حين تكون الآيات القرآنية أجوبة عن أسئلة الناس..
كيف يكون القرآن منهجاً للفهم؟ موقف عبد الرحمن بن أبي ليلى
أورد الذهبي عن
ثَابِت البُنَانِيّ قَالَ: كُنَّا إِذَا قَعَدْنَا إِلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ
أَبِي لَيْلَى، قَالَ لِرَجُلٍ: «اقْرَأِ القُرْآنَ فَإِنَّهُ يَدُلُّنِي عَلَى
مَا تُرِيْدُوْنَ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِي كَذَا وَهَذِهِ الآيَةُ فِي كَذَا»(1).
يمثل هذا الموقف
القصير مشهداً كثيف الدلالة من حياة علماء التابعين؛ إذ يكشف عن طريقة في التعليم
تتجاوز مجرد الإجابة عن الأسئلة إلى بناء طريقة تفكير كاملة، فقد كان عبد الرحمن بن أبي ليلى من كبار التابعين بالكوفة، في بيئة علمية نشطة شهدت حركة واسعة في
الفقه والتفسير والرواية، وكان مجلس العالم فيها ميداناً لصناعة الفهم لا مجرد نقل
المعلومات.
والذي يظهر من
هذا الأثر أن عبد الرحمن بن أبي ليلى لم يكن يتعامل مع أسئلة أصحابه بوصفها قضايا منفصلة
تحتاج إلى أجوبة متفرقة، بل كان يردها إلى أصل جامع؛ كتاب الله تعالى، فهو لا يقدم
نفسه بوصفه مركز المعرفة، وإنما يجعل القرآن هو المرجع الأول الذي تهتدي به العقول.
كيف يضبط القرآن الكريم أصول التفكير؟
تكمن عبقرية
الموقف في قوله: «فإنه يدلني على ما تريدون»، فهذه العبارة القصيرة تحمل تصوراً
عميقاً لطبيعة العلم؛ فالقرآن عند العلماء ليس نصاً للعبادة وحدها، بل كتاب هداية
يحمل أصول النظر في الإنسان والحياة والقيم والمصالح.
قال الله تعالى:
(وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ
الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى
لِلْمُسْلِمِينَ) (النحل: 89)، وقال سبحانه: (إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ)
(الإسراء: 9)، وليس معنى ذلك أن كل تفاصيل الحوادث مذكورة بأسمائها، وإنما
أن القرآن يضع الأصول والمعاني الكبرى التي تهدي العقل في فهم الواقع.
وقد ربى الإسلام
أتباعه على الرجوع إلى القرآن الكريم أولا، فهو كلام الله الذي تنصلح به الحياة،
ويخرج الناس به من الظلمات إلى النور، قال تعالى: (وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ {41} لَا
يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ
حَكِيمٍ حَمِيدٍ) (فصلت)، وقال أيضاً: (كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ
الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ
الْحَمِيدِ) (إبراهيم: 1).
وفي السُّنة
النبوية الشريفة تأكيد على تربية النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه على الرجوع إلى كتاب الله أولا، فعن أناسٍ من أهل حمصَ من أصحابِ معاذ بن جبل، أن رسولَ الله
صلَّى الله عليه وسلم لما أراد أن يَبعَثَ معاذاً إلى اليمن، قال: «كيف تَقضِي إذا
عَرَضَ لكَ قَضاء؟»، قال: أقضي بكتابِ الله، قال: «فإن لم تَجِدْ في كتاب الله؟»،
قال: فبسُنةِ رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلم، قال: «فإن لم تجد في سُنة رسولِ
الله صلَّى الله عليه وسلم ولا في كتابِ الله؟»، قال: أجْتَهِدُ رأيِ ولا آلُو،
فضربَ رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلم صَدْرَهُ وقال: «الحمدُ لله الذي وَفَّق رسولَ
رسولِ الله لما يَرضَى رسولُ الله»(2).
ففي القرآن
الكريم الهداية الكاملة التي تجمع الأمة على كل خير، وقد قال سيدنا عمر بن الخطاب
رضي الله عنه: أيها الناس: «إِنَّ اللَّهَ قَدْ أبقى فيكم كتابه الّذي هدى به
رسول الله فَإِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ هَدَاكُمُ اللَّهُ لِمَا كَانَ هداه الله
لَهُ»(3).
ومن هنا يظهر أن
العالم الراسخ لا يغرق الناس في الجزئيات والفروع قبل أن يربطهم بالكليات والأصول،
لأن المعرفة إذا انفصلت عن أصولها تحولت إلى معلومات كثيرة بلا بوصلة.
كيف بنى عبد الرحمن بن أبي ليلى بيئة التعلم قبل الإجابة؟
كان من الممكن
أن يبدأ عبد الرحمن بن أبي ليلى في استقبال الأسئلة واحداً بعد الآخر، لكنه اختار أن يعيد
تشكيل المجلس نفسه، فطلب من أحد الحاضرين أن يقرأ القرآن، ثم صار يستخرج لهم ما
يريدون من خلال الآيات.
هذا السلوك يكشف
عن فقه تربوي دقيق؛ فالمعلم الناجح لا يكتفي بإعطاء المعلومة، بل يبني الحالة التي
تجعل المعلومة نافعة، فقبل أن يجيب عن السؤال، يهيئ النفوس للرجوع إلى المصدر
الصحيح.
والناظر في حال
النبي صلى الله عليه وسلم حين كان يتلقى الوحي يجد أنه كان يتهيأ لذلك، فيضبط
مجلسه وينقطع عمن حوله، فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما، قَالَ: كان رسول
الله صلى الله عليه وسلم إذا أُنزل عليه الوحي تَرَبَّدَ لذلك جسده ووجهه، وأمسك
عن أصحابه، ولم يُكلمه أحد منهم(4)، وهذا يؤكد ضرورة ضبط المجلس العلمي
وتهيئته قبل البدء في التلقي.
ويدل على هذا
أيضاً ما جاء في حديث جبريل عليه السلام، حيث روى مسلم عن عُمَر بْن الْخَطَّابِ
رضي الله عنه قَالَ: «بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ إِذْ طَلَعَ عَلَيْنَا رَجُلٌ شَدِيدُ بَيَاضِ
الثِّيَابِ، شَدِيدُ سَوَادِ الشَّعَرِ، لَا يُرَى عَلَيْهِ أَثَرُ السَّفَرِ،
وَلَا يَعْرِفُهُ مِنَّا أَحَدٌ، حَتَّى جَلَسَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَسْنَدَ رُكْبَتَيْهِ إِلَى رُكْبَتَيْهِ، وَوَضَعَ
كَفَّيْهِ عَلَى فَخِذَيْهِ، وَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، أَخْبِرْنِي عَنِ
الْإِسْلَامِ»(5).
قال الملا علي
القاري: وإنما جلس هكذا لأن الجلوس على الركبة أقرب إلى التواضع، والأدب، وإيصال
الركبة بالركبة أبلغ من الإصغاء، وأتم من حصول حضور القلب، وأكمل في الاستئناس،
وألزم لمسارعة الجواب، ولأن الجلوس على هذه الهيئة يدل على شدة حاجة السائل، وإذا
عرف المسؤول حاجته، وحرصه اعتنى، وبادر إليه(6).
وهذا كله إعداد
وتهيئة لمجلس العلم، بل إن الإمام النسائي روى هذا الحديث بزيادة حسنة، حيث قال:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي ذَرٍّ قَالَا: كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَجْلِسُ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ أَصْحَابِهِ، فَيَجِيءُ
الْغَرِيبُ فَلَا يَدْرِي أَيُّهُمْ هُوَ، حَتَّى يَسْأَلَ، فَطَلَبْنَا إِلَى
رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ نَجْعَلَ لَهُ مَجْلِسًا يَعْرِفُهُ
الْغَرِيبُ إِذَا أَتَاهُ، فَبَنَيْنَا لَهُ دُكَّانًا مِنْ طِينٍ كَانَ يَجْلِسُ
عَلَيْهِ، وَإِنَّا لَجُلُوسٌ وَرَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
فِي مَجْلِسِهِ، إِذْ أَقْبَلَ رَجُلٌ أَحْسَنُ النَّاسِ وَجْهًا وَأَطْيَبُ
النَّاسِ رِيحًا، كَأَنَّ ثِيَابَهُ لَمْ يَمَسَّهَا دَنَسٌ، حَتَّى سَلَّمَ فِي
طَرَفِ الْبِسَاطِ، فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا مُحَمَّدُ، فَرَدَّ عَلَيْهِ
السَّلَامَ، قَالَ: أَدْنُو يَا مُحَمَّدُ؟ قَالَ: «ادْنُهْ»، فَمَا زَالَ
يَقُولُ: أَدْنُو، مِرَارًا، وَيَقُولُ لَهُ: «ادْنُ»، حَتَّى وَضَعَ يَدَهُ عَلَى
رُكْبَتَيْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: يَا مُحَمَّدُ،
أَخْبِرْنِي مَا الْإِسْلَامُ؟(7)؛ فهذه كلها مظاهر للتأكيد على حسن
الاستعداد وضبط النفس والتهيئة لمجلس العلم.
وفي واقع
التعليم المعاصر تظهر الحاجة إلى هذا المنهج؛ فكثرة الأسئلة والمعلومات لا تعني
بالضرورة وجود فهم، وقد يحتاج الطالب أو المتلقي أحياناً إلى إعادة ترتيب مصادر
المعرفة قبل زيادة حجمها.
لماذا يتوارى العالم ليبقى النص القرآني هو المرجعية؟
في هذا الموقف
صورة من صور ضبط النفس العلمي، فالعالم قد يجد في كثرة الأسئلة فرصة لإظهار سعة
اطلاعه أو ثبات موقفه، لكن عبد الرحمن بن أبي ليلى وجّه الانتباه بعيداً عن شخصه
إلى القرآن الكريم.
ويلتقي هذا مع
ما فعله سيدنا أبو بكر الصديق رضي الله عنه عند وفاة النبي صلى الله عليه وسلم،
حيث خرج عمر بن الخطاب رضي الله عنه يكلم الناس ويحذرهم من الكلام عن موت رسول
الله صلى الله عليه وسلم، فخرج أبو بكر وقال: عَلَى رِسْلِكَ يَا عُمَرُ،
أَنْصِتْ، فَأَبَى إلَّا أَنْ يَتَكَلَّمَ، فَلَمَّا رَآهُ أَبُو بَكْرٍ لَا
يَنْصِتُ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ، فَلَمَّا سَمِعَ النَّاسُ كَلَامَهُ أَقْبَلُوا
عَلَيْهِ وَتَرَكُوا عُمَرَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ:
أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّهُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ مُحَمَّدًا فَإِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ
مَاتَ، وَمَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ، قَالَ:
ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ: (وَمَا
مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ
أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى
عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ) (آل
عمران: 144).
قَالَ أَبُو
هُرَيْرَةَ: فو الله لَكَأَنَّ النَّاسُ لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ
نَزَلَتْ حَتَّى تَلَاهَا أَبُو بَكْرٍ يَوْمئِذٍ، قَالَ: وَأَخَذَهَا النَّاسُ
عَنْ أَبِي بَكْرٍ، فَإِنَّمَا هِيَ فِي أَفْوَاهِهِمْ، قَالَ عُمَرُ: وَاَللَّهِ
مَا هُوَ إلَّا أَنْ سَمِعْتُ أَبَا بَكْرٍ تَلَاهَا، فَعَقِرْتُ حَتَّى وَقَعْتُ
إلَى الْأَرْضِ مَا تَحْمِلُنِي رِجْلَايَ، وَعَرَفْتُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ مَاتَ»(8).
فقد قام الصديق
رضي الله عنه بضبط الوعي الجماعي للأمة بأصل القرآن الكريم، حيث أعادهم إليه حين
قرأه عليهم، وهذا من علامات الرسوخ؛ فكلما ازداد العالم علماً ازداد إدراكاً بأن
وظيفته ليست أن يكون بديلاً عن الوحي، وإنما أن يكون دالاً عليه ومبيناً لمعانيه.
وقد كان هذا
المعنى ظاهراً في منهج السلف؛ إذ كانوا يعظمون النص الشرعي، ويخشون القول بغير
علم، ويجعلون العلم عبادة ومسؤولية قبل أن يكون مكانة اجتماعية، فعن عون بن عبد
الله، قال: قالَ لي عبدالله بن مسعود رضي الله عنه: «ليس العلم بكثرة الرواية،
ولكن العلم الخشية»(9).
كيف يتحول تحصيل العلم إلى قوة موجهة للسلوك؟
لم يكن أثر هذا
الأسلوب مقتصراً على أفراد المجلس، بل كان يصنع ثقافة جماعية، فعندما يتعود الطلاب
أن يبحثوا عن الجواب في أصول الكتاب والسنة، فإنهم يكتسبون ملكة في التفكير لا
مجرد أجوبة محفوظة.
وهنا يظهر البعد
الحضاري في المنهج؛ فالأمم لا تبنى بكثرة المعلومات فقط، وإنما تبنى بطريقة
التعامل مع المعرفة، والمجتمع الذي يتعلم الرجوع إلى الأصول يكون أقل عرضة
للاضطراب أمام كثرة الآراء وتغير الأحداث.
ولم يكن العلماء
ينظرون إلى العلم على أنه غاية معرفية مجردة، وإنما جعلوا من ثمرته العمل
والانتفاع وإصلاح الواقع؛ فقد قال سيدنا عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رضي الله عنه:
«يَا حَمَلَةَ الْعِلْمِ، اعْمَلُوا بِهِ، فَإِنَّمَا الْعَالِمُ مَنْ عَمِلَ
بِمَا عَلِمَ، وَوَافَقَ عَمَلُهُ عِلْمَهُ»(10).
وقال سيدنا
أُبَيّ بن كعب رضي الله عنه: «تَعَلَّمُوا الْعِلْمَ وَاعْمَلُوا بِهِ، وَلَا
تَتَعَلَّمُوهُ لِتَتَجَمَّلُوا بِهِ»(11)، وقال الشعبي: «كُنَّا
نَسْتَعِينُ عَلَى حِفْظِ الْحَدِيثِ بِالْعَمَلِ بِهِ»(12)، وتكشف هذه
النصوص عن تصور للعلم يتجاوز حدود التحصيل النظري إلى التفعيل والممارسة؛ فالعلم
في التصور الإسلامي قوة موجهة للسلوك، وأداة لمعالجة النوازل، وإصلاح أحوال الناس،
وتحقيق النفع في الحياة العامة، ومن ثم فإن توظيف العلم في واقع المجتمع يمثل أحد
المؤشرات المهمة على حيوية المعرفة وقدرتها على الإسهام في البناء الحضاري.
كيف تسهم أسباب النزول في فهم القرآن وحسن التعامل مع الواقع؟
قول ابن أبي
ليلى: «نزلت هذه الآية في كذا» يشير إلى أهمية معرفة سياق القرآن وأسباب النزول في
فهم المعاني، فالآية لا تُقرأ مجردة عن سياقها، بل تُفهم ضمن الهداية التي نزلت
لتحقيقها.
وقد اعتنى علماء
التفسير بهذا الجانب، لأن معرفة أسباب النزول تعين على إدراك المعنى وتمنع من
إساءة الفهم أو تنزيل النص في غير موضعه.
قال الواحدي في
بيان أهمية معرفة أسباب النزول: هِيَ أَوْفَى مَا يَجِبُ الْوُقُوفُ عَلَيْهَا،
وَأَوْلَى مَا تُصْرَفُ الْعِنَايَةُ إِلَيْهَا، لِامْتِنَاعِ مَعْرِفَةِ
تَفْسِيرِ الْآيَةِ وَقَصْدِ سَبِيلِهَا، دُونَ الْوُقُوفِ عَلَى قِصَّتِهَا وَبَيَانِ
نُزُولِهَا(13).
وقال ابن تيمية:
وَمَعْرِفَةُ سَبَبِ النُّزُولِ يُعِينُ عَلَى فَهْمِ الْآيَةِ فَإِنَّ الْعِلْمَ
بِالسَّبَبِ يُورِثُ الْعِلْمَ بِالْمُسَبِّبِ(14).
وَقَالَ ابْنُ
دَقِيقٍ الْعِيدُ: بَيَانُ سَبَبِ النُّزُولِ طَرِيقٌ قَوِيٌّ فِي فَهْمِ مَعَانِي
الْقُرْآنِ(15).
ومن هنا، فإن
المنهج القرآني يجمع بين ثبات النص وفهم الواقع؛ فالنص محفوظ، لكن تنزيله يحتاج
إلى علم وبصيرة.
كيف تجمع عبارة واحدة بين التواضع والثقة؟
ليست قوة
العبارة في طولها، بل في قدرتها على اختزال معنى واسع، فقوله: «يدلني على ما
تريدون» يجمع بين التواضع والثقة؛ فهو واثق من هداية القرآن، لكنه لا يجعل ذاته
محور الحديث.
وهذه من جماليات
خطاب العلماء الربانيين؛ كلمات قليلة تحمل وراءها تصوراً كاملاً عن العلم
والمرجعية ودور الإنسان في تلقي الهداية.
استثمار الهداية القرآنية في حل مشكلات الواقع
يمكن استلهام
هذا الموقف في الأسرة حين لا تكون التربية مجرد أوامر ونواهٍ، بل ربطاً بالمبادئ
والقيم، ويظهر في التعليم حين لا يكون الهدف تخزين المعلومات، بل بناء القدرة على
الفهم، ويظهر في الدعوة حين يكون الداعية دالاً على الحق لا طالباً للظهور.
كما يظهر في
بيئات العمل والقيادة؛ فالقائد الذي يربط فريقه بالأصول الواضحة يقلل الاضطراب،
ويجعل القرارات مبنية على معايير ثابتة لا على ردود الفعل.
إن موقف عبدالرحمن
بن أبي ليلى يذكرنا بأن أعظم ما يقدمه العالم للناس ليس كثرة الإجابات فقط، بل
تعليمهم الطريق الذي يصلون به إلى الإجابة.
ويبقى هذا الأثر الصغير من مجلس تابعي كبير شاهداً على منهج عظيم؛ أن القرآن ليس كتاباً يُتلى فقط، بل مرجعية تهدي العقل وتضبط السلوك وتبني الإنسان، فقد استطاع عبد الرحمن بن أبي ليلى أن يحول سؤال الحاضرين من طلب معلومة عابرة إلى رحلة بحث في كلام الله، فكان معلماً يربي على المنهج قبل أن يلقن الحكم، وعالماً يجعل العلم طريقاً إلى الهداية لا وسيلة إلى التميز.
الهوامش
- 1 سير أعلام النبلاء (5/ 150).
- 2 سنن أبي داود (3592).
- 3 البداية والنهاية (5/ 248).
- 4 مسند أبي داود الطيالسي (4/ 389/ 2789).
- 5 صحيح مسلم (8).
- 6 مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (1/ 52).
- 7 سنن النسائي (4991).
- 8 سيرة ابن هشام (2/ 656).
- 9 حلية الأولياء وطبقات الأصفياء (1/ 131).
- 10 الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع: الخطيب البغدادي (1/ 89).
- 11 جامع بيان العلم وفضله (1/ 693).
- 12 اقتضاء العلم العمل: الخطيب البغدادي، ص 90.
- 13 أسباب النزول: الواحدي، ص 8.
- 14 مجموع الفتاوى: ابن تيمية (13/ 339).
- 15 الإتقان في علوم القرآن: السيوطي (1/ 108).
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً