متى ينفع المال عند الاحتضار؟ موقف عبدالعزيز بن مروان
روى الذهبي في
ترجمته لعبدالعزيز بن مروان بن الحكم(1): أن سويد بن قيس بعثه
عبدالعزيز بن مروان بألف دينار إلى ابن عمر، فجاءه بها، ففرقها ابن عمر.
وشهد ابن أبي
مليكة عبدالعزيز بن مروان عند موته يقول: «يا ليتني لم أكن شيئًا، يا ليتني كهذا
الماء الجاري».
ولما احتضر
عبدالعزيز بن مروان، أتاه من يبشره بماله الواصل في العام، وكان ثلاثمائة مدي من
ذهب، فقال: «مالي وله، لوددت أنه كان بعَرًا حائلًا بنجد»(2).
ينقل لنا هذا
الأثر مشهداً من أكثر المشاهد الإنسانية كثافة في كتب التراجم؛ رجل عاش في قلب
القوة السياسية والثراء الاقتصادي في الدولة الأموية، ثم وقف في لحظة النهاية أمام
الحقيقة التي لا يملك معها سلطاناً ولا مالاً ولا حاشية، والمقصود من قراءة هذا
الموقف ليس إصدار حكم على شخصية تاريخية بقدر ما هو تأمل في طبيعة الإنسان حين
تتغير زاوية النظر، وينكشف له ما كان مستوراً خلف مشاغل الحياة.
كان عبدالعزيز
بن مروان من كبار رجال الدولة الأموية؛ تولى إمارة مصر، وكان أخاً لخليفة وابناً
لخليفة، واجتمعت له أسباب النفوذ والتمكين، ومن هنا تزداد قيمة المشهد؛ لأن الحديث
ليس عن إنسان حُرم من الدنيا فتعلق بها، بل عن إنسان امتلك كثيراً منها ثم رأى
بعين النهاية أن الملك الحقيقي ليس فيما يجتمع حول الإنسان، وإنما فيما يقدمه بين
يدي الله.
كيف يغير الموت مفهوم عبدالعزيز بن مروان للمال؟
المشهد الأول في
الخبر يرسم صورة رجل يملك المال ويستعمله في وجوه البر والصلة؛ فقد أرسل ألف دينار
إلى عبدالله بن عمر رضي الله عنهما، ففرقها ابن عمر، وهذا التصرف يكشف جانباً من
حضور المال في حياة الصالحين؛ فالمال لم يكن مذموماً لذاته، وإنما كانت القضية في
موقعه من القلب وطريقة استخدامه.
ثم يأتي المشهد
الآخر: المال نفسه الذي كان أداة للعطاء يصبح أمام المحتضر شيئاً لا وزن له، فعندما
جاءه البشير بثلاث مائة مدي من ذهب لم يجد في نفسه فرح المنتصر، بل قال:
"مالي وله"، لقد انتقل الذهب في لحظة واحدة من كونه رمزاً للقوة
والامتلاك إلى كونه شيئاً عاجزاً عن دفع الخوف أو تأخير الأجل.
وهذا الميزان
نفسه يتكرر في موقف صهيب الرومي رضي الله عنه، حين أدرك أن المال الذي جمعه طوال
حياته لا يساوي شيئًا أمام غاية أعظم، فبذله كله في سبيل الهجرة واللحاق بالنبي صلى
الله عليه وسلم، فجاء تعليق النبي صلى الله عليه وسلم: «ربح البيع أبا يحيى»(3)
ليقرر أن قيمة المال لا تُقاس بما يبقى في اليد، وإنما بما يُقدَّم به لله، فمرة
يكون المال بابًا للعطاء، ومرة يكون تركه هو عين الربح، والعبرة في الحالين أن
يبقى المال في يد الإنسان لا في قلبه.
وهذا المعنى
يوافق ما قرره القرآن الكريم من أن الإنسان يوم القيامة يرى حقيقة ما قدمه، قال
تعالى: (يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ
{88} إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ) (الشعراء)، فليست المشكلة في وجود المال، وإنما في أن يتحول من
وسيلة إلى غاية، ومن أداة إعمار إلى حجاب عن المصير.
لماذا تتضاءل الدنيا في عين المحتضر؟
قول عبدالعزيزبن
مروان: «يا ليتني لم أكن شيئاً» أو «يا ليتني كهذا الماء الجاري» يعبر عن حالة خوف
وانكشاف نفسي شديد، فالإنسان في لحظات الضعف الكبرى لا ينظر إلى الأشياء كما كان
ينظر إليها في زمن القوة، ما كان يملأ عينه بالأمس قد يصبح صغيراً جداً عندما يقف
أمام سؤال الحساب.
وتتكرر هذه
المعاني في أخبار الصالحين؛ فقد كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه، مع عدله وفضله،
يخاف لقاء الله خوفاً عظيماً، وكان يقول: «لو أن لي طلاع الأرض ذهباً لافتديت به
من عذاب الله قبل أن أراه»(4)، وهذا ليس احتقاراً لما أنعم الله به على
الإنسان، وإنما إدراك لثقل المسؤولية المصاحبة للنعم.
ومن هنا يظهر أن
أعظم ما يغير رؤية الإنسان للدنيا ليس الفقر ولا الغنى، وإنما حضور معنى الوقوف
بين يدي الله، فقد يملك الإنسان القليل فيطمئن إذا أحسن العمل، وقد يملك الكثير
فيضيق صدره إذا شعر أن النعمة أصبحت سؤالاً لا جواب له.
نقد الذهبي لمن أخر البذل حتى الاحتضار
لم يكتف الإمام
الذهبي بنقل الموقف، بل أضاف تعليقاً تربوياً عميقاً: «فهلا يبادر ببذله»، وهذه
العبارة تفتح باباً مهماً في فقه التعامل مع النعم؛ فالندم عند فقد القدرة لا يعيد
الفرص التي مضت.
فالإنسان في وقت
الصحة والقدرة يملك مساحة واسعة للاختيار؛ ينفق، ويبني، ويصلح، وينفع، أما حين
تأتي لحظة الضعف، فقد يبقى الوعي حاضراً لكن القدرة على العمل قد تذهب.
ولهذا قال النبي
صلى الله عليه وسلم: «يتبع الميت ثلاثة: أهله وماله وعمله، فيرجع اثنان ويبقى
واحد؛ يرجع أهله وماله ويبقى عمله»(5)، فالمعيار ليس مقدار ما جمع
الإنسان، وإنما مقدار ما بقي له بعد رحيله.
وهذا المعنى
يتجسد عمليًا في موقف أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها، فقد وصفها ابنها عبدالله بن الزبير بقوله: «كانت لا تمسك شيئًا لغد»(6)؛ فكانت ترى أن النعمة ما
دامت في اليد فهي فرصة للبذل، لا مالًا يُؤجَّل إخراجه حتى تأتي ظروف قد لا تُبقي
للإنسان قدرته، وهكذا يتحول الشكر من شعورٍ بالنعمة إلى مبادرة قبل فوات القدرة،
فيكون العطاء في زمن الاستطاعة أصدق من الندم حين لا تعود الاستطاعة.
وفي واقع الناس
اليوم يظهر هذا المعنى في صور كثيرة؛ فكم من إنسان يؤجل أعمال البر حتى تأتيه ظروف
تمنعه، وكم من صاحب قدرة يؤخر الإصلاح والعطاء حتى يصبح الزمن نفسه عائقاً، إن
قيمة الفرصة أنها موجودة الآن، لا أنها كانت موجودة في الماضي.
كيف يستثمر القائد نفوذه قبل زواله؟
يحمل موقف
عبدالعزيز بن مروان درساً خاصاً لأهل القيادة والإدارة؛ فالقائد لا يُقاس فقط بما
يملكه من موارد، بل بقدرته على توجيه هذه الموارد في الوقت المناسب.
لقد كان
عبدالعزيز أميراً يملك القرار، وكان يستطيع أن يحول الثروة إلى مشاريع نافعة
وأعمال باقية، ولذلك جاء تعليق الذهبي ليضع قاعدة قيادية: لا تؤجل استخدام القوة
حتى تفقدها.
وهذا المبدأ لا
يتعلق بالأموال فقط، بل بكل أشكال النفوذ؛ المنصب، والعلاقات، والعلم، والوقت،
والصحة، فكل نعمة لا تتحول إلى أثر نافع قد تتحول بعد زوال القدرة إلى حسرة.
ومن أوضح صور
استثمار السلطة في وقتها موقف أبي بكر الصديق رضي الله عنه حين عزم على قتال مانعي
الزكاة، مع معارضة بعض الصحابة له في بداية الأمر، فلم يتردد حين رأى أن التراجع
يهدد أصلًا من أصول الدين، وقال بحزم: «والله لأقاتلن من فرّق بين الصلاة والزكاة»(7)،
فالقائد لا تكون قيمة قراره في امتلاكه سلطة التنفيذ فحسب، وإنما في شجاعته على
استخدامها حين تدعو الحاجة؛ إذ إن تأخير القرار الصحيح قد يجعل ثمنه أكبر، بينما
قد يحفظ الحزم في وقته دينًا أو جماعة أو مصلحة لا يمكن تعويضها بعد فواتها.
وفي المؤسسات
والمجتمعات المعاصرة، يظهر الفرق بين قائد يبني أثراً مستداماً وقائد يكتفي بتراكم
الأرقام؛ فالأرقام تنتهي، أما الإنسان الذي نفع الناس وبنى الخير فيبقى أثره بعد
غيابه.
لماذا لا تدل كثرة الأموال على الفلاح؟
يمثل مجيء
البشير بالخبر السعيد عن الذهب صورة من صور التصور الاجتماعي للنجاح؛ فالناس
غالباً يرون زيادة الممتلكات علامة كافية على الفلاح.
لكن الموقف يكشف
أن هناك فرقاً بين قيمة الشيء في أعين الناس وقيمته عند الحقيقة الكبرى، فالمال
الذي يرفع صاحبه في مجالس الدنيا قد لا يكون له أثر إذا لم يتحول إلى عمل صالح.
وقد عبّر سعيد
بن المسيب رحمه الله عن هذا التصحيح لميزان الناس بقوله: «إن الدنيا نذالة هي إلى
كل نذل أميل، وأنذل منها من أخذها بغير حقها، وطلبها بغير وجهها ووضعها في غير
سبلها»(8)؛ فالمال لا يرفع صاحبه بمجرد كثرته، وإنما ترفعه طريقة
تحصيله وموقعه من حياته ووجوه إنفاقه، ثم يرتقي بالمعنى إلى أن يجعل الغنى الحقيقي
متعلقًا بالله، فيقول: «من استغنى بالله افتقر إليه الناس»(9)؛ فحين
يستغني القلب بالله، لا يعود المال مصدر قيمته، بل يصبح في يده وسيلةً يستعملها
فيما ينفع.
وهذا لا يعني
رفض أسباب القوة أو الدعوة إلى ترك عمارة الدنيا، بل يعني إعادة ترتيب الأولويات؛
فالمال الصالح نعمة، لكنه يحتاج إلى قلب يعرف لماذا أُعطي، وكيف يستخدمه.
دلالة رمزية الماء الجاري وقصر الكفن
في كلمات
عبدالعزيز إشارات بلاغية مؤثرة؛ فتمنيه أن يكون ماءً جارياً يحمل صورة الخفة
والانسياب وعدم حمل الأثقال، والماء في الثقافة العربية رمز للحياة والنقاء
والاستمرار.
أما قوله للكفن:
«أف لك ما أقصر طويلك وأقل كثيرك!»، ففيه صورة بليغة لاجتماع الإنسان مع الحقيقة
التي طالما غابت عنه؛ فالعمر الذي بدا طويلاً صار قصيراً، والمال الذي بدا كثيراً
صار قليلاً.
والعبارة نفسها
تتردد عند الحسن البصري في صورة أكثر اختصارًا، لكنها تؤدي المعنى ذاته بوقعٍ
شديد: «بئس الرفيقان الدرهم والدينار، لا ينفعانك حتى يفارقانك»(10)، فالقيمة
ليست في كثرة ما يصاحب الإنسان من مال، وإنما فيما يخرجه من يده فيتحول إلى عملٍ
يبقى له بعد مفارقته، وهكذا يجتمع عندهما قِصر العبارة وقوة الصورة؛ فالمال يبدو
رفيقًا في الدنيا، ثم تنكشف حقيقته عند الرحيل.
وهنا تكمن قوة
البيان في النصوص التراثية؛ فهي لا تقدم مجرد أخبار، بل تصنع مشهداً يجعل القارئ
يرى المعنى ويتفاعل معه.
تكشف قصة
عبدالعزيز بن مروان أن أعظم اختبار للنعم ليس امتلاكها، بل معرفة وظيفتها، فالمال
قد يكون طريقاً إلى النجاة إذا سبق الإنسان به إلى الخير، وقد يصبح عبئاً إذا بقي
محبوساً في خزائن الدنيا.
وليس المقصود أن
يهرب الإنسان من أسباب القوة، وإنما أن يحرر قلبه من عبوديتها، فالقيمة الحقيقية
ليست فيما يملكه الإنسان عند الناس، بل فيما يقدمه حين يقف وحده أمام ربه.
إن رسالة هذا الموقف أن زمن القدرة هو زمن العمل، وأن الفرص التي بين أيدينا اليوم هي الرصيد الذي لا ينبغي تأجيل استثماره حتى يأتي يوم لا يبقى فيه إلا الندم.
الهوامش
- 1 عبدالعزيز بن مروان بن الحكم، أمير مصر، أبو الأصبغ المدني، ولي العهد بعد عبدالملك عقد له بذلك أبوه، واستقل بملك مصر 20 سنة وزيادة.
- 2 سير أعلام النبلاء، ج4، ص250.
- 3 اللؤلؤ المكنون في سيرة النبي المأمون (2 – 4)، موسى العازمي، ج2، ص73-74.
- 4 فتح الباري شرح صحيح البخاري، ج7، ص63.
- 5 رواه البخاري، ومسلم.
- 6 صفة الصفوة، ج2، ص59.
- 7 شذرات الذهب في أخبار من ذهب، ج1، ص151.
- 8 صفة الصفوة، ج2، ص81.
- 9 المرجع السابق ج2، ص81.
- 10 حلية الأولياء وطبقات الأصفياء، ج2، ص35.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً