موقف والي المدينة عند وفاة معاوية وفقه إدارة الأزمات..
كيف يضبط المسؤول سلطته؟ الوليد بن عتبة وحرمة الدماء
روى الإمام الذهبي في ترجمة الوليد بن عتبة(1) بـ«سير أعلام النبلاء»، أنه ولي لعمه معاوية المدينة، وكان ذا جود، وحلم، وسؤدد، وديانة، وولي الموسم مرات، ولما جاءه نعي معاوية، وبيعة يزيد، لم يشدد على الحسين، وابن الزبير، فانملسا منه، فلامه مروان، فقال: ما كنت لأقتلهما، ولا أقطع رحمهما.
يمثل هذا الموقف
جانبًا مهمًا من قراءة الشخصيات التاريخية؛ إذ لا يكفي النظر إلى الأحداث من زاوية
الصراع السياسي وحده، بل تحتاج بعض المواقف إلى قراءة في تكوين الإنسان، وقيمه،
وحدود السلطة التي يملكها حين تتعارض أوامر السياسة مع مقتضيات المروءة والرحمة، والحديث
عن الوليد بن عتبة هنا لا ينفصل عن حساسية المرحلة التي أعقبت وفاة معاوية بن أبي
سفيان سنة 60هـ، حيث كانت المدينة المنورة مسرحًا لتحولات سياسية كبرى، وكان موقف
كبار الشخصيات فيها ذا أثر بالغ في مسار الأحداث.
وتبقى القراءة
العلمية لهذا الخبر مرتبطة بسياقه التاريخي؛ فهو موقف من مواقف الفتنة والسياسة في
صدر الإسلام، وقد اختلفت نظرات المؤرخين في تقييم أحداث تلك المرحلة، لكن المعنى
الذي يلفت النظر في الرواية هو إبراز شخصية والي المدينة وهو يوازن بين مقتضى
السلطة، وما يراه من حرمة الدم وصلة الرحم.
لماذا فضَّل الوليد بن عتبة المروءة على قرار الإكراه؟
كان الوليد بن
عتبة يمثل موقعًا حساسًا؛ فهو والي المدينة، والمدينة ليست مدينة عادية في الوعي
الإسلامي، وإنما موطن النبوة، ومستقر عدد كبير من الصحابة وأبنائهم، ومجال تتحرك
فيه الرموز الدينية والاجتماعية ذات المكانة العالية.
عندما وصل إليه
خبر وفاة معاوية وطلب أخذ البيعة ليزيد، وجد نفسه أمام موقف معقد؛ فهناك أمر سياسي
يتعلق بانتقال السلطة، وهناك شخصيات لها منزلتها الخاصة، وفي مقدمتها الحسين بن
علي، وعبدالله بن الزبير، رضي الله عنهما، وقد نقلت الرواية أنه لم يشدد عليهما
حتى تمكنا من الخروج من عنده.
إن أهمية هذا
الموقف ليست في كونه إجراءً سياسيًا فقط، بل في أنه يكشف عن حضور معيار أخلاقي
داخل القرار، فالإنسان حين يمتلك السلطة يُختبر بما يفعله عندما يستطيع الإكراه،
لا بما يقوله عندما يعجز عنه.
وقد تجسد هذا
المبدأ عمليًا في موقف عثمان رضي الله عنه زمن الفتنة، حين رُغِّب في قتال
الخارجين عليه دفاعًا عن نفسه، فاختار أن يصبر ويحقن دماء المسلمين، وقال: «أما أن
أخرج فأقاتل فلن أكون أولَ من خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمته بسفك
الدماء(2).
ومن هنا يظهر أن
بعض المواقف التاريخية لا تُقرأ فقط بنتائجها السياسية، بل بما تكشفه من طبيعة
النفوس عند لحظات الضغط.
كيف يضبط الحلم قرارات المسؤول وقت الأزمات؟
وصفت المصادر
الوليد بن عتبة بأنه كان ذا جود وحلم وسؤدد وديانة، وهذه الصفات ليست مجرد أوصاف مدحية، بل
مفاتيح لفهم اختياره في تلك اللحظة.
فالحلم في شخصية
المسؤول ليس مجرد احتمال للأذى، وإنما قدرة على ضبط القوة حين تكون متاحة، وقد مدح
القرآن كظم الغيظ والعفو فقال تعالى: (وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ
يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) (آل عمران: 134).
ومن أبلغ
الشواهد التي تُجسِّد هذا الخُلُق في واقع التعامل مع الناس، ولا سيما عند وقوع
الإساءة، موقف علي بن الحسين مع ابن عمه حسن بن حسن؛ إذ جاءه الأخير في المسجد
فأسمعه كلامًا قاسيًا، فلم يقابله بمثله، ولم يزد على أن التزم الصمت، ثم لم يكتفِ
بذلك، بل ذهب إليه ليلًا في منزله، وقال له بصدقٍ وإخلاص: «يا أخي، إن كنت صادقًا
فيما قلت لي فغفر الله لي، وإن كنت كاذبًا فغفر الله لك»(3)، فكانت هذه
الكلمات العملية أبلغ من كل جدال، إذ دفعت حسنًا إلى البكاء والاعتذار ومعانقته،
ليتحول موقف الخصومة إلى موقف صفاءٍ ومودة.
ولا يعني ذلك أن
كل موقف سياسي يختزل في الحلم وحده، فالسياسة لها حساباتها، لكن الحلم يمنع
الإنسان من أن تتحول السلطة في يده إلى اندفاع أعمى.
وفي واقع
المؤسسات اليوم، يحتاج المسؤول إلى هذه الخصلة حين يتعامل مع المخالف، أو الموظف
المختلف، أو الأزمة التي قد تدفعه إلى قرارات متسرعة.
كيف أوقفت حرمة الدماء صلاحيات والي المدينة؟
كانت عبارة
الوليد بن عتبة، لمروان: «ما كنت لأقتلهما، ولا أقطع رحمهما» تحمل دلالة عميقة؛ فهي لا
تناقش فقط قضية إجراء سياسي، بل تعلن حدًا أخلاقيًا لا يريد تجاوزه.
فالقتل ليس
قرارًا إداريًا عابرًا، والدماء في الشريعة لها حرمة عظيمة، وقد جاء في الحديث
الصحيح: «لا يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يصب دمًا حرامًا»(4).
ولم يقف هذا
المبدأ عند حدود التنظير، بل تجسد في مواقف عملية لخيرة هذه الأمة، ومن أبرزها
موقف عثمان بن عفان رضي الله عنه، حين منع استخدام القوة حتى من قبل المدافعين
عنه، فقال للمحاصرين معه في الدار حين استأذنوه في القتال: «أعزم على من كانت لي
عليه طاعة ألا يقاتل»(5).
ومن هنا نفهم أن
خوف الإنسان من تجاوز الحدود الشرعية قد يكون أقوى من رغبته في المحافظة على موقعه،
وقد يملك القائد صلاحيات واسعة، لكنه يبقى مسؤولًا أمام الله عن الطريقة التي
يستخدم بها تلك الصلاحيات.
وهذا المعنى
حاضر في كل زمان؛ فالمعلم، والمدير، ورب الأسرة، وصاحب القرار، جميعهم يملكون
قدرًا من القوة، لكن قيمة هذه القوة تظهر عندما يضبطونها بالعدل والرحمة، لا عندما
يثبتون قدرتهم على استخدامها.
كيف تعامل الوليد بن عتبة مع ضغوط دائرته السياسية؟
يمثل الحوار بين
الوليد بن عتبة، ومروان، صورة من صور التوتر المعتاد في لحظات الأزمات؛ فريق يرى أن الحزم
هو الطريق لحماية السلطة، وفريق ينظر إلى عواقب القرار وآثاره الأوسع.
ولا يعني ذلك أن
أحد الطرفين يُختزل في صورة واحدة، فالشخصيات التاريخية أكثر تعقيدًا من الأحكام
السريعة، لكن الرواية تقدم لنا نموذجًا لفكرة مهمة؛ أن ضغط البيئة المحيطة قد يدفع
الإنسان إلى خيارات لا تشبه قيمه الأصلية.
وقد قال الله
تعالى: (وَلَا
يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ
لِلتَّقْوَىٰ) (المائدة: 8)؛ فالعدل لا يكون فقط مع من نوافقهم، بل يظهر
عند الاختلاف والخصومة.
ولا تكتمل صورة
هذا الخُلُق إلا بالنظر إلى مواقف من قدَّموا رضا الله على كل اعتبار، ومن أظهرهم
الخليفة عمر بن عبدالعزيز؛ إذ قرر ردَّ المظالم التي استحوذت عليها أسرته من بني
أمية، فواجه ضغوطًا شديدة من أقاربه الذين استعانوا بعمته فاطمة بنت مروان لتثنيه
عن قراره، لكنه آثر العدل ورضا الله على إرضاء أسرته ومصالحهم(6).
وفي الحياة
المعاصرة، يواجه الإنسان صورًا مشابهة من ضغط الجماعة؛ فقد يُطلب منه اتخاذ قرار
قاسٍ فقط لأن الجميع يراه مناسبًا، بينما يحتاج هو إلى مراجعة أثره الأخلاقي
والإنساني.
دور صلة الرحم في إدارة الخصومات السياسية
لم تكن عبارة
الوليد بن عتبة عن عدم قطع الرحم مجرد تعبير عاطفي، بل كانت متصلة بثقافة عربية وإسلامية
ترى أن العلاقات الإنسانية لها حرمتها، وأن الخلاف لا يبرر إسقاط كل الروابط.
وقد أكد القرآن
أهمية صلة الأرحام والتحذير من قطيعتها، فقال سبحانه: (وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ
مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي
الْأَرْضِ أُولَٰئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ) (الرعد: 25).
ولا يعني اعتبار
الرحم تعطيل الحق أو إلغاء المسؤولية، وإنما يعني أن الخصومة لا ينبغي أن تهدم
إنسانية الإنسان، وهذا من المعاني التي تحتاجها المجتمعات اليوم، حيث تتحول
الخلافات أحيانًا إلى قطيعة كاملة، فيُمحى تاريخ العلاقة بسبب موقف عابر.
ولعل من أبلغ
صور هذا الخُلُق ما ظهر في موقف النبي صلى الله عليه وسلم مع عشيرته، حين وازن بين
الثبات على العقيدة والمحافظة على صلة الرحم؛ فقد أكد صلى الله عليه وسلم لقرابته
من قريش وبني هاشم حرصه على حفظ مكانة الرحم، رغم اختلاف الدين واحتدام الموقف
العقدي، فبعد أن حذرهم من النار أعلن قائلاً: «فإني والله لا أملك لكم من الله
شيئًا، إلا أن لكم رحمًا سأبلها ببلالها»(7)، جاعلًا صلة الرحم مبدأً
إنسانيًا ثابتًا في قراراته، لا تنقضه الخلافات العقدية.
لماذا يُعد تجنب التصعيد قرارًا قياديًا حكيمًا؟
من أبرز ما
يكشفه موقف الوليد بن عتبة أن القيادة ليست دائمًا في سرعة الفعل، فقد يكون الامتناع عن
التصعيد قرارًا واعيًا له حساباته؛ فالقائد الناجح لا يسأل فقط: هل أستطيع فعل
هذا؟ بل يسأل أيضًا: ما أثر هذا الفعل؟ وما الذي سيبقى بعد انتهائه؟ فالقرارات
الكبرى لا تقاس فقط بالقدرة التنفيذية، وإنما بسلامة العواقب.
ومن المواقف
التي تجسد هذا المعنى في أوقات الفتن والاضطرابات موقف أمير المؤمنين علي بن أبي
طالب رضي الله عنه، إذ لم يجعل امتلاكه القوة مبررًا للمبادرة إلى القتال، بل
قدَّم حقن الدماء والسعي إلى الحوار، فأمر جيشه يوم الجمل قائلاً: «لا ترموا أحدًا
بسهم، وكلموا القوم، فإن هذا مقامٌ من فلح فيه، فلح يوم القيامة»(8).
وفي المؤسسات
الحديثة، قد يكون التغافل الحكيم أحيانًا أداة لإدارة الخلاف، وقد يكون تأجيل
المواجهة وسيلة لحماية المصلحة العامة، بشرط ألا يتحول ذلك إلى تضييع للحقوق أو
هروب من المسؤولية.
من السيرة إلى الواقع.. قيمة الإنسان حين يعلو فوق المنصب
تكشف ترجمة
الوليد بن عتبة عن معنى متكرر في سير الرجال؛ أن المناصب تزول، لكن المواقف تبقى، فالإنسان
قد يُعرف بقرار واحد اتخذه في لحظة اختبار.
ومن هنا، فإن
بناء الشخصية لا يكون بكثرة الصلاحيات، وإنما بوجود ميزان داخلي يضبط التصرفات عند
الغضب والخوف والضغط، فالديانة التي وصف بها الوليد بن عتبة لم تظهر في الكلمات، بل ظهرت
حين أصبح أمام اختيار صعب.
ولعل من أبلغ
الشواهد التي يؤكدها التاريخ، وإن لم تُكتب في عبارة مأثورة، أن السيرة لا تكتبها
السنوات الطويلة، وإنما تكتبها اللحظات الفاصلة؛ فقد يعيش الإنسان عمرًا كاملًا لا
يلتفت إليه أحد، ثم يقف موقفًا واحدًا يزن عمره كله، فيبقى اسمه شاهدًا على قيمةٍ
حملها، لا على منصب تقلده.
وفي التربية
والدعوة والعمل، يبقى أعظم أثر يتركه الإنسان هو أن يرى الناس منه انسجامًا بين
قيمه وسلوكه؛ لأن الموقف العملي قد يكون أبلغ من كثير من الخطب.
يبقى موقف
الوليد بن عتبة مثالًا على أن التاريخ لا يُقرأ فقط من خلال انتصار طرف أو خسارة
طرف، بل من خلال الشخصيات التي كشفتها لحظات الاختبار، فقد أظهر هذا الخبر جانبًا
من الصراع بين مقتضيات السلطة ومقتضيات الرحمة، وضغط السياسة وحضور الضمير.
والإنسان في كل عصر يقف أمام اختبارات مشابهة، وإن اختلفت صورها؛ فقد تكون في منصب، أو أسرة، أو مؤسسة، أو مجتمع، ويبقى السؤال الأهم: هل تجعلنا القوة أكثر عدلًا، أم تجعلنا ننسى حدودنا؟ فالقيمة الحقيقية للقيادة تظهر عندما يكون الإنسان قادرًا على الفعل، ثم يختار ما يراه أقرب إلى الحق وأبعد عن الظلم.
الهوامش
- 1 هو الوليد بن عتبة بن أبي سفيان بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي ابن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب تولى إمارة المدينة المنورة من قبل عمه معاوية.. قيل: إنهم أرادوه على الخلافة بعد معاوية بن يزيد، فأبى، وقال يعقوب الفسوي: أراد أهل الشام الوليد بن عتبة على الخلافة، فطعن، فمات بعد موت معاوية بن يزيد، ويقال: قدم للصلاة على معاوية بن يزيد، فأخذه الطاعون في الصلاة، فلم يرفع إلا وهو ميت. (سير أعلام النبلاء، ج 3، ص 534).
- 2 الأحاديث المختارة ضياء الدين المقدسي.. ضياء الدين أبو عبدالله المقدسي، ج 1، ص 520.
- 3 صفوة الصفوة، ج 2، ص 100.
- 4 رواه البخاري.
- 5 سير أعلام النبلاء، ج 28، ص 201.
- 6 صفوة الصفوة، ج 2، ص 123.
- 7 شرح النووي على مسلم، ج 3، ص 439.
- 8 سير أعلام النبلاء، ج 28، ص 252.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً