ثلاثية القائد الناجح كما جسدها مروان بن الحكم
أورد الذهبي عن
قَبِيْصَة بن جَابِرٍ قَالَ: «قُلْتُ لِمُعَاوِيَةَ: مَنْ تَرَى لِلأَمْرِ
بَعْدَكَ؟ فسمَّى رِجَالاً، ثُمَّ قَالَ: وَأَمَّا القَارِئُ الفَقِيْهُ
الشَّدِيدُ فِي حُدُوْدِ اللهِ، مَرْوَانُ(1)»([2]).
في أروقة
التاريخ الإسلامي، تتوارى خلف الأحداث الكبرى نصوصٌ قصيرة، تبدو في ظاهرها حوارات
عابرة، لكنها في حقيقتها تمثل «دساتير مصغرة» في تقييم الرجال وفهم معادلات الحكم،
هذا النص الذي يوثق حوارًا بين قبيصة بن جابر، والخليفة معاوية بن أبي سفيان، يأتي
في سياق تاريخي حساس؛ حيث كان سؤال الخلافة واستشراف المستقبل الهاجس الأكبر الذي
يشغل بال النخب والمجتمع على حد سواء.
ولم تكن إجابة
معاوية مجرد سرد لأسماء، بل كانت تفكيكًا لبنية الكفاءة القيادية، حين وصف مروان بن الحكم بثلاثية نادرة: «القارئ، الفقيه، الشديد في حدود الله»، إننا أمام مصفوفة
معايير لا تقف عند حدود القرن الأول الهجري، بل تتجاوزه لتؤسس نظرية شاملة في
الإدارة، والسياسة، والاجتماع، والنفس البشرية.
كيف فكر المسلمون الأوائل في اختيار القادة؟
يبرز سؤال قبيصة
بن جابر: «من ترى للأمر بعدك؟» كدلالة على الوعي المؤسسي المبكر في العقل المسلم، ومعاوية
رضي الله عنه، بصفته رجل دولة من الطراز الأول، لم يتهرب من السؤال، بل استعرض
الخيارات المتاحة، ووضع أوزانًا نسبية لرجالات دولته، مبينًا أن الحكم لا يقوم به
شخص فارغ، بل يستند إلى صفات جوهرية تضمن بقاء الكيان وحفظ الاستقرار.
ويستند هذا
المعنى إلى أصل شرعي متين في تحمل أمانة الأمة، كما في الصحيحين عن مَعْقِلَ بْنَ
يَسَارٍ الْمُزَنِيَّ قَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ يَقُولُ: «مَا مِنْ عَبْدٍ يَسْتَرْعِيهِ اللهُ رَعِيَّةً يَمُوتُ
يَوْمَ يَمُوتُ وَهُوَ غَاشٌّ لِرَعِيَّتِهِ، إِلَّا حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ
الْجَنَّةَ»([3]).
والتفكير فيمن
يخلف القائد هو من صميم النصح للرعية، وقد تجلى هذا في فعل أبي بكر الصديق حين استخلف عمر، وفي جعل عمر الأمر شورى في ستة من خيرة المسلمين وممن زكاهم رسول
الله صلى الله عليه وسلم([4]).
التخطيط للتعاقب القيادي.. من معاوية إلى المؤسسات الحديثة
والناظر في
الواقع المعاصر، يجد أزمة كثير من المؤسسات، -سواء كانت شركات تجارية، أو حركات
دعوية، أو حتى إدارات حكومية- تكمن في غياب «خطة التعاقب القيادي»، فالقائد الناجح
ليس من يحتكر النجاح في عصره فقط، بل من يمهد الطريق لمن يكمل المسيرة، فغياب هذا
الجانب يؤدي إلى فراغ مدمر بعد رحيل المؤسسين، ويجعل المؤسسات ترتبط بالأشخاص لا
بالمنهج، وهنا يتبين أن القائد الحقيقي هو الذي يبني من يخلفه، ويزن رجاله بميزان
المستقبل لا اللحظة الحاضرة فحسب.
القارئ والفقيه.. لماذا يبدأ بناء القائد من المعرفة؟
لم يأتِ ترتيب
معاوية لصفات مروان اعتباطًا؛ فقد بدأ بـ«القارئ»، ثم أردف بـ«الفقيه»، فالقارئ في
عُرف الصدر الأول لا يعني مجرد المجود لحروف القرآن، بل الحافظ للوحي، الجامع
للنصوص، والمستوعب للمعلومات الأساسية، أما «الفقيه» فهو القادر على الغوص في
أعماق تلك النصوص لاستخراج دلالاتها وتنزيلها على النوازل، هذا الترتيب المنهجي
يقرر قاعدة ذهبية: لا فقه بلا قراءة، ولا استنباط بلا حفظ للأصول، فالمعرفة
المبنية على غير أساس نصي متين مجرد تخبط.
ويدل على هذا ما
جاء في القرآن الكريم من مدح العلم الراسخ المستند إلى الوحي الإلهي: (بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي
صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ) (العنكبوت: 49)، وفي السُّنة، يقرر
النبي صلى الله عليه وسلم هذا التمايز المنهجي، فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ:
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «نَضَّرَ اللَّهُ عَبْدًا
سَمِعَ مَقَالَتِي فَوَعَاهَا، ثُمَّ بَلَّغَهَا عَنِّي، فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ
غَيْرِ فَقِيهٍ، وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ»([5)؛
فالسماع والحفظ (القراءة) يسبق الاستيعاب والتنزيل (الفقه).
أزمة العصر.. فقه بلا قراءة وتصدّر بلا تأصيل
ونحن نعيش اليوم
أزمة خانقة يمكن تسميتها بـ«فقه بلا قراءة»؛ حيث يتصدر للتحليل وإبداء الرأي في
الشأن العام، أو الشرعي، أو الاقتصادي من لا يملك حصيلة معرفية صلبة، ففي الإعلام
ووسائل التواصل الاجتماعي نجد جرأة على إطلاق الأحكام دون استناد إلى بيانات دقيقة
أو أصول علمية، والواجب هنا ضرورة العودة إلى التأسيس المعرفي قبل التصدر للتحليل والتنظير، فالحصيلة المعرفية الصلبة هي المادة الخام التي يصنع منها الفقه الصحيح
والقرارات الصائبة.
المثلث الذهبي للقيادة الناجحة.. القارئ والفقيه والشديد في حدود الله
كثير من
المفكرين يمتلكون المعرفة (القارئ الفقيه)، لكنهم يفشلون في مقعد القيادة لانعدام
القدرة على التنفيذ، ومعاوية رضي الله عنه أدرك أن المعرفة وحدها لا تقيم دولة،
فأضاف الصفة الثالثة الحاسمة؛ «الشديد في حدود الله»، هذا هو المثلث الذهبي
للقيادة الناجحة:
- المعرفة
الصحيحة.
- الفهم الدقيق.
- التنفيذ
الصارم.
الشدة هنا ليست
بطشًا ولا ظلمًا، بل هي صلابة في تطبيق النظام وحماية المبادئ الكبرى للكيان من
الاختراق.
هذا التكامل
القيادي امتداد للقاعدة القرآنية في اختيار الأكفاء: (إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ
الْأَمِينُ) (القصص: 26)، فالقوي هو الشديد في حدود الله، والأمين هو الذي
يحجزه فقهه وقراءته عن الظلم، وفي سير السلف، كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه
يقول: «لَيْسَ يُصْلِحُ هَذَا الأَمْرَ إِلا شِدَّةٌ فِي غَيْرِ عُنْفٍ، وَلِينٌ فِي
غَيْرِ ضَعْفٍ»([6).
وقد تأثرت
الإدارة الحديثة بغياب هذا المعنى، حيث نرى مديرين يمتلكون شهادات عليا (القارئ
الفقيه)، لكن إداراتهم تفشل بسبب ترددهم، أو تساهلهم، أو خضوعهم للضغوط والمجاملات
التي تضيع حقوق العمل (غياب الشدة في حدود النظام)، ومن جهة أخرى، نرى إداريين
يعتمدون على الحزم القاسي بلا وعي ولا فقه، فيدمرون بيئة العمل، التوازن الذي ذكره
معاوية المفتاح لبناء مؤسسة صحية ومنتجة، فالمعرفة بلا حزم تنظيرٌ عاجز، والحزم
بلا معرفة تهورٌ مدمر؛ والقيادة الناجحة زواج بين العقل المبصر واليد القوية.
حماية حدود الله صمام أمان للمجتمع
إن استخدام
مصطلح «حدود الله» يحمل دلالة أعمق من مجرد العقوبات الجنائية؛ إنه يشمل الإطار
العام الذي يحفظ للمجتمع دينه وعرضه وعقله وماله، فالشدة هنا ليست موجهة للانتقام
الشخصي، بل لحماية المساحة المشتركة للمجتمع، فالقائد الذي يتساهل في حدود الله من
أجل كسب شعبية زائفة، يضحي بالمجتمع كله، ومروان بن الحكم في نظر معاوية امتلك هذه
الحصانة الأخلاقية التي تمنعه من المساومة على الثوابت.
والناظر في السُّنة
النبوية الشريفة يجد تأصيلاً دقيقاً لهذا المعنى، حيث غضب النبي صلى الله عليه
وسلم غضبًا شديدًا حين حاول أسامة بن زيد -حِبُّ رسول الله صلى الله عليه وسلم- أن
يشفع في حدٍّ من حدود الله، وقال كلمته الخالدة التي أسست لمبدأ المساواة أمام
القانون: «وَايْمُ اللهِ لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ
لَقَطَعْتُ يَدَهَا»([7)؛ قال ابن حجر: وفيه ترك المحاباة في إقامة
الحد على من وجب عليه ولو كان ولداً أو قريباً أو كبير القدر، والتشديد في ذلك
والإنكار على من رخص فيه أو تعرض للشفاعة فيمن وجب عليه([8]).
وفي عصرنا
تتصاعد دعوات السيولة والتنازل عن الثوابت تحت دعاوى «التسامح المفرط»، وهنا يبرز
دور المربي، والداعية، والأب في تطبيق هذه «الشدة الرشيدة»، فالتساهل في الأسرة
تجاه تجاوزات الأبناء الأخلاقية الخطيرة بدافع العاطفة المفرطة يؤدي إلى انهيار
الأسرة، كذلك في القضاء والأنظمة العدلية، فالتسوية بين الجاني والضحية بدعوى
الرحمة هي في حقيقتها قسوة على المجتمع بأكمله.
وهنا يتبين أن
الشدة في حماية المبادئ العامة ليست انعدامًا للرحمة، بل قمة الرحمة بالمجموع
لحمايتهم من فساد الأقلية.
كيف قيّم معاوية بن أبي سفيان مروان بن الحكم بعيدا عن الحسابات الشخصية؟
من المعلوم أن
معاوية بن أبي سفيان ينتمي إلى البيت الأموي، ومروان بن الحكم ينتمي إلى فرع آخر
من نفس الشجرة، وكانت بين البيوتات القرشية منافسات خفية ومعلنة، ورغم أن معاوية
كان يعلم أن مروان طموح، وأن له ثقله السياسي، إلا أن ذلك لم يمنعه من إنصافه
وإعطائه التوصيف الدقيق الذي يستحقه، لم يبخسه حقه، ولم يتجاهل كفاءته لمجرد
حسابات سياسية ضيقة، هذا يعكس يقظة نفسية وصحة في المعيار؛ فالرجال يُقيَّمون
بمؤهلاتهم الذاتية، لا بمدى ولائهم الشخصي المحض أو التوافق المزاجي معهم.
وقد أسس القرآن
الكريم لهذا التجرد النفسي العظيم في قوله تعالى: (وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا
تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) (المائدة: 8).
وكم نخسر اليوم
من كفاءات عظيمة في مؤسساتنا ودوائرنا الدعوية والعملية بسبب عدم التوافق المزاجي
أو الاختلاف في وجهات النظر! فالمدير الذي يقرب فقط من يشبهه ويوافقه، ويقصي
المخالفين له وإن كانوا من أصحاب «القراءة والفقه والشدة»، يكتب شهادة وفاة
لمؤسسته، والحق أن التجرد في تقييم الآخرين، ووضع الشخص المناسب في المكان المناسب
بغض النظر عن الحظوظ النفسية، هو معيار الارتقاء الحضاري، فالعقول الكبيرة تزن
الرجال بالمعايير الموضوعية، وتتجاوز حظوظ النفس لتضع الكفاءة فوق الميل الشخصي.
مروان بن الحكم نموذج قيادي يتجاوز حدود التاريخ
من خلال ما سبق يتبين أنه لا غنى للأمة في كل زمان ومكان عن القادة، والمديرين، والمربين الذين جمعوا أطراف المجد الثلاثة؛ سعة الاطلاع والمعرفة التي تحمي من الجهل (القارئ)، وعمق الفهم وإدراك المآلات الذي يعصم من سطحية التفكير (الفقيه)، والصلابة المبدئية التي تردع المعتدي وتحرس الثوابت (الشديد في حدود الله)، فحين تجتمع هذه الثلاثية، لا تُبنى الدول والمؤسسات فحسب، بل تُصنع الحضارة التي لا تُقهر.
الهوامش
- 1 مروان بن الحكم بن أبي العاص الأموي، وُلد بمكة، وروى عن عمر، وعثمان، وعلي، وزيد، وروى عنه جماعة من التابعين، كان كاتبًا لعثمان وإليه الخاتم، ثم خرج مع طلحة، والزبير للمطالبة بدم عثمان، وتولى إمارة المدينة غير مرة لمعاوية، وبعد وفاة ابن يزيد بن معاوية اجتمع إليه بنو أمية، فقاتل الضحاك الفهري فقتله، واستولى على دمشق ثم مصر، ودعا بالخلافة. وُصف بالشهامة والشجاعة والدهاء، وقيل: كان يتتبع قضاء عمر، واستولى على الشام ومصر تسعة أشهر، وتوفي في أول رمضان 65هـ، وقيل: مات خنقًا، وقيل: بالطاعون. (سير أعلام النبلاء، 3/ 476-479).
- 2 سير أعلام النبلاء: الذهبي (4/ 465).
- 3 رواه البخاري (6731)، ومسلم (142).
- 4 فتح المنعم شرح صحيح مسلم (3/ 199).
- 5 رواه الترمذي (2658)، وابن ماجه (236) بسند صححه الألباني.
- 6 أنساب الأشراف: البلاذري (10/ 344).
- 7 متفق عليه، رواه البخاري (3475)، ومسلم (1688).
- 8 فتح الباري: ابن حجر (12/ 96).
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً