من السمت إلى التأثير

هيبة العلماء فوق المنصب.. مجلس عبد الرحمن بن أبي ليلى

رسم توضيحي يعكس وقار العلم ومجلس عبد الرحمن بن أبي ليلى

أورد الذهبي عن مُحَمَّد بن سِيْرِيْنَ قَالَ: جَلَسْتُ إِلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ أَبِي لَيْلَى(1) وَأَصْحَابُهُ يُعَظِّمُوْنَهُ، كَأَنَّهُ أَمِيْرٌ.، وَعَنْ عَبْدِاللهِ بنِ الحَارِثِ: أَنَّهُ اجْتَمَعَ بِابْنِ أَبِي لَيْلَى، فَقَالَ: مَا شَعَرْتُ أَنَّ النِّسَاءَ وَلَدْنَ مِثْلَ هَذَا(2).

يمثل هذا المشهد القصير نافذة واسعة على عالم التابعين؛ عالم لم تكن فيه المكانة تُقاس بالمنصب السياسي أو القرب من السلطان فقط، بل كانت للعلماء سلطة أخرى تنبع من الثقة والديانة والتمكن، فعبد الرحمن بن أبي ليلى من كبار التابعين الذين عاشوا في الكوفة، ذلك المركز العلمي الذي احتضن طبقات من الفقهاء والمحدثين، وشهد في الوقت نفسه تحولات سياسية وفكرية عميقة.

والنص لا يصف مجرد مجلس عالم، بل يرسم صورة لنوع من القيادة التي لا تحتاج إلى أمر أو نهي، وإنما تنشأ من حضور الشخصية واستقامة السيرة، فعبارة ابن سيرين: «كأنه أمير» تكشف عن انتقال صفات الهيبة من المجال السياسي إلى المجال العلمي؛ إذ يصبح العالم صاحب تأثير لا بسبب سلطة مفروضة، وإنما بسبب مكانة اكتسبها بالعلم والخلق.

أثر المرجعية الأخلاقية في بناء الشخصية العلمية

كانت الكوفة في عصر التابعين بيئة علمية استثنائية؛ اجتمع فيها عدد كبير من الصحابة والتابعين، ونشأت فيها مدارس الفقه والرواية، وفي مثل هذا الوسط لم يكن العالم مجرد ناقل للمعلومات، بل كان يمثل مرجعية اجتماعية وأخلاقية.

نشأ عبد الرحمن بن أبي ليلى في هذا المناخ، وتلقى العلم عن عدد من الصحابة، فاجتمع له شرف التلقي وقوة التكوين، ولهذا فإن الهيبة التي رآها ابن سيرين في مجلسه لم تكن نتيجة مظهر خارجي مصطنع، وإنما ثمرة رحلة طويلة من العلم والملازمة والتجربة.

ومن هنا يظهر أن المجتمعات لا تصنع العلماء المؤثرين بكثرة المعلومات وحدها، بل تصنعهم عندما يتحول العلم في صاحبه إلى سلوك وشخصية وحضور، فالعالم الذي يحمل أثر العلم في منطقه وسمته يكون أكثر قدرة على بناء الثقة من العالم الذي يملك المعرفة دون أن تتحول إلى أثر ظاهر، فعَنِ الْحَسَنِ البصري قَالَ: قَدْ كَانَ الرَّجُلُ يَطْلُبُ الْعِلْمَ فَلَا يَلْبَثُ ‌أَنْ ‌يَرَى ‌ذَلِكَ ‌فِي ‌تَخَشُّعِهِ وَهَدْيِهِ وَفِي لِسَانِهِ وَبَصَرِهِ وَبِرِّهِ(3).

كيف تصنع السلطة المعنوية تأثيراً يتجاوز المنصب؟

قول ابن سيرين: «وأصحابه يعظمونه كأنه أمير» يحمل معنى دقيقًا؛ فالتشبيه ليس في أدوات السلطة، وإنما في أثرها، فالأمير يلتزم الناس أمره بحكم المنصب، أما العالم فيلتف الناس حوله بحكم الاقتناع والمحبة.

وهذا النوع من التأثير هو ما يمكن تسميته بالسلطة المعنوية؛ وهي قدرة الإنسان على توجيه الآخرين دون إكراه، وقد أشار القرآن إلى رفعة أهل العلم بقوله تعالى: (يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ) (المجادلة: 11).

فالرفعة هنا ليست مجرد لقب اجتماعي، بل منزلة يترتب عليها أثر في النفوس، وكلما ازداد العالم قربًا من معاني العلم من تواضع وورع وبصيرة، ازداد احترام الناس له دون حاجة إلى صناعة صورة مصطنعة.

فعن الْأَصْمَعِيّ، قَالَ: سَمِعْتُ شُعْبَةَ، يَقُولُ: كُنْتُ إِذَا ‌سَمِعْتُ ‌مِنَ ‌الرَّجُلِ ‌الْحَدِيثَ، كُنْتُ لَهُ عَبْدًا مَا حَيِيَ، فَكُلَّمَا لَقِيتُهُ سَأَلْتُهُ عَنْهُ(4).

ومن الأمثلة الحيّة في امتلاك العالم هيبة وسلطة معنوية ما كان لعلي بن عبد الله بن العباس رحمه الله، فعن هشام بن سليمان المخزومي قال: «إن علي بن عبد الله كان إذا قدم مكة حاجاً أو معتمراً عطلت قريش مجالسها في المسجد الحرام وهجرت مواضع حلقها ‌ولزمت ‌مجلسه ‌إعظاماً وإجلالاً وتبجيلاً له، فإن قعد قعدوا وإن نهض نهضوا وإن مشى مشوا جميعاً حوله، ولا يزالون كذلك حتى يخرج من الحرم»(5).

وفي واقع المؤسسات اليوم، يظهر هذا المعنى في القائد الذي يحظى باحترام فريقه لا بسبب منصبه فقط، بل بسبب عدله وكفاءته وثباته، فالمنصب يمنح صلاحية، أما الشخصية فتصنع التأثير.

لماذا تنشأ الهيبة الصادقة من الاتزان الداخلي؟

لم تكن هيبة عبد الرحمن بن أبي ليلى -كما يصورها الخبر- قائمة على التخويف أو التعالي، وإنما على اتزان داخلي انعكس على مجلسه، فالإنسان الذي يملك وضوح الرسالة وعمق الصلة بما يحمل من علم يكون أكثر قدرة على الحضور الهادئ.

وهذا المعنى قريب من الهدي النبوي في وصف مجلس النبي صلى الله عليه وسلم؛ فقد كان الصحابة يعظمونه ويوقرونه، لا خوفًا مجردًا، بل محبة وإجلالًا لما اجتمع فيه من النبوة والخلق والرحمة، ومما يدل على هيبة النبي صلى الله عليه وسلم ومكانه بين أصحابه ما ثبت عن عمرو بن العاص رضي الله عنه قال: «وَمَا كَانَ أَحَدٌ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَا أَجَلَّ فِي عَيْنِي مِنْهُ، ‌وَمَا ‌كُنْتُ ‌أُطِيقُ ‌أَنْ ‌أَمْلَأَ ‌عَيْنَيَّ مِنْهُ إِجْلَالًا لَهُ، وَلَوْ سُئِلْتُ أَنْ أَصِفَهُ مَا أَطَقْتُ لِأَنِّي لَمْ أَكُنْ أَمْلَأُ عَيْنَيَّ مِنْهُ»(6).

ولهذا كان العلماء الربانيون يجمعون بين قوة الشخصية ولين الجانب، وبين رفعة المقام وقرب التعامل، فعن جعفر بن سليمان، قال: سمعت مالك بن دينار، يقول: من تعلم العلم ‌للعمل ‌كسره ‌علمه، ومن طلبه لغير العمل زاده فخراً(7)، وعن أنس بن مَالك رضي الله عنه قال: «الْعَالم إِذا أَرَادَ بِعِلْمِهِ وَجه الله عز وَجل ‌هابه ‌كل ‌شَيْء وَإِذا أَرَادَ بِعِلْمِهِ أَن يكنز بِهِ الْكُنُوز هاب من كل شَيْء»(8)، فالهيبة المحمودة تختلف عن الكِبر؛ لأن الكبر يطلب تعظيم النفس، أما الوقار فينشأ من تعظيم الحق الذي يحمله الإنسان.

وفي التربية المعاصرة، يحتاج المعلم والمربي إلى هذا التوازن؛ فلا تتحول العلاقة إلى ابتذال يسقط قيمة القدوة، ولا إلى جفاء يمنع الانتفاع، فالهيبة النافعة هي التي تفتح باب الاقتداء، لا التي تغلق باب التواصل.

كيف تجاوز أثر عبد الرحمن بن أبي ليلى حدود حلقة العلم؟

شهادة عبدالله بن الحارث في حق عبد الرحمن بن أبي ليلى: «ما شعرت أن النساء ولدن مثل هذا» تعكس انطباعًا قويًا عن تفرد الشخصية، ومثل هذه العبارات في كتب التراجم لا يقصد بها مجرد الإعجاب، بل الإشارة إلى اجتماع خصال قلّ أن تجتمع في شخص واحد.

فالعالم المؤثر لا يُقاس فقط بعدد من أخذ عنه، بل بقدرته على تشكيل البيئة المحيطة به، ويظهر هذا في أثر مصعب بن عمير رضي الله عنه حين بعثه النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة المنورة ليعلم أهلها القرآن والدين، فلم يبق دار من دور الأنصار إلا ودخلها الإسلام بأدبه وسمته وعلمه قبل سيفه، فتجاوز أثره مجرد حلقة العلم ليصل إلى تشكيل المجتمع بأكمله، حَتَّى لَمْ تَبْقَ ‌دَارٌ ‌مِنْ ‌دُورِ ‌الْأَنْصَارِ إلَّا وَفِيهَا رِجَالٌ وَنِسَاءٌ مُسْلِمُونَ(9).

فمجلس العلم ليس مكانًا لنقل الأحكام فقط، وإنما مساحة لبناء الإنسان: في الأدب، والانضباط، واحترام المعرفة، وتعظيم القيم، ولهذا كانت مجالس العلماء عبر التاريخ مدارس للسلوك قبل أن تكون حلقات للمعلومات، فقد كان الطالب يتعلم من هيئة شيخه كما يتعلم من كلامه، ويرى في حياته اليومية تفسيرًا عمليًا لما يسمعه من النصوص، وفي هذا قال الإمام مالك بن أنس: كانت أمي تعممني وتقول لي: اذهب إلى ربيعة فتعلم من ‌أدبه ‌قبل ‌علمه(10).

ومن هنا، فإن أزمة بعض البيئات التعليمية والدعوية المعاصرة ليست دائمًا في نقص المادة العلمية، بل أحيانًا في غياب النموذج الذي يجسد العلم في شخصيته.

كيف يسبق بناء الذات التأثير في القيادة؟

يكشف هذا الموقف عن قاعدة مهمة في القيادة؛ أن النفوذ الحقيقي يبدأ من بناء الإنسان لنفسه قبل محاولته التأثير في غيره، فعبدالرحمن بن أبي ليلى لم يُذكر هنا لأنه طلب الهيبة، وإنما لأن الهيبة جاءت نتيجة اجتماع عناصر متعددة: العلم، والسمت، والاستقامة، وحسن الحضور، فالعلم هو السبيل إلى الحكمة وحسن القيادة، ولهذا فقد بوّب البخاري في صحيحه بابا بعنوان: ‌‌بَابُ الِاغْتِبَاطِ فِي الْعِلْمِ وَالْحِكْمَةِ، ثم أعقبه بقول سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «‌تَفَقَّهُوا ‌قَبْلَ ‌أَنْ ‌تُسَوَّدُوا»(11).

وهذه القاعدة تمتد إلى مجالات الحياة المختلفة؛ ففي الأسرة، يحتاج الأب إلى قدوة قبل الأوامر، وفي التعليم يحتاج المعلم إلى شخصية قبل المنهج، وفي العمل يحتاج المدير إلى الثقة قبل التعليمات.

إن الناس قد يطيعون القرار، لكنهم يتبعون الشخصية، وقد يلتزمون النظام، لكنهم يتأثرون بالنموذج.

سر التعبير عن سلطة المعرفة بلغة الإمارة

من أجمل ما في العبارة التراثية أنها تختصر مشهدًا كاملًا بكلمات قليلة: «كأنه أمير»، فالصورة البلاغية تنقل القارئ إلى مجلس يرى فيه الناس عالمًا تحيط به الهيبة، لكن مصدرها ليس الحرس ولا السلطان، بل العلم.

ومن ذلك ما أورده ابن كثير في وصف الصحابة والتابعين العظام كعبدالله بن عباس رضي الله عنهما، حيث كان يُوصف في مجلسه بالبحر لغزارة علمه، وكان يحيط به الإجلال والمهابة كالأمير المطاع، لا بسلطان السيف ولكن بسلطان البيان والمعرفة(12).

وهذه الصورة تذكر بمكانة العلماء في الحضارة الإسلامية؛ حيث لم تكن المعرفة شأنًا هامشيًا، بل كانت عنصرًا من عناصر بناء المجتمع، فالعالم كان حافظًا للذاكرة، ومرشدًا للناس، وميزانًا عند اختلاف الآراء.

ولهذا بقيت أخبار أمثال عبدالرحمن بن أبي ليلى حاضرة في كتب السير؛ لأنها لا تحكي عن فرد فقط، بل عن نموذج حضاري يربط العلم بالتأثير، والعبادة بالعمل، والمعرفة بالمسؤولية.

إن صورة التابعي الكوفي في هذا الخبر تقدم معنى خالدًا: أن الإنسان قد يبلغ من المكانة ما يجعل الناس يرون فيه صفات القيادة، لا لأنه طلب الرياسة، بل لأنه أتقن بناء نفسه حتى أصبحت سيرته رسالة قبل كلامه.

الهوامش
  • 1 عبدالرحمن بن أبي ليلى الأنصاري الكوفي: تابعي جليل من كبار أئمة الكوفة، ولد سنة 17هـ في خلافة عمر بن الخطاب، اشتهر بالحديث والفقه والعلم، وكان من العلماء العاملين وشارك في قيادة القراء يوم الجماجم، سكن الكوفة، وتوفي سنة 82هـ بعد معركة «دير الجماجم»، وقيل: غرقاً في نهر دجيل، سير أعلام النبلاء (5/ 150).
  • 2 سير أعلام النبلاء (5/ 150).
  • 3 شعب الإيمان: البيهقي (3/ 288/ 1669).
  • 4 الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع: الخطيب البغدادي (1/ 191).
  • 5 وفيات الأعيان: ابن خلكان (3/ 277).
  • 6 صحيح مسلم (121).
  • 7 اقتضاء العلم العمل: الخطيب البغدادي، ص 32.
  • 8 مسند الفردوس: الديلمي (3/ 71/ 4201).
  • 9 سيرة ابن هشام (1/ 437).
  • 10 ترتيب المدارك وتقريب المسالك: القاضي عياض (1/ 130).
  • 11 صحيح البخاري (1/ 25).
  • 12 البداية والنهاية: ابن كثير (8/ 108).
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة