الزهد الإيجابي

الزهد الإيجابي

قد تكون النفس مهيأة، في تلك الظروف التي تمر بها بلداننا العربية والإسلامية، لطرح قضية الزهد على فؤادها وعقلها وروحها؛ بُغية الوصول إلى قراءة جديدة وعصرية لمفهوم الزهد الإيجابي في مجتمعنا المعاصر.

نتأسى بالأنبياء والسلف الصالح عندما نتخلق بهذا الخلق الرفيع، ونخدم به أنفسنا والآخرين، ونعين به أسرنا ومجتمعاتنا على مواجهة التحديات والخطوب.

الزهد ليس بحرمان النفس، وليس بالجوع والعطش، كما يظن البعض، وليس بابتغاء الفقر أو العوز، أو القعود عن العمل والكسب، فربما يظن المرء أنه بذلك سيكون زاهداً!

قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ) (البقرة: 172)، وقال عز وجل: (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ) (الأعراف: 32).

يقدم القرآن الكريم معادلة دينية ودنيوية بليغة في هذا الباب، قال تعالي: (وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا) (القصص: 77)، وحديث النبي صلى الله عليه وسلم: «كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ» (رواه البخاري)، وقوله صلى الله عليه وسلم: «ازْهَدْ فِي الدُّنْيَا يُحِبَّكَ اللَّهُ، وَازْهَدْ فِيمَا فِي أَيْدِي النَّاسِ يُحِبَّكَ النَّاسُ» (رواه ابن ماجه)، وفي الآثار المروية عن الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه: «اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدًا، واعمل لآخرتك كأنك تموت غدًا».

أنواع الزهد

الزهد في الإسلام ليس انسحابًا من الحياة، أو نفوراً من الدنيا، بل هو انضباط في السلوك، يحمي النفس من الانغماس في الشهوات والملذات، ويوقف نزيف السفه والتبذير، دون أن يمنع العمل والعطاء، والتمتع بما أحله الله.

ينقسم الزهد إلى نوعين؛ الأول: سلبي يميل إلى الانقطاع والفقر، والثاني: إيجابي يشجع على العمل والعمارة دون أن تسيطر الدنيا على القلب.

ونقصد بالزهد الإيجابي في عصرنا الاستغناء عن الرفاهيات والكماليات، والتخلي عن السفه، ووقف التبذير والإسراف؛ تقوية للمجتمع، وإيثاراً للمصلحة العامة، خاصة في أوقات الحروب والصراعات، والأزمات والكوارث.

إن الخطر الذي يطرق الأبواب، لهو كبير، عندما تتفشى الاستهلاكية، وتتغول المادية، وتتسارع وتيرة الاستيراد، مصحوبة بارتفاع كبير في نسب الإهدار في المأكل والمشرب والملبس، وغير ذلك من ملذات الدنيا.

وقد تتفاقم الأخطار، عندما يتعمد العدو الإضرار بالبنى التحتية، والموارد المائية، ومصادر الكهرباء والطاقة، وغيرها من ممتلكات الشعوب ومقدرات الأوطان، حينها يكون الزهد الإيجابي ليس فقط خلقاً كريماً، بل حاجة مجتمعية، وضرورة عسكرية، وقيمة إنسانية وحضارية.

صور عصرية للزهد

من صور الزهد الإيجابي والعصري الحفاظ على المياه، وخفض نسب الهدر المائي، والتحوط للأزمات المائية، كذلك ترشيد استهلاك الكهرباء والوقود، والعمل على زيادة الفائض الطاقي، والحد من التلوث البيئي، وتفعيل سياسة إعادة التدوير.

وفي أوقات الحروب، من صور الزهد تحمل قسوة الظروف، والترفع عن الشكوى من تراجع جودة بعض الخدمات إذا حدث ذلك، والتضامن الجاد بشأن ما يمر به الوطن أو الأمة، وتنظيم حملات التبرع بالدم، وتقديم العون الإنساني للمحتاجين والمتضررين، وتعزيز خدمات الدعم النفسي لأسر الشهداء والمصابين.

ومن الصور العصرية للزهد تأجيل خطط الشراء للسلع غير الضرورية، وخفض فواتير الإنفاق المالي، وتوجيه جزء من الثروات لصناديق الادخار، ودعم العملة الوطنية، وعدم استنزاف الاحتياطيات النقدية.

التجارب الإنسانية تمثل هي الأخرى نمطاً جديداً للزهد الإيجابي، خاصة ما يتعلق منها بدعم العمل التطوعي والخيري، والانضمام لمبادرات العطاء الاجتماعية، والاعتماد على الذات، وتوجيه فائض الوقت والجهد والمال لخدمة الآخرين، لحديث ابن عمر رضي الله عنهما: أن رجلاً جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، أيُّ الناس أحبُّ إلى الله؟ فقال: أحبُّ الناس إلى الله أنفعهم للناس، وأحبُّ الأعمال إلى الله عز وجل، سرور تدخله على مسلم، تكشف عنه كربة، أو تقضي عنه ديناً، أو تطرد عنه جوعاً، ولأن أمشي مع أخ في حاجة، أحبُّ إليَّ من أن أعتكف في هذا المسجد- يعني مسجد المدينة شهراً» (رواه الطبراني في الأوسط والصغير).

وهناك الزهد الرقمي، وهو ما يتعلق بخفض ساعات تصفح الشاشات الإلكترونية، والتخلص من إدمان مواقع التواصل، ووقف إهدار الوقت في تصفح الهواتف الذكية، واستثمار الوسائل التقنية في خدمة المجتمع، ونشر العلم والمعرفة، وتطوير منصات لخدمة المتضررين، أو صناعة تطبيقات تتبع المفقودين.

ومن صور الزهد الرقمي، خلال أزمنة الحروب والأزمات والكوارث، التوقف عن تداول الشائعات والبيانات الكاذبة والأخبار المضللة، وتجنب نشر الذعر والهلع والخوف، عبر وسائل التواصل، والعمل على بث الأمل والطمأنينة، وتقديم كل أشكال المواساة والتضامن الإلكتروني، وصناعة محتوى واعٍ يروج للزهد والترشيد والادخار والتحوط في أوقات المحن وأزمنة الحروب.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة