القرآن الكريم.. وتجديد الوعي الإسلامي
يعيش العالم اليوم في عصر التدفق غير المحدود للمعلومات، مع وفرة كبيرة في الوسائل التي تمكنه من الحصول على المعلومة، وأصبح بإمكان الواحد منا أن يبحث عما يريد بأكثر من طريقة ووسيلة، إلا أن المثير والغريب في الأمر أنه مع هذا التدفق غير المحدود لم تتساوَ معه الزيادة في الوعي، وصارت المجتمعات عامة، ومنها المجتمعات الإسلامية، تعاني من تسطيح الأفكار وتزييف الوعي نتيجة الإقبال غير المنضبط على هذه الوسائل، وفي المقدمة منها الوسائل الإعلامية بمختلف أنواعها، وهو ما يدعو المسلمين إلى العودة الجادة نحو المرجعية الأولى للعلم والمعرفة، وهو القرآن الكريم، الذي أعاد تعريف وصناعة وعي المسلمين، فسادوا الأرض شرقًا وغربًا، ووصلت سماحتهم كافة أقطار المعمورة.
مفهوم الوعي في الرؤية القرآنية
والوعي من
المنظور القرآني لا يقف عند حد الإدراك أو العلم بالشيء ومعرفته، بل يتجاوزه إلى
المعرفة الكاملة التي تجمع بين الإدراك العقلي والقلبي، المعرفة القائمة على
الإحساس والمشاهدة واليقين، وقد عبر عنها القرآن الكريم بقوله: (أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا
فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ
مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا) (الأنعام: 122).
حيث اختصرت هذه
الآية النظرة القرآنية للوعي وللإنسان الواعي من غيره، وبينت أن الوعي الذي يحدثه
القرآن ويصنعه يأتي على المرء كالحياة في جسد الميت أو كنور يرشد التائهين في ظلمة
حالكة، خاصة وأن الآية التي سبقتها كان موضعها تزيين الشياطين وتزييفهم وإيحاءهم
لأوليائهم لمجادلة المؤمنين، مع تحذير الله تعالى لعباده المؤمنين من اتباعهم أو
طاعتهم.
وإن أكبر عوائق
الوعي عبر التاريخ تتمثل في الاستسلام للإجماع الزائف، سواء كان فكرًا أو سلوكًا
أو عبادة، وهو ما عناه القرآن الكريم بقوله تعالى: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ
قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ
آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ) (البقرة: 170)، وقد
وردت آيات مشابهة لها في القرآن الكريم تحمل نفس الدلالة ونفس التهكم على أولئك
الذين سلموا قياد عقولهم لغيرهم، فسُلب منهم وعيهم وإدراكهم، وباتوا مجرد نسخ أخرى
مقلدة لا تعي من الأمر إلا ما ألزمها به الوعي الجمعي الزائف.
وإن كانت مظاهر
تقليد الآباء والأجداد قد اختفت في هذا الزمان، فإن تزييف الوعي اليوم اتخذ
أشكالًا وأنماطًا متعددة، منها الخفي ومنها الظاهر ومنا يحمل في ظاهره الطيب ويخفي
بين ثناياه الخبث، والقرآن لا يكتفي بصناعة وعي المسلمين لحاضرهم فحسب، بل يمده
لماضيهم من أجل الاستفادة لمستقبلهم.
ويذكر القرآن
كثيرًا من قصص السابقين داعيًا لأخذ العظة والعبرة منها، كما يرشد لفقه السنن
الكونية والإلهية التي عبر منها الذين عاشوا هذه القصص، ثم يؤكد أن هذه السنن
تمدهم بالفقه والعلم والمعرفة والوعي اللازم؛ لأنها ثابتة لا تتغير ولا تتبدل،
فيقول عز وجل: (فَلَنْ تَجِدَ
لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلًا) (فاطر:
43).
والإسلام لا
يكتفي بصنع وعي المسلم تجاه عالمه الذي يعيش به فحسب، بل يصنع وعيه تجاه نفسه
أيضًا، ويقدم تصورًا دقيقًا لها موضحًا بأنه لم يُخلق الإنسان ملكًا طاهرًا ولا
شيطانًا رجيمًا، بل بين أنه خُلق بين هذا وذاك، وفيه امتزاج بين الخير والشر، قال
تعالى: (وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا {7}
فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا) (الشمس).
وبين للإنسان
أنه خُلق ضعيفًا بمختلف أنواع الضعف، سواء كان في البنية أو الإرادة أو العزيمة أو
الإيمان، فكان ضعفه سببًا لتخفيف الله تعالى عنه ما لا يطيقه أو يصبر أو يقوى
عليه، قال تعالى: (يُرِيدُ
اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا) (النساء: 28).
ويوضح القرآن
أسرار النفس البشرية ودخائلها، وأن الإنسان قد يصاب بالغرور والتعالي إذا وجد
سببًا للنجاح أو حققه، وقد يقع في اليأس إن فقد أسباب قوته، وأنه قد يصاب بالكدر
والحزن والألم إن فاته ما يحب أو أصابه ما يكره، أو بالزهو والاختيال، أو ربما
التكبر والغرور إن نال نعمة أو حقق هدفًا، داعيًا للتوسط والاعتدال في المشاعر
فرحًا وحزنًا، قال تعالى: (لِكَيْلَا
تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا
يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ) (الحديد: 23).
ومن أمثلة الوعي
الذي يصنعه القرآن الوعي بالربح والخسارة، فالربح حسب المقاييس الدنيوية الذي هو
ضد الخسارة أو الخسران، يعني النماء والزيادة، وعليه فإن من مرض على هذا المقياس
فقد خسر صحته، ومن أصيب بالجنون فقد خسر عقله، ومن خسر ماله فقد خسر تجارته، وهكذا.
والقرآن وإن كان
لا ينفي أن كل ما سبق يعد خسارة، لكنه يصنع وعي الإنسان بأن هناك خسارات أكبر،
خسارات من نوع آخر أكثر ضررًا، وهي أن يخسر الإنسان نفسه وأهله وعمله الصالح
وآخرته، يقول تعالى: (قُلْ
إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ
الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ) (الزمر: 15)؛ وقد جاء بلفظ الخسران هنا
للدلالة على أنه لا خسارة أكبر من هذه الخسارة، وهي خسارة بحسب التعبير في الآية
تشمل الدنيا والآخرة، ومن المعروف عند العرب أنها إذا زادت حرفًا زادت معنى، وهو
الفرق بين الخسارة والخسران والخسر أيضًا، فالخسران أكثرها حروفًا، وأكثرها دلالة
على الخسارة، وأكثر شمولًا.
الاستبصار بالقرآن لمواجهة تحديات العصر
وفي خضم هذا الواقع الذي يعيشه العالم اليوم، تبدو الحاجة أكثر إلحاحًا إلى بناء وعي راسخ لا تؤثر فيه الضغوط الجمعية الزائفة، وهذا لن يتأتى إلا بالعودة الصادقة إلى القرآن الكريم، الذي أنزله الله مشروعًا متكاملًا لصناعة الإنسان الواعي في فكره، والمتزن في مشاعره، والبصير بحقيقة نفسه ودنياه وآخرته.
حيث إن القرآن
يصنع وعيًا يحرر عقل الإنسان من التقليد الأعمى، ويوقظ قلبه من الغفلة، ويمنحه
القدرة على التمييز بين الحق والباطل، ويربطه بسنن الله الثابتة في الحياة والكون
والإنسان.
ومن هنا فإن
الأمة أحوج ما تكون اليوم إلى استعادة هذا الوعي القرآني؛ ليكون منطلقًا لإصلاح
الأفكار، وتقويم السلوك، وبناء المسلم القادر على مواجهة تحديات عصره بثبات وبصيرة
وهداية.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً