛ بل مهد لها ببراعة استهلالٍ
تُعد نموذجاً في فن التنبيه النفسي واللغوي، وذلك عبر ثلاثة أركان:
1- النداء الودود.. «يا غلام»:
استخدام «يا»
النداء للبعيد مع «غلام» للقريب عمراً ومكانةً يخلق توازناً بين الهيبة والمؤانسة؛
إذ من أغراض نداء القريب بأداة للبعد علو مكانته ورفعتها، وكأنَّ النداء يمدُّ
جسراً من الهيبة، واللفظ يضمه بكنف المودة. وفي اختيار «غلام» سر لغوي بديع؛
فالغلام صفحة بيضاء، ونفسه لينة قابلة للنقش، فكأن النبي صلى الله عليه وسلم يريد
أن يغرس بذور اليقين في التربة البكر قبل أن تؤثر فيها رياح الشكوك أو مخاوف
الحياة.
2- فن التشويق.. «إني أعلمك كلمات»:
استخدام الجملة
الاسمية المؤكدة بـ«إنّ» والنص على التعليم بصيغة المضارع يفيد علو شأن الآتي،
وكذلك فإن تنكير لفظ «كلمات» هنا هو تنكير تفخيم وتعظيم؛ أي: إني أعلمك كلماتٍ
ليست كالكلمات؛ فهي قليل مبناها، عظيم معناها، تختصر لك فلسفة الوجود وأمن الروح.
3- التمهيد النفسي والتحفيز للتلقي:
هذا الاستهلال
اللغوي يعمل كعامل محفز يفرغ ذهن السامع من شواغله ليحصر تركيزه في القادم؛
فالمؤمن في زمن الخوف يحتاج أولاً إلى من يناديه ليستعيد وعيه، ثم يبشره بأن هناك
علماً ينجيه، وهذا ما فعله النداء النبوي تماماً.
التحليل اللغوي.. عبقرية الحفظ والتجاه
حين تشتد
الأزمات، تضيق اللغة عن وصف المشاعر، لكن لغة النبوة تتسع لكل شيء، وهذا ما سنعرفه
من خلال هذه الوقفات اللغوية مع لفظين فقط من ألفاظ الحديث وهما:
دلالة «احفظ»:
الفعل «حفظ» في اللغة العربية يدور حول الصيانة، والمنع، والحراسة، وبلاغياً، نجد
هنا ما يسمى بـالإيجاز بالحذف؛ فالمراد: احفظ أوامر الله بامتثالها، ونواهيه
باجتنابها، وحدوده بعدم تعديها، هذا الربط يجعل الأمان فعلاً يمارسه العبد، وليس
مجرد انتظار سلبي، أنت تحفظ الصلة بالله، والله يحفظك من تقلبات الدهر.
دلالة «تجاهك»:
كلمة «تُجاه» بضم التاء مشتقة من الوجه، وبلاغياً، اختيار هذا الظرف دون غيره
(مثل: معك، أو عندك..) فيه إشارة إلى المواجهة والقرب الشديد، فمن حفظ الله، وجد
الله أمامه في كل وجهة يوليها، وفي كل شدة يقابلها، وهو تعبير يزيل وحشة الغربة،
فالمؤمن في وسط الحرب ليس وحيداً، بل الله تجاهه يرعى خطواته المتعثرة.
البنية البلاغية.. ثنائية المشاكلة والشرط
استخدم النبي صلى
الله عليه وسلم في هذا الحديث أسمى أنواع البلاغة المؤثرة في النفس مثل:
أسلوب المشاكلة:
قوله: «احفظ الله يحفظك»؛ المشاكلة هنا هي ذكر الشيء بلفظ غيره لوقوعه في صحبته؛
فالعبد يحفظ (يلتزم)، والله يحفظ (يرعى)، والجمال هنا في سرعة الاستجابة؛ فالجملة
شرطية مجزومة في جواب الطلب، وكأن حفظ الله يقع فوراً بمجرد شروع العبد في حفظ
حدود ربه.
بلاغة المقابلة
والحصر: استخدم صلى الله عليه وسلم في «لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ
بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ»، وكذلك «لو
اجتمعت على أن يضروك..» أسلوب القصر والحصر عن طريق النفي والاستثناء؛ وهو ما يفرغ
القلب من الخوف من القوى الكبرى أو المؤامرات الدولية أو الآلات العسكرية، ويحصر
التأثير الحقيقي في إرادة الله وحده؛ فهو عملية تصفير للمخاوف البشرية أمام القدرة
الإلهية.
وكما وقفنا مع
براعة الاستهلال نقف مع براعة الختام في قوله صلى الله عليه وسلم: «رُفعت الأقلام
وجفت الصحف»؛ فهذه الجملة تسكب في قلب المؤمن أمواجاً من السكينة والطمأنينة؛ فإذا
علم أن كل ما يحدث له قد سبق في علم الله تعالى فإنه سينتقل من حيرة التوقعات
والتخمينات إلى طمأنينة المسلمات؛ فالقلق لن يغير شيئاً والترقب لن يحدث جديداً.
ويلاحظ في هذه
الجملة الختامية:
- استخدام الفعل
الماضي «رُفعت» ليفيد التحقق والتأكيد، وقد جاء بصيغة المبني لما لم يسمَّ فاعله
ليفيد التعظيم.
- الفعل الماضي «جفَّت»
يفيد أيضاً التحقق والحدوث منذ زمن؛ فالحبر إذا كان رطباً لم يجف يكون قابلاً
للمحو والتغيير، أما إذا جف ثبت واستقر؛ وهو ما يناسب سياق الإيمان بالقضاء
والقدر.
- الجمع في كلمتي «الأقلام»
و«الصحف» يفيد الشمول والاستغراق؛ أي أن كل أقلام المقادير وكل صحف الأرزاق
والأعمال قد رُفعت وطُويت ولا مجال للتعقيب عليها؛ وهو ما يبعث في قلب المؤمن
الطمأنينة والسكينة لكل أقدار الله تعالى.
- في الجملة
استعارة مكنية؛ إذ تشبه القدر بكتاب كُتب وانتهى؛ وهو ما يدعو إلى الشجاعة
الإيمانية؛ فإذا كان ما كتبه الله سيقع حتماً؛ فليقع وأنا صامد مسلِّم لله خاضه
لقدره، بدلاً من أن يقع وأنا منهار النفس، محطم الروح، خائر العزيمة؛ فأخسر ديني
ودنياي.
إضاءة احترازية حول الدعاء والقدر
حين نُبحر في
دلالات «رفعت الأقلام وجفت الصحف» قد يتبادر لبعض الأذهان تساؤل: إذا كان الأمر قد
قُضي؛ فما جدوى الكدِّ والعمل والسعي؟ وما فائدة الدعاء؟
والجواب يكمن في
عمق العقيدة ذاتها؛ فالذي قدّر المقادير هو الذي قدّر الأسباب الموصلة إليها،
ويجلي لنا النبي صلى الله عليه وسلم هذا المفهوم في قوله: «لا يزيدُ في العمرِ
إلَّا البرُّ ولا يردُّ القدرَ إلَّا الدُّعاءُ، وإنَّ الرجلَ لَيُحْرَمُ الرزقَ
بالذنبِ يُصيبُهُ» (صحيح ابن ماجه)؛ فالله تعالى بعلمه المحيط، كتب أنَّ قدرًا ما
سينزل، وكتب أنَّ العبد سيدعوه فيُرفع ذلك القدر؛ فكان الدعاء والعمل وترك الذنوب
من جملة ما جفّت به الصحف، وكلها ضمن منظومة حفظ الله، وليست خروجاً عن قدره.
وفي النهاية،
أخي المؤمن إذا شعرت أن الأرض تضيق عليك بما رحبت، فاستحضر هذه الوصايا النبوية؛
فهي ليست مجرد جمل بلاغية، بل هي دروع إيمانية.
إذا شعرت بفزع
فاستحضر أن الله «تجاهك»؛ أي أنه يسبقك إلى كل مكان تذهب إليه، فممَّ تخاف؟
وإذا خفت من
الأذى فاستشعر «احفظ الله يحفظك»؛ أي أن هناك رعاية علوية ترقب ذرات كيانك.
بهذا اليقين،
نخرج من ضيق الحيرة إلى سعة التسليم، ومن رعب ماذا سيحدث؟ إلى طمأنينة قدر الله
وما شاء فعل.
اقرأ
أيضاً:
- روعة
الاستهلال وجوامع الكلم.. قراءة بلاغية في ثنائية الصبر والشكر
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً