وعي القيم في حياة التابعين

كيف يزن العالم المال؟ معيار عبد الرحمن بن أبي ليلى

رسم توضيحي يجسد معيار عبد الرحمن بن أبي ليلى في النظر إلى المال

أورد الذهبي، في «سير أعلام النبلاء»، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيْحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: كَانَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ أَبِي لَيْلَى بَيْتٌ فِيْهِ مَصَاحِفُ، يَجْتَمِعُ إِلَيْهِ فِيْهِ القُرَّاءُ، قَلَّمَا تَفَرَّقُوا إِلَاّ عَنْ طَعَامٍ، فَأَتَيْتُهُ وَمَعِي تِبْرٌ، فَقَالَ: أَتُحَلِّي بِهِ سَيْفاً؟ قُلْتُ: لَا، قَالَ: فَتُحَلِّي بِهِ مُصْحَفاً؟ قُلْتُ: لَا، قَالَ: فَلَعَلَّكَ تَجْعَلُهَا أَخْرَاصاً (القرط والدرع)، فَإِنَّهَا تُكْرَهُ(1).

يمثل هذا الأثر مشهداً صغيراً في حجمه، لكنه واسع الدلالة في معناه؛ فهو لا يقف عند مسألة جزئية تتعلق باستعمال الذهب أو الزينة، بل يكشف عن طريقة تفكير عالم من علماء التابعين في التعامل مع المال، ومعايير القيمة، وكيفية بناء الإنسان الذي يملك المادة ولا تملكه المادة.

ويقع هذا الموقف في بيئة الكوفة خلال عصر التابعين، وهي بيئة جمعت بين نشاط العلم والقراءة، وبين اتساع الحياة الاقتصادية بعد الفتوحات، وفي مثل هذه البيئات تظهر عادة أسئلة جديدة حول أثر الثراء في السلوك، وحول كيفية المحافظة على روح العبادة والعلم مع تغير أنماط المعيشة.

وكان عبد الرحمن بن أبي ليلى من أعلام التابعين، جمع بين العلم والعبادة والتعليم، وكان بيته في هذا الخبر أكثر من مكان للسكن؛ فقد تحول إلى مجلس قرآن، يجتمع فيه القراء، ثم لا يكادون ينصرفون إلا بعد مشاركة في الطعام، ومن هنا تبدأ قراءة هذا الموقف: فالعالم لم يكن يعالج قضية التبر بوصفها قطعة ذهب، وإنما بوصفها اختباراً لطريقة النظر إلى الأشياء.

كيف حوّل عبد الرحمن بن أبي ليلى بيته إإلى حاضنات علمية ومجتمعية؟

يكشف قول مجاهد: «كان له بيت فيه مصاحف يجتمع إليه فيه القراء» عن صورة مهمة من صور الحياة العلمية عند السلف؛ إذ لم تكن التربية محصورة في حلقات المساجد وحدها، بل كانت البيوت العلمية تقوم بدور حاضن للمعرفة.

ومن قبل بيوت التابعين كانت دار الأرقم بن أبي الأرقم مثالًا رائدًا على دور البيت في احتضان الدعوة والعلم، فقد جعلها النبي صلى الله عليه وسلم ملتقى آمنًا لتربية الصحابة وتعليمهم القرآن وترسيخ الإيمان في نفوسهم(2) ولم يكن الاجتماع فيها مجرد لقاء عابر، بل كان مدرسة تربوية ودعوية أسهمت في بناء الجيل الأول وإعداده لحمل رسالة الإسلام، ومن هنا يتبين أن البيت يمكن أن يكون حاضنةً للعلم والدعوة، ومجالًا لصناعة الوعي وبناء الشخصية المؤمنة القادرة على التأثير في المجتمع.

ويضاف إلى ذلك ما يسهم به البيت في إطعام المجتمعين، فالبيت هنا يؤدي وظيفتين متكاملتين؛ حفظ العلم ونشره، وبناء العلاقة الإنسانية بين أهل القرآن، ولم يكن الطعام في هذا السياق مجرد ضيافة عابرة، بل كان جزءاً من صناعة البيئة التي ينمو فيها العلم؛ إذ إن اجتماع القلوب على المائدة قد يفتح من أبواب الألفة ما لا يفتحه التعليم المجرد.

وقد كانت بيوت الصحابة والتابعين مكانا للتعلم والإطعام، حيث كانوا يحرصون على إنفاق أموالهم في هذا، ومن ذلك ما كان في مجلس حبيب بن أبي ثابت؛ فقد كان يطعم القراء ويجمعهم في بيته لمدارسة العلم؛ فعن كامل أبي العلاء قال: «أنفق حبيب بن أبي ثابت ‌على ‌القراء ‌مائة ‌ألف»(3).

وعن سلمى مولاة أبي جعفر قالت: كان أبو جعفر يدخل إليه إخوانه ‌فلا ‌يخرجون ‌من ‌عنده ‌حتى ‌يطعمهم ‌الطعام الطيب ويكسوهم الثياب الحسنة ويهب لهم الدراهم(4).

وفي واقع الناس اليوم، تحتاج المؤسسات التعليمية والدعوية إلى استعادة هذا المعنى؛ فالمكان الذي يجمع بين المعرفة والرحمة وخدمة الناس يكون أكثر قدرة على صناعة أثر مستمر من المكان الذي يقدم المعلومات مجردة عن الروابط الإنسانية.

فلسفة التعامل مع المال بين الجوهر والمظهر

لم يبدأ عبد الرحمن بن أبي ليلى بالنهي المباشر، ولم يقل لمجاهد: ماذا تفعل بهذا التبر؟ وإنما سلك طريقاً تربوياً يقوم على السؤال: «أتُحلي به سيفاً؟».

وهنا تظهر دقة المنهج؛ فقد نقل التفكير من قيمة المادة في ذاتها إلى وظيفتها، فالذهب ليس هو القضية، وإنما السؤال: أين يوضع؟ وما الغاية من استعماله؟

ثم انتقل السؤال إلى المصحف: «فتُحلي به مصحفاً؟»، وكأن العالم يفتح أمام صاحبه احتمالات متعددة حتى يدرك بنفسه أن القضية ليست في الأداة، وإنما في تحول الإنسان من تقدير الجوهر إلى الانشغال بالمظهر.

ثم وصل إلى الاحتمال الثالث: «فلعلك تجعلها أخراصاً، فإنها تكره»، فالمسار الحواري كشف المعيار الحقيقي؛ هل يتحول المال إلى وسيلة نافعة، أم إلى مظهر من مظاهر التأنق الذي لا يضيف قيمة حقيقية؟

ويدل على هذا ما ثبت عَنْ ‌مُطَرِّفٍ، عَنْ ‌أَبِيهِ قَالَ: «أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَقْرَأُ: (أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ)، قَالَ: «يَقُولُ ابْنُ آدَمَ: مَالِي مَالِي، قَالَ: وَهَلْ لَكَ يَا ابْنَ آدَمَ مِنْ مَالِكَ إِلَّا ‌مَا ‌أَكَلْتَ ‌فَأَفْنَيْتَ، أَوْ لَبِسْتَ فَأَبْلَيْتَ، أَوْ تَصَدَّقْتَ فَأَمْضَيْتَ»(5)؛ ناقلاً تفكيره من الانشغال بجمع المظهر إلى استثمار المادة في الغاية المعتبرة.

وهذا من أساليب التربية العميقة؛ فالإنسان كثيراً ما يقاوم الحكم إذا جاءه جاهزاً، لكنه قد يراجع نفسه إذا قادته الأسئلة إلى اكتشاف النتيجة بنفسه.

لماذا يتفوق التوجيه بالسؤال على النهي المباشر؟

في هذا الحوار تتجلى ملامح الذكاء التربوي عند عبد الرحمن بن أبي ليلى، فلم يكن هدفه إحراج مجاهد أو إظهار خطئه، بل بناء وعي داخلي لديه.

وهذا الأسلوب قريب من منهج التعليم النبوي الذي كان يعتمد أحياناً على السؤال وإشراك المتعلم في الوصول إلى المعنى، فالسؤال ليس مجرد طلب معلومة، بل وسيلة لتحريك العقل والقلب معاً.

ومن هنا يظهر الفرق بين من يصحح السلوك فقط، ومن يصنع الإنسان القادر على التصحيح الذاتي، فالأول يعالج موقفاً واحداً، أما الثاني فيبني معياراً يستمر مع صاحبه.

وفي حديث الشاب الذي جاء يستأذن في الزنى دليل على المنهجية النبوية في اتخاذ السؤال وسيلة للتربية وبناء الوعي، فعَنْ أَبِي أُمَامَةَ رضي الله عنه قَالَ: إِنَّ فَتًى شَابًّا أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، ائْذَنْ لِي بِالزِّنَى، فَأَقْبَلَ الْقَوْمُ عَلَيْهِ فَزَجَرُوهُ وَقَالُوا: مَهْ، مَهْ!

فَقَالَ صلى الله عليه وسلم: «ادْنُهْ»، فَدَنَا مِنْهُ قَرِيبًا، قَالَ: فَجَلَسَ قَالَ: «أَتُحِبُّهُ لِأُمِّكَ؟»، قَالَ: لَا، وَاللهِ جَعَلَنِي اللهُ فِدَاءَكَ، قَالَ: «وَلَا ‌النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِأُمَّهَاتِهِمْ»، قَالَ: «أَفَتُحِبُّهُ لِابْنَتِكَ؟»، قَالَ: لَا، وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ جَعَلَنِي اللهُ فِدَاءَكَ قَالَ: «‌وَلَا ‌النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِبَنَاتِهِمْ»، قَالَ: «أَفَتُحِبُّهُ لِأُخْتِكَ؟»، قَالَ: لَا، وَاللهِ جَعَلَنِي اللهُ فِدَاءَكَ، قَالَ: «‌وَلَا ‌النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِأَخَوَاتِهِمْ»، قَالَ: «أَفَتُحِبُّهُ لِعَمَّتِكَ؟»، قَالَ: لَا، وَاللهِ جَعَلَنِي اللهُ فِدَاءَكَ، قَالَ: «‌وَلَا ‌النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِعَمَّاتِهِمْ»، قَالَ: «أَفَتُحِبُّهُ لِخَالَتِكَ؟»، قَالَ: لَا، وَاللهِ جَعَلَنِي اللهُ فِدَاءَكَ، قَالَ: «‌وَلَا ‌النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِخَالَاتِهِمْ»، قَالَ: فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ وَقَالَ: «اللهُمَّ اغْفِرْ ذَنْبَهُ وَطَهِّرْ قَلْبَهُ، وَحَصِّنْ فَرْجَهُ»، قَالَ: فَلَمْ يَكُنْ بَعْدُ ذَلِكَ الْفَتَى يَلْتَفِتُ إِلَى شَيْءٍ(6).

وفي الأسرة والتعليم والدعوة المعاصرة، يظهر أثر هذا المنهج بوضوح؛ فالتربية التي تعتمد على الحوار والفهم أقدر على بناء القناعة من التربية التي تقوم على الأوامر المجردة، فالأب والمعلم والداعية يحتاجون أحياناً إلى أن يسألوا أكثر مما يتكلمون، لأن السؤال الجيد قد يكون بداية تحول فكري كامل.

الفرق بين الانتفاع بالنعمة وإضاعة المال بالشكليات

لا يظهر من هذا الأثر أن القضية هي رفض المال أو تحريم كل صور الجمال، وإنما القضية هي ترتيب الأولويات، فالمال نعمة إذا وُضع في موضعه، لكنه يصبح عبئاً حين يتحول إلى غاية مستقلة عن المقاصد.

وقد جاء في الحديث الصحيح: «إِنَّ اللهَ ‌كَرِهَ ‌لَكُمْ ‌ثَلَاثًا؛ قِيلَ وَقَالَ، وَإِضَاعَةَ الْمَالِ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ»(7)، ومن معاني إضاعة المال أن ينفق فيما لا يحقق منفعة معتبرة.

ولهذا كان توجيه عبد الرحمن بن أبي ليلى متعلقاً بفلسفة الاستخدام: فالسيف قيمته في نفعه، والمصحف قيمته في هدايته، والمال قيمته فيما يحققه من خير، لا فيما يضيفه من مظهر.

وهذا المعنى يحتاج إليه الإنسان المعاصر في زمن أصبحت فيه الصورة أحياناً تنافس الحقيقة، وأصبح الاستهلاك جزءاً من تعريف المكانة الاجتماعية، فالقيمة الحقيقية لا تقاس بما يملكه الإنسان من مظاهر، بل بما يقدمه من أثر.

كيف يقاس الجمال الحقيقي في الأشياء؟

يحمل هذا الموقف بعداً جمالياً عميقاً؛ فهو لا ينكر الجمال، وإنما يعيد تعريفه، فالجمال ليس دائماً في الإضافة الخارجية، بل قد يكون في اكتمال الوظيفة وصدق الغاية.

فالمصحف أجمل حين يكون كتاب هداية وتلاوة وتدبر، والسيف أجمل حين يؤدي وظيفته في موضعه، والمال أجمل حين يتحول إلى نفع وعطاء.

وهذا التصور يعيد للإنسان ميزاناً مهماً في عصر كثرت فيه صناعة المظاهر؛ إذ يجعل السؤال الأساسي: ماذا يضيف هذا الشيء إلى المعنى؟ وليس كيف يبدو أمام الآخرين؟ فعَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، عَنْ عُمَرَ بْنِ قَيْسٍ قَالَ: قِيلَ لِعَلِيٍّ بن أبي طالب: «‌لِمَ ‌تُرَقِّعُ ‌قَمِيصَكَ؟» قَالَ: «يَخْشَعُ الْقَلْبُ وَيَقْتَدِي بِهِ الْمُؤْمِنُ»(8)، فالجمال والحسن عنده في الأثر التربوي والرسالة المتعدية لا في فاخر القماش.

أثر تصحيح النظرة للمال في بناء المجتمعات

إن رسالة هذا الموقف لا تتعلق بالتبر وحده، بل بمنهج كامل في الحياة: أن يملك الإنسان الأشياء دون أن تستولي عليه، وأن يستخدم النعمة دون أن تتحول إلى مركز اهتمامه.

في الأسرة يظهر ذلك في تربية الأبناء على تقدير العلم والعمل لا المظاهر فقط، وفي التعليم يظهر في تقديم بناء الشخصية على زخرفة الشكل، وفي المؤسسات يظهر في توجيه الموارد إلى ما يصنع أثراً حقيقياً، وفي الإعلام يظهر في مقاومة ثقافة الاستعراض التي تجعل الإنسان يقاس بما يعرضه لا بما يقدمه.

ومن هنا يظهر أن زهد العلماء لم يكن انسحاباً من الحياة، بل كان وعياً بطريقة التعامل معها؛ فهم لم يرفضوا المال، وإنما رفضوا أن يصبح المال معياراً للقيمة.

ويبقى موقف عبد الرحمن بن أبي ليلى مثالاً على قدرة العالم الرباني على قراءة التفاصيل الصغيرة باعتبارها مؤشرات على معانٍ كبيرة، فالتبر في يد الإنسان قد يكون وسيلة خير، وقد يكون باباً للانشغال بالمظهر؛ والفارق ليس في المادة نفسها، وإنما في القلب الذي يوجهها والعقل الذي يزنها.

لقد قدم عبد الرحمن بن أبي ليلى درساً في التربية والقيادة وإدارة المال: أن بناء الإنسان يبدأ من تصحيح نظرته إلى الأشياء، وأن المجتمعات لا تحفظ قيمها بكثرة الكلام عنها، بل بوجود نماذج تعيشها في الواقع.

الهوامش
  • 1 سير أعلام النبلاء (4/ 265).
  • 2 سيرة ابن هشام (1/ 253).
  • 3 حلية الأولياء وطبقات الأصفياء (5/ 61).
  • 4 صفة الصفوة (1/ 364).
  • 5 صحيح مسلم (2958).
  • 6 مسند أحمد بسند صحيح (22211).
  • 7 متفق عليه، أخرجه البخاري (1477)، ومسلم (593).
  • 8 الزهد: أحمد بن حنبل، ص 108.
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة