حكاية الوليد بن عتبة وصحفة الطعام .. درس في مكارم الأخلاق
حكى ابن عباس رضي الله عنهما قال: ورد علينا الوليد بن عتبة بن أبي سفيان المدينة والياً، وكأن وجهه ورقة من ورق المصحف، فوالله ما ترك فينا فقيراً إلا أغناه، ولا مديوناً إلا أدى عنه دينه، وكان ينظر إلينا بعين أرق من الماء، ويكلمنا بكلام أحلى من الجنى، ولقد شهدت منه مشهداً لو كان من معاوية لذكرته، تغدينا يوما عنده، فأقبل الفراش بصحفة، فعثر في وسادة، فوقعت الصحفة من يده، فوالله ما ردها إلا ذقن الوليد، وانكب جميع ما فيها في حجره فبقي الغلام متمثلاً واقفاً ما معه من روحه إلا ما يقيم رجليه، فقام الوليد فدخل، فغيّر ثيابه، وأقبل علينا تبرق أسارير جبهته، فأقبل على الفراش وقال يا بائس ما أرانا إلا روّعناك، إذهب، فأنت وأولادك أحرار لوجه الله تعالى. (المستطرف في كل فن مستظرف).
بيان وفوائد:
تكشف هذه القصة جانبًا رفيعًا من مكارم الأخلاق التي كان العرب يعدّونها من دلائل السؤدد الحقيقي، فهي لا تتحدث فقط عن كرم الوليد بن عتبة بن أبي سفيان وعطفه على الناس، وإنما تُبرز قيمة الحِلم والرحمة حين يكون الإنسان قادرًا على الغضب والعقوبة ثم يختار العفو والإحسان.
فقد وصفه عبد الله بن عباس بأنه كان قريباً من الناس، يرفع حاجة الفقير، ويقضي دين المديون، ويعامل من حوله بلينٍ يبعث الطمأنينة في النفوس. وهذه الصفات تجعل صاحب الولاية محبوباً لا مهيباً فحسب، لأن الناس تنقاد غالباً إلى الرحمة أكثر مما تنقاد إلى القسوة.
ثم تأتي الحادثة التي سقطت فيها (الصحفة) على الوليد لتكشف حقيقة أخلاقه بعيداً عن المظاهر. فالإنسان قد يبدو كريماً في حال الرضا، لكن معدنه يظهر عند المفاجآت والمواقف التي تستفز النفس. والخادم حين أخطأ ارتعد خوفاً، لأنه توقّع العقوبة أو الإهانة، غير أن الوليد لم ينظر إلى ثيابه التي اتسخت ولا إلى هيبته التي ربما جُرحت أمام جلسائه، بل التفت مباشرة إلى قلب الخادم المرتعب، فقال له: "ما أرانا إلا روّعناك". وهذه العبارة وحدها تكشف سموًّا نفسيًّا نادراً؛ إذ انشغل بإزالة خوف الرجل قبل أي شيء آخر.
والأجمل من ذلك أن الوليد لم يكتفِ بالعفو، بل قابل الخطأ بالإحسان، فأعتق الخادم وأولاده. إن النفوس الكبيرة لا تتوقف عند تجاوز الإساءة، بل تجعل من المواقف المؤذية أبواباً للفضل والأجر.
وفي الحكاية أيضاً إشارة دقيقة إلى أن القيادة الحقيقية ليست في السلطة، وإنما في القدرة على امتلاك النفس. فكم من إنسان يملك المال أو المنصب، لكنه يعجز عن السيطرة على غضبه، في حين أن صاحب الخلق الرفيع يظل متزناً حتى في لحظات الانفعال.
كما أن في الحكاية درساً تربويّاً مهمّاً في التعامل مع من يعملون تحت أيدينا؛ فالخطأ غير المقصود لا ينبغي أن يُقابل بالإذلال أو التخويف، بل بالرفق والتقدير. فالنفوس تُصلحها الرحمة أكثر مما تصلحها القسوة، والإنسان إذا شعر بالأمان والكرامة ازداد وفاءً ومحبة.
ومن الناحية البلاغية، جاء وصف ابن عباس للوليد بعبارات بديعة مثل قوله: "بعين أرق من الماء" و"كلام أحلى من الجنى"، وفي ذلك تصوير لجمال المعاملة وعذوبة الحديث؛ مما يعكس أثر الأخلاق الحسنة في جذب القلوب وتأليف الناس.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً